تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحركات الإسلامية بالوطن العربي:المثال التونسي أنموذجا (1970-2000)

عليه علاني، أطروحة دكتوراه الدولة، تونس، 2005، 269 ص.

1- بمقدمة الأطروحة، يقول الكاتب: "لم يخطر ببال رجال السلطة في تونس في عهد النظام البورقيبي، أن يواجهوا حركة إسلامية ذات طابع سياسي، خصوصا وأن الرهان الكبير الذي قام عليه نظام الحكم، هو نشر التعليم لأوسع الشرائح الاجتماعية، خاصة الفقيرة منها. لكن الذي حدث هو أنه منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين، بدأت أولى بوادر التموقع للحركة الإسلامية بتونس، من خلال تحركات محتشمة. وقد استغلت الحركة ضمنيا التحركات المكثفة للمجتمع المدني، وما يواجهه من ضغوطات وصعوبات. فالتحركات اليسارية، التي ظهرت ضد النظام الحاكم في الستينات ومطلع السبعينات من القرن 20، زادت في تعميق القطيعة بين النخب السياسية والسلطة الحاكمة، كما أن بروز تيار ليبرالي منشق عن الحزب الحاكم، والذي عرف فيما بعد بحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وكذالك اندلاع الأحداث النقابية الدامية في 1978، كل هذه العوامل ساهمت في استمرار حالة الغليان".

لقد حاولت "حركة الاتجاه الإسلامي"، يقول الكاتب، أن تكون "تونسية" من خلال بعض نصوصها وبياناتها، لكنها فشلت في ذلك لتبعيتها الواضحة لتنظيم الإخوان المسلمين، وكذلك لاعتمادها ازدواجية الخطاب وازدواجية القيادة (سرية وعلنية على حد سواء).

وعلى الرغم من نجاح الإسلاميين بتونس في فرض خطابهم على بعض الفئات الاجتماعية، التي تنتمي في معظمها للطبقة الوسطى، أو لقطاع التلاميذ والطلبة، إلا أنهم فشلوا بنظر المؤلف، في التجدر في الأوساط العمالية، رغم تواجد بعض القياديين منهم في مواقع نقابية محدودة.

ويتابع القول: "لقد حاولت حركة الاتجاه الإسلامي تجاوز مرحلة النظام البورقيبي، فساندت في البداية مشروع الرئيس بن علي سنة 1987، وحاولت الاستفادة من هامش حرية التحرك الذي سمح لها به، إثر خروج معظم قياداتها من السجن"، إذ في فبراير 1989 أصبحت حركة الاتجاه الإسلامي تسمى حركة النهضة، وراهنت بذلك للتقدم للانتخابات التشريعية التي جرت في أبريل 1989 كحزب سياسي مدني. "لكن الخطأ الجسيم هو أن حركة النهضة بقيت نسخة مطابقة للأصل لحركة الاتجاه الإسلامي، من حيث مضمون الخطاب الإطلاقي، ومن حيث الهياكل التنظيمية، التي بقيت محافظة على ولائها التنظيمي للإخوان. كما أن أسلوب عملها لم يتغير، إذ حافظت حركة النهضة على ازدواجية الخطاب والقيادة، وتسربت من جديد إلى الأجهزة الأمنية، مما دفع السلطة الحاكمة إلى التصدي لها من جديد، من خلال المحاكمات والملاحقات الأمنية، في فترة التسعينات من القرن 20".

ويلاحظ الكاتب بذات المقدمة، أنه على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على نشأة الحركة الإسلامية بتونس، فإن تأثيرها في الرأي العام الوطني لا يزال محدودا،  "لا بحكم الملاحقات الأمنية فحسب بل لعوامل أخرى، أبرزها التصدعات التنظيمية لقيادة الحركة، سواء في الداخل أو في المهجر. كما أن أدبيات الحركة المنشورة في فترة التسعينات مثل كتاب الغنوشي حول الدولة الإسلامية، وكذلك البيانات التي تصدرها الحركة بين الحين والآخر، تؤكد مرة أخرى صعوبة أن تكون حركة النهضة تنظيما سياسيا مدنيا، يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية".

