تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عن البرامج الدينية بالتلفزة في المغرب"

news-details

ليس من المتعذر حقا على المرء أن يحصر البرامج الدينية (أو ذات النكهة الدينية) التي تؤثث بها القناة الأولى كما الثانية (وهما قناتان عموميتان) شبكة برامجهما العامة اليومية أو الأسبوعية، القار منها كما الخاضع لدورة المناسبات الدينية من أيام جمعة وأعياد دينية أو إحياء لهذه الذكرى الرمزية أو تلك.

والواقع أن إحصاء بسيطا لحجم ما يعرض بالقناتين العموميتين يبين أن ذات البرامج لا "تستأثر" إلا بنسبة 1 بالمائة من الشبكة البرامجية اليومية العامة (للقناة الأولى) ولا تتعدى برنامجا واحدا من خمس وثلاثين دقيقة تقدمه القناة الثانية كل أسبوع ضمن شبكة بث مستمرة، متنوعة وباللغتين معا.

والحقيقة أن تدني حجم ما يرصد للبرامج الدينية ضمن شبكتي القناتين إنما يتأتى في تصورنا من اعتبارين اثنين إلى حد ما موضوعيين:

+ الأول كون القناتان عامتان، غير متخصصتان وتتغيآن بالتالي بلوغ نسب مشاهدة من أطياف اجتماعية وثقافية متنوعة ومن رغبات جماهير المشاهدين على تباين سنهم واختلاف أذواقهم وتلوناتها.

وعلى هذا الأساس تبدو البرامج الدينية (كالثقافية سواء بسواء) آخر المفكر فيه قياسا إلى ما ما يعتبر شادا لغالبية المشاهدين.

+ أما الاعتبار الثاني فلربما بسبب الاعتقاد بأن موسطة الدين تلفزيا لا يخدم هذا الأخير في شيء على خلفية من أن زمن الدين هو غير زمن التلفزة وفلسفة الدين هي غير فلسفة التلفزة المرتكزة على الآنية والسرعة وعلى السطحية في التناول سيما لو كانت القناة عامة تتطلع إلى مخاطبة الكل بهذه الطريقة أو تلك.

من هنا وعلى أساس من "الوعي" بهذه الخلفية عمدت العديد من الدول العربية والإسلامية إلى إنشاء قنوات تلفزية متخصصة وموضوعاتية أطلق عليها البعض "القنوات الدينية" وأسماها البعض الآخر " قنوات التوعية الدينية" وما سواها تماما كقنوات الموسيقى وقنوات الشباب وقنوات الأفلام وما سواها.

من نافلة القول، من جانب آخر،  التأكيد على أن زمن النذرة التكنولوجية قد ولى مع انفجار البث الرقمي وانتشار "أوعية" البث التلفزيوني العابر للقارات والمتجاوز للحدود.

ومن نافلته أيضا التسليم بأن عولمة الخطاب الديني التي ترتبت عن طفرة تكنولوجيا المعلومات وثورة الشبكات الألكترونية إنما ساهمت في تخليص شبكات التلفزة ذات الخاصية العامة من "إكراه" بث كل شيء وبالصيغة المرضية للكل فضلا عن ذلك.

ليس من الموضوعية في شيء إذن مؤاخذة القناتين جراء تقصيرهما في إيلاء البرامج الدينية الحجم والتنوع الكافيين إذ هي برامج ومواد تعارف الخاصة على أن مجالها "الطبيعي" هو بالمسجد كما بالمنزل كما بالمدرسة وليس بأي حال من الأحوال بالتلفزة.

وعلى هذا الأساس فإن استساغة إنشاء تلفزة محمد السادس للقرآن الكريم إنما يجب أن توضع أولا وتحديدا في هذا السياق، سياق تعذر تبليغ الرسالة الدينية عبر قناتين يتراءى للقائمين عليهما (وإن بالقول المضمر) أنها ليست من اختصاصهم ولا تدخل في صلب العملية الإعلامية العامة التي ينشدونها.

لو سلمنا أنه ليس من اختصاص القناة الأولى أوالثانية تمرير الخطاب الديني (أو الإسهام في صياغته) كما يتراءى للقائمين على شأنه (وإن كنا لا نجزم بعدم اختصاصهما المطلق)، فإن خلق قناة محمد السادس إنما تأتي من الوعي بذلك جملة وبالتفصيل. بالتالي وجب الوقوف عند هذه القناة تحديدا مع اعتبار أن ما تبثه القناتان إنما هو من باب المعاضدة والمساندة ليس إلا.

والواقع أن قرار إنشاء القناة إياها لم يأت فقط من الاعتبار أعلاه، بل وأيضا من مسلسل "إصلاح المجال الديني" كانت أحداث السادس عشر من ماي الشرارة التي حركت العملية في شكلها العام كما في الجوهر وتقاطبت مجتمعة حول ما أصبح يسمى منذ مدة ب "إعادة هيكلة الحقل الديني" بما هو المصدر الأساس للشرعية السياسية القائمة.

