- الملاحظة الأولى ومفادها أن معظم الاقتصاديات (على الأقل المتقدم منها) تتجه منذ عقدين من الزمن وأكثر باتجاه اقتصاديات مبنية على المعرفة، على المعلومات، على البحث العلمي وعلى التطوير التكنولوجي عوض ارتكازها (كما كان الحال لعقود عديدة سابقة) على المواد الأولية والقوى العضلية والموارد المادية المباشرة وغيرها.
هذه ملاحظة جوهرية تعني أساسا أن المجتمعات أصبحت تمحور مفاصل تنميتها تدريجيا بجهة تبني الأنشطة المتمركزة حول البحوث العلمية والتطويرات التكنولوجية والمعارف المعتمدة على الكفاءات العالية.
يكفي للتدليل على ذلك أن المضامين المعرفية والعلمية والتكنولوجية للعديد من السلع والخدمات المتداولة أصبحت أكثر حجما وقيمة ومساهمة من المواد الأولية أو الاستخراجية أو المادية التي كانت إلى حين عهد قريب المكون المركزي لذات السلع والخدمات.
- الملاحظة الثانية وتتمثل في أن إحدى مظاهر وتمظهرات هذا الانتقال أو التحول إنما تكمن في الطفرة التكنولوجية الكبرى التي عرفها العالم في ميادين الاتصالات والمعلوميات وفورة تكنولوجيا السمعي-البصري وغيرها والتي أتت بما يسمى الطرق السيارة للاتصال والإنترنيت بأجياله المختلفة والبث التلفزي المباشر عبر الأقمار الصناعية وما سوى ذلك بفضل ثورة الرقمنة ووصول مبدلات وأجهزة إرسال ذات سعة عالية وما سوى ذلك.
والحقيقة أن ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال لم تعد فقط قاطرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعديد من دول وشعوب العالم، بل أضحت سمة العصر بامتياز لا مندوحة عنها في تحديد أو إعادة تحديد طبيعة التنمية المنشودة بهذه الدولة أو تلك.
- الملاحظة الثالثة وتكمن في الاتجاه المتزايد للعديد من القطاعات بجهة التقارب والاندماج والتداخل لدرجة الاندغام. ليس التلميح هنا فقط إلى اندماج شبكات الاتصالات بالمعلوميات وبالشبكات التلفزية وبشتى فروع الألكترونيات وغيرها، بل وأيضا إلى العديد من المجموعات الإنتاجية والخدماتية التي كان لهذه الطفرة فضل في توسيع فضائها أو تدويل أنشطتها أو بلوغ قطاعات لم تكن مكمن اهتمام من لدنها فيما سبق من وقت.
فالملاحظ من مدة أن العديد من مؤسسات البناء أو الأشغال العمومية أو غيرها ولجت ميادين الاتصالات و الاستثمار في القطاع التلفزي أو في تصنيع أعتدة وأجهزة البث والإرسال وما سوى ذلك.وهو أمر لم نعهده من ذي قبل. والملاحظ أيضا أن العديد من شركات الماء والكهرباء والتطهير دخلت ميدان النشر الألكتروني أو الإنتاج الإذاعي أو السينمائي وهكذا.
- الملاحظة الرابعة أن العديد من المفاهيم والتصورات، التي لم تكن مكمن تشكيك من ذي قبل، لم يعد لها نفس المعنى ولا نفس الحمولة الرمزية ولا نفس المدلول الذي كان يميزها إلى حين عهد قريب: ما معنى رأس المال مثلا وملايير الدولارات تتنقل بالشبكات التقنية في شكل بتات ألكترونية؟ وما معنى أن تبقي مؤسسة إنتاجية على طريقة تنظيمها الهرمي والكل أضحى اليوم منظما (أو هو في طريقه إلى ذلك) بشكل شبكي؟ ما معنى الإبقاء على الحدود بين حقول معرفية (من قبيل البيولوجيا أو المعلوميات أو الفلسفة حتى) وهي مبنية في طبيعتها على نمط منظومي شبيه؟
بالتالي، فالمنظومة التربوية والتعليمية (من المدرسة إلى الجامعة إلى مؤسسات البحث العلمي) لم تعد فقط على المحك في أدواتها وأدوات اشتغالها وطرق تواصلها، بل غدت في محك من فلسفتها ووظيفتها والمنظومة القائمة عليها في الشكل كما في الجوهر.
أعتقد إذن أن السياق العام الذي ستعمل في ظله الجامعة ومؤسسات التعليم العالي يجب أن يستحضر كل هذه المستويات: ثورة تكنولوجية شاملة، عميقة وذات تفرعات مختلفة، قطائع مؤسساتية جوهرية تطال الوظائف والأدوار والمنظومات وصيرورة جديدة تختزلها ظواهر جديدة من قبيل العولمة والشوملة وانفتاح الأسواق والفضاءات.