2- ويعتقد المؤلف أن النصف الثاني من القرن العشرين، تزامن وتزايد المد الأصولي بمعظم الدول العربية والإسلامية، واستعملت الإيديولوجية الإسلامية كمحرك للجماهير في مواجهتها للأنظمة الاستعمارية، ثم في معارضتها للنظم القائمة وتشكيكها في شرعيته الدينية، تماما كما فعل الخوارج والشيعة والأدارسة وغيرهم.

ويلاحظ أن قوة الحركات الإسلامية تكمن في غموضها. "فهي لم تطرح قط، قديما ولا حديثا، برنامجا واضحا مفصلا، سوى ما ترفعه من شعارات عامة ونداءات، كالجهاد في سبيل الله، أو إقامة الدولة الإسلامية. وعلى هذا الأساس، استطاعت أن تجند آلافا مؤلفة من الجماهير، في تنظيمات معظمها سرية زادها اضطهاد الحكام قداسة وشرعية شعبية".

ويصر الإسلاميون على الربط بين الدين والسياسة، يلاحظ المؤلف، من خلال إقرارهم بأن الرسول أسس الدولة الإسلامية الأولى بالمدينة، وبالتالي "فالخليفة حاكم ديني ودنيوي، ولذا تصبح مؤسسة الخلافة نظاما مقدسا، لا يجوز بأي حال التفريط في إقامتها".

ويتساءل، على لسان علي عبد الرازق، عما إذا كانت الدولة جزءا جوهريا من رسالة النبي، أم أنها لم تكن كذلك؟ "في الحالة الأولى ينبغي، وقد أتم النبي رسالته بوفاته، أن تكون أركان الدولة التي يريدها قد شيدت، وهذا لم يحدث على الإطلاق لا بالإشارة ولا بالتنفيذ، فالهيكل الرئيسي للدولة (كميزانيتها ودواوينها للشؤون الخارجية والداخلية والقضاء والجيش) لم يكن قائما أيام النبي، الذي لم يتحدث عن شكل الشورى وكيف تكون. وفي الحالة الثانية وهي الأرجح، فإن الدولة ونظامها السياسي لم يكن جزءا من رسالة النبي، والأدق هو أن الرسول جاء ليبلغ الناس دينا، لا نظاما للحكم".

ثم إن الرسالة قد تمت بانتهاء حياة النبي، "وبالتالي فالزعامات القادمة من بعده، لا تخلفه في رسالته الدينية التي انتهت بالفعل، بل هي زعامات مدنية سياسية... والدولة الجديدة التي أقامها أبو بكر هي دولة عربية وليست دولة إسلامية. ويسوق المؤلف دليلا على ذلك أن الذين لم يبايعوا أبا بكر لم يكفروا، بعكس الذين أنكروا الرسول، لأن حكم أبي بكر سياسي يقبل الجدل، بينما كانت الرسالة وحيا إلهيا".

لا شيء يمنع إذن من أن يبني العرب اليوم قواعد ملكهم ونظام حكومتهم، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، "وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم".

يقول هشام جعيط : "صحيح أن النبي كان يسعى لنشر حقيقته وانتشار عقيدته، لكنه حقق ذلك بلغة القوة والحرب، بواسطة وسائل عصره وعالمه، ويلاحظ في بدر أيضا أن الغنائم صارت عنصرا حاسما لاجتذاب الرجال".

يقول ابن كثير: "لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس، إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله (ص) سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة".

 إن شكل الحكم كان منذ البداية دنيويا اختياريا، وليس دينيا بشهادة عمر بن الخطاب، يقول الكاتب، لكن الذي وقع منذ الفتنة الكبرى هو عملية اغتصاب واضحة للحكم باسم الدين، انتهت بتغيير شكل الحكم من "انتخابي" إلى وراثي.