نحن إذن منذ مدة (على الأقل منذ تعيين وزير أوقاف جديد) إنما بإزاء عملية تبدو في جوهرها كما في وتيرتها ولكأنها تسابق الزمن حقا:

+ فهي (العملية أقصد) تتغيأ "تمرير الوحدة العقائدية للمغاربة" عبر قطع الطريق أمام مختلف التيارات الفكرية (المؤولة للدين وفق هذا المنظور أو ذاك) والتي من شأنها (أو هكذا يقال) "زعزعة مبدأ الوسطية" الذي دأب عليه المغرب لقرون طويلة مضت...

 القناة التلفزية الجديدة مطالبة إذن بأن تكرس مبدأ الالتزام المذهبي الذي اعتمده المغرب وسلكته أجياله دونما انزلاقات كبيرة أو ارتدادات تذكر.

+ وهي تدفع بجهة توطيد الشرعية الدينية للمؤسسة الملكية عبر حصر مسألة الفتوى في "مؤسسة إمارة المؤمنين" عوض تركها للاجتهادات الفردية التي قد لا تراعي التوازنات القائمة أو يكون من شأنها تأنيب المغاربة على بعضهم البعض على خلفية من هذا التأويل الضيق للدين أو ذاك والذي أججته عولمة الخطاب الديني وتعدد الفتاوى وتضاربها سيما  الفتاوى المقتنية للفضائيات العربية.

القناة الجديدة مطالبة أيضا بترجمة مبدأ الالتزام العقدي الذي التزمت مؤسسة إمارة المؤمنين باحترام بنوده في الشكل كما في المضمون.

في سياق ذلك، لن تكون قناة محمد السادس (وهي قناة رسمية على أية حال) لن تكون إلا العاكس والمموسط لهذه العملية بالصوت والصورة. ولن يكون للقائمين عليها من اختصاص يذكر إلا ما حدده لهم دفتر التحملات القائم ومدى قدرتهم على ترجمته بالحرف دونما إعمال من لدنهم لمبدأ الاجتهاد أو استحضار لعنصر المبادرة.

ولما لم يكن قد مضى على الانطلاق الرسمي للقناة إلا بعض من الأيام، فإن تقييم أدائها راهنا سيكون حتما كالرجم بالغيب. إذ المحك بالممارسة بداية وبالمحصلة النهائية.

لكن ذلك لا يمنع قطعا من إبداء ثلاث ملاحظات تبدو لنا ضرورية لو أريد لهذه التجربة حقا أن تنجح:

+ الأولى وتنطلق من بديهية أن هذه القناة إنما هي حكومية بامتياز ولن تقوم من هنا بداية ونهاية إلا على ترجمة الفلسفة المحددة لها وللخطوط الحمر المحصورة سلفا.

المفارقة هو أنه في زمن التحرير (تحرير كل شيء تقريبا) نرى أن الدولة تعمد إلى تقوية احتكارها وتشديده على فضاء يزعم البعض أنه ليس من اختصاصها المطلق. بالتالي فطبيعة الخطاب الإعلامي الذي ستروجه القناة إياها سيكون امتدادا طبيعيا لتصور القائمين على الحقل الديني بالجملة وبالتفاصيل سيما وأن المجال مجال تأويل ولا وصاية مطلوبة ولا مرغوب فيها بهذا الخصوص.

+ الملاحظة الثانية: قد لا يكون ثمة عيب في التمرير لمبدأي الوسطية والاعتدال بأرض الواقع (بالمساجد تحديدا) كما بالصوت والصورة، لكن ذلك قد يحول دون المرء ودون اطلاعه على ما سواه من مذاهب وتمثلات وآراء في الدين قد لا نجد لها أثرا على القناة لكنها موجودة بأرض الواقع أي على مستوى ما يسمى ب"القوى الدينية الشعبية".

تكريس أحادية الخطاب إذن إنما من شأنه " تشييء" الدين وتقديمه بالتلفزة كسلعة ذات مواصفات محددة  ليس في اقتنائها خيار يذكر. وهو أمر قد يكون مفعوله خطيرا لو استمرت ثقافة التبرير الديني التي طغت على هذا المجال لعقود خلت.

+ الملاحظة الثالثة: المطلوب من قناة كالتي أنشأتها وزارة الأوقاف لا يجب أن ينحصر في مستوى الوعظ والإرشاد في إطار خطاب عمودي جامد وجاف وإلا لاضطر المشاهدون إلى مغادرتها لمتابعة فضائيات قد لا تكون رسالتها متطابقة أو متوافقة مع فلسفة إعادة هيكلة الحقل الديني المعتمدة بالمغرب.

هي مطالبة بتكريس مبدأي التنوع والاختلاف داخل الدين ومن بين ظهرانيه. وهي مطالبة باستقطاب العلماء وأهل الدين المتفتحين، المؤمنين بجدوى الحوار وبجدوى ذات المبدأين.

وهي مطالبة فوق كل هذا وذاك بالتركيز على ما هو مشترك وتجنب كل ما من شأنه  إذكاء النعرات مع إقناع المشاهد بأن هذه الأخيرة (النعرات أقصد) هي حقيقة قائمة وليست فقط مسوغا مضمرا لخدمة أغراض هذه الجهة أو تلك.

* "عن البرامج الدينية بالتلفزة في المغرب" ، مجلة مدارك، شهرية، العدد 2، 15 يناير 2006.

يمكنكم مشاركة هذا المقال