قد لا يتعذر على المرء استقراء واقع الجامعة بالدول المتقدمة على ضوء ما ورد من معطيات وملاحظات، لكنه يتعذر إلى حد كبير في حال العديد من دول العالم الثالث والدول العربية ضمنها.
فالجامعة في الوطن العربي تعيش أزمة مركبة من ثلاثة أضلاع كبرى:
+ هي أزمة هوية دونما إعمال لكثير من الاجتهاد. فالجامعة لم تعد تدري ما المطلوب منها تحديدا، هل المطلوب منها تكوين الإنسان بغرض منحه إمكانات وسبل التعايش مع عصره بصرف النظر عن إكراهات المحيط المباشر أم الغرض منها توفير "موارد بشرية" وفق ما تفرضه متطلبات السوق وتقتضيه حاجات المؤسسات الإنتاجية؟
الجامعة أصبحت بالوطن العربي في محك من وظيفتها، من دورها، من مكانتها ومن مستقبلها. الطفرة التكنولوجية الحاصلة في ميدان الإعلام والاتصال من حولها لا تضعها فقط في سياق موضوعي يسائلها في الجوهر بل أضحت الجامعة جراءها ولكأنها بمعزل عن ذات المحيط منفصلة عنه لدرجة الانفصام.
+ وهي أزمة مشروعية على اعتبار الانفصام المتزايد بين الجامعة ومكوناتها الكبرى على مستوى التأطير والتكوين وتلقين مناهج البحث العلمي. معنى هذا أن الجامعة بالوطن العربي لم تعد تتحصل مشروعيتها مما يروج بداخلها من بحوث ودراسات بقدر ما أصبح مصدر ذات المشروعية كامنا في جدوى ذلك على المستويين العملي والتطبيقي.
+ وهي أزمة مصداقية بحكم تدني القيمة الاعتبارية التي كانت الجامعة تتمتع بها إلى حين عهد قريب ولم يعد لها اليوم من أثر كبير يذكر. بالتالي فهجرة الكفاءات من داخلها هو، حقيقة الأمر، رد فعل على ذلك أكثر منه شيئا آخر.
وبناء علية فالجامعة في الوطن العربي هي مكمن أزمة حقيقية ليس فقط بجانب الأدوات بل وأيضا بجانب تحديد الرسالة ومطالبتها بضرورة ضبط الأهداف وتحديد الوظيفة.
بالتالي فمن الخطأ اليوم اختزال أزمة الجامعة بالوطن العربي في الجانب التكنولوجي واعتبار إدخال المنظومة التكنولوجية بأروقتها نهاية الإشكال.
المفروض هو تحديد التصور والرؤية أولا والنظر فيما بعد (وفيما بعد فقط) في السبل التكنولوجية التي من المستحب اعتمادها وإدماجها.
أزعم، على هذا الأساس، أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجامعة بالوطن العربي (في أفق الجامعة الافتراضية) ليس تحديا تكنولوجيا خالصا (سيما لو سلمنا بتوفرها)...التحدي الحقيقي أمامها هو في تصورنا من ثلاثة مستويات:
- هو تحدي مرتبط بقيم البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، إذ لا قيمة للجامعة (واقعية كانت أم افتراضية) إذا لم تتكرس بداخلها قيم البحث العلمي ومنظومة التطوير التكنولوجي ذات أهداف ومرامي مرسومة.
- وهو تحدي ثقافي سيما لو استحضرنا جانب الأمية الحضارية المتزايدة بين أبناء المنطقة العربية، وكذلك لو استحضرنا مركزية الجامعة في تثبيت القيم الثقافية ونشرها على نطاق واسع.
- وهو تحدي منهجي بجهة الجوانب المرتبطة بطرق ومناهج البحث والتطوير سيما وأن العمل أصبح اليوم جماعيا وشبكيا. وهو أيضا تحدي يطال إشكالية المضامين التي من المفروض أن تروج (لو سلمنا بجدوى الجامعة الافتراضية).
الملاحظ إذن بالمحصلة الأولية أن التحدي التكنولوجي المرفوع في وجه الجامعة اليوم بالوطن العربي هو جزء من تحديات عدة حتى وإن كان هو التحدي البارز...ومن الخطأ اعتبار رفعه حلا لأزمة الجامعة أو بناء في مستقبلها: الجامعة جزء من محيط عام يتباطأ سيرها بتباطؤ سير ذات المحيط وتسرع إن هو سارع في وتيرة سيره.
* "الجامعة وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال"، مداخلة بالندوة الفكرية العربية عن "التعليم العالي والتحديات التكنولوجية: سؤال الجامعة الافتراضية"، الاتحاد العام للطلبة العرب، الاتحاد العام لطلبة المغرب، الرباط، 27 يونيو 2003، جريدة العلم، 10 غشت 2003.