3- لقد كان للعلماء دور كبير في تبرير طبيعة الحكم، سواء كان جائرا أو عادلا، يلاحظ المؤلف. وكان التناغم كليا بين مؤسسة الحكم ومؤسسة العلماء خلال القرون التي أعقبت فترة الخلفاء الراشدين. ونادرا ما نجد عالما سنيا شكك في شرعية حاكم قائم، لأن ذلك عندهم من كبائر الأمور. ولهذا لم يدافع ابن تيمية عن رجوع الخلافة العباسية، بل بارك وأيد السلطة القائمة، التي "اغتصبت" الخلافة الشرعية، لأن المهم من بيده السلطة، وليس من هو أحق بالسلطة.

أما أبو حامد الغزالي فيقول: "إن السلطان قوام الدين، ولا ينبغي التقليل من أهمية وجوده وضرورته للأمن والاستقرار ووحدة الجماعة، حتى لو كان مستبدا أو ظالما فاسقا، ذلك أنه في مثل هذه الحالة ينطبق عليه الأثر المنسوب للنبي والقائل: (إذا عدلوا فيكم فلهم الأجر وعليكم الشكر، وإذا جاروا فعليهم الوزر وعليكم الصبر)".

أما محمد عبده، فيؤكد بصفة واضحة على مبدأ سيادة الشريعة، وضرورة أن يتصرف الأمير بشكل يطابق القوانين الشرعية، "مثله الأعلى في السلطة أن يوجد أمير عادل، وليس بالضرورة أمير ديمقراطي، وهو ما يسميه عبده بالمستبد العادل".

هذه الأمثلة القديمة والحديثة، تؤكد أن دور العلماء كان في غالب الأحيان والفترات، تبريريا لكل تصرفات السلطة، يقول الكاتب. وهو ما يبرز الاهتمام الكبير الذي يوليه الحكام للعلماء والفقهاء، لما لهم من سلطة معنوية على عامة الناس، كونهم محتكري تفسير كتاب الله، وهم وحدهم المؤهلين للفتوى بأن الحاكم مهما كان شكل ارتقائه السلطة، يحكم بما أنزل الله.

 ويلاحظ المؤلف أنه "مع بداية القرن التاسع عشر، وجد المسلمون أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه من التخلف والتقهقر، في كل الميادين العلمية والتقنية والأدبية، وتوقف الإبداع في كل المجالات حتى في المجال الديني، إذ أصبح التشبث بحرفية النصوص والاكتفاء بما كتبه الفقهاء السابقون أمرا محبذا، وهوجم كل مجدد للدين مثلما وقع لمحمد عبده وعلي عبد الرازق والطهطاوي والكواكبي وغيرهم. لكن هذا لم يمنع من انتشار الأفكار الإصلاحية، التي رغم تباينها واختلاف منطلقاتها، فإنها تلتقي حول ضرورة إعادة قراءة جديدة للإسلام في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية وثقافية تختلف جذريا عن العصر الإسلامي الأول"، ويدعو هؤلاء الإصلاحيون (الطهطاوي وخير الدين وغيرهم) إلى ضرورة أن يقتبسوا من الغرب كل علومه، مع التمسك بالشريعة الإسلامية.

4- في عام 1928، وقبيل اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية بقليل، "أسس الشيخ الشاب حسن البنا الساعاتي جماعة الإخوان المسلمين، كجمعية دينية صرفة، ذات أهداف خيرية. وقد ازدهرت حركة الإخوان في الأربعينات، وانتهت بعد أقل من عامين من قيام ثورة الضباط الأحرار في 1952، إلى صدام عنيف مع النظام الناصري"، وأصبحت الدعوة على مدى خمسة وعشرين عاما (1927-1952) معادلة للصحوة الإسلامية الجديدة، محاولة تجديد الحركة السلفية. كما أن الحركة ساندت ثورة يوليو 1952، بل كان بعض قيادي الثورة يلتقون باستمرار بقيادات الإخوان.

كان الاتجاه واضحا لدى حركة الإخوