دهام محمد العزاوي، الدار العربية للعلوم/مركز الجزيرة للدراسات، عمان/الدوحة، 2009، 195 ص.
1- بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف: "لعب الأكراد دورا مؤثرا في تاريخ العراق السياسي الحديث، إذ شكلت مطالبهم القومية وحركاتهم المسلحة وارتباطاتهم الخارجية، دافعا وراء الإبقاء على أزمة الهوية كأحد أبرز معالم الواقع السياسي للعراق الحديث، منذ نشأته مطلع العشرينات من القرن المنصرم إلى اليوم".
ويتابع: لقد "أثار الاحتلال الأمريكي للعراق في أبريل 2003، وما رافقه من انهيار معالم الدولة العراقية، تساؤلات مهمة حول مستقبل الوحدة الوطنية في العراق عموما، والمسألة الكردية في العراق بشكل خاص، في ظل الرعاية الأمريكية للأحزاب الكردية، وطموحاتها المتعلقة بتحقيق الفيديرالية وضم مدينة كركوك الغنية بالنفط، وتشكيل حكومة وبرلمان كردي، مارس كل مظاهر السيادة والاستقلال عن الحكومة المركزية العراقية، وما أعقب ذلك من مشاريع سياسية واقتصادية كرست الواقع الكردي الجديد، مثل قانون إدارة الدولة المؤقت، والدستور الدائم، وقانون تشكيل الأقاليم، ومن ثم الدستور الكردي، وقانون الاستثمار في إقليم كردستان".
كما أثار تساؤلات أيضا حول الضمانات التي من الممكن أن تحصل عليها القوى السياسية العراقة الأخرى، "من عدم تحول الفيديرالية الكردية إلى مشروع سياسي قومي يهدد سلامة العراق ووحدة أراضيه، لا سيما في ظل استمرار الأحزاب الكردية في سياساتها لتكريس مظاهر السيادة في إقليمها، بعيدا عن سلطة الحكومة المركزية".
وبصرف النظر، يقول الكاتب، عن أصلهم وأصل لغتهم، والأسباب التي جعلتهم موزعين على عدة دول وضمنها العراق، فإن الأكراد قد باتوا يصنعون من خلال انتشارهم الديموغرافي، مشكلة في إطار واسع وعريض "تمس كل دولة من مجموعة الدول التي أخذت تتضمن قطاعا منهم. ومن المفيد القول إن بدايات القرن العشرين شكلت المنطلق الحقيقي لنمو الشعور الكردي المطالب بالحقوق الكردية".
ويؤكد المؤلف أنه منذ الحرب العالمية الأولى، أخذت آمال الأكراد في بناء دولتهم الموحدة في كردستان تتصاعد، سيما في ظل وضع الرئيس الأمريكي ويلسون عام 1918 لمبادئه الأربعة عشر حول تقرر المصير لأبناء الأقليات الموجودة في إطار الدولة العثمانية (الأكراد، الأرمن، الآشوريين...الخ) أن يحصلوا على دولتهم الخاصة بهم.
ويلاحظ الكاتب أن الأكراد كانوا على وشك الحصول على دولتهم المستقلة بتركيا، بتزكية من عصبة الأمم، لولا تمكن مصطفى كمال من بسط نفوذه على كل تركيا، ورفضه لبنود معاهدة سيفر، التي أشرت على إمكانية حصول الأكراد على دولتهم المستقلة.
وكانت النتيجة بالمحصلة، يؤكد الكاتب، أن صادر أتاتورك حق وهوية الأكراد، وعمد إلى تقتيل هؤلاء وتهجيرهم، تماما كما فعلت إيران مع الجزء الكردي الذي ألحق بها، فيما ضم الباقي إلى الاتحاد السوفياتي وإلى العراق "بقرارات دولية قسرية".
إن أكراد العراق لا يمثلون إلا نسبة قليلة من ساكنة البلد (حوالي 4 بالمائة أو 3 إلى 4 مليون نسمة)، لكنهم يتحكمون في مناطق العراق الأكثر غنى، حيث المياه والزراعة والنفط.
وهم، شأنهم شأن باقي العراقيين، موزعين إلى قبائل وعشائر، وولاؤهم غالبا ما يكون للزعيم القبلي أو العشائري، وليس بالضرورة لرجال السلطة السياسيين أو العسكريين الذين غالبا ما يتمردون عليهم. ولعل أهم عشيرتين كرديتين بالعراق هما عشيرتي البارزانيين والطالبانيين.
2- لم يخف الأكراد تشبثهم بهويتهم، ومعارضتهم لكل النظم السياسية المتعاقبة على العراق، بل عملوا على توظيف ما أتى به الاحتلال الأمريكي لفائدة تقوية مطالبهم وتجسيدها على أرض الواقع. وقد أدى انشطار عراق ما بعد العام 2003، إلى تفريخ الأحزاب والطوائف والأعراق، كل يدفع بطروحاته ويقدم مطالبه الخاصة على مصلحة العراق العليا، في حرب لم يعمل الاحتلال الأمريكي إلا على تأجيجها أكثر والاستفادة منها.
ويرى الكاتب أنه بصرف النظر عن الاحتلال الأمريكي، فإن العراق عاش طيلة ثمانين عاما، تاريخا طويلا من العنف والقلق المتبادل بين قواه الاجتماعية، "ولم تبذل محاولات جدية لتأسيس عراق تتوزع فيه السلطة والثروة بشكل عادل، تجد فيه التكوينات الاجتماعية جزءا من حريتها ومطالبها، وتطرد مخاوفها وشكوكها". بالتالي، يقر المؤلف، فإن "التاريخ الثقافي الطويل للعنف في العراق، والتطبيق الطويل للمركزية، وعدم انتشار ثقافة التقاسم للسلطة بين المركز والأطراف، يضع عوائق كبيرة أمام تطبيق وتأسيس الفيديرالية في العراق، ويدفع ...باتجاه تكريس الانقسام في المجتمع العراقي، في ظل سيادة الثقافة الإثنية، وتغلغل مفهوم الاستبداد واحتكار السلطة لدى فئات محرومة من العراقيين".
لقد تم الدفع بأطروحة الفيدرالية، يلاحظ المؤلف، ليس فقط على اعتبار الامتيازات السياسية التي حملها الاحتلال الأمريكي لفائدة الأكراد، ولكن أيضا على خلفية من القول بأنها تمكن من دعم الديموقراطية، من خلال دعمها للوحدات الصغيرة أو لسكان المجموعات العرقية والدينية المختلفة، ناهيك عن الامتيازات الاقتصادية التي تعطي الفرصة لخدمة المصالح السياسية وترشيد الموارد، إلى جانب تخفيفها من حدة النزاعات والاحتقانات التي قد تنجم بين المناطق والأقاليم المختلفة.
وعلى هذا الأساس، يبدي الأكراد حماسة شديدة لتبني خيار الفيدرالية، باعتبارها الأداة التي ستمكنهم من المحافظة على خصوصيتهم، وتسمح لهم بتسيير إقليمهم...وهو المسلك الذي يتبعونه ويبدو، بنظر الكاتب، أنه سيفضي لا محالة للانفصال عن العراق، في أفق مشروع التقسيم الذي ينشده الاحتلال الأمريكي، ويعمل جاهدا على تكريسه ببلاد الرافدين.
* "الاحتلال الأمريكي للعراق وأبعاد الفيدرالية الكردية"، دهام محمد العزاوي، نافذة "قرأت لكم"، 1 يوليوز 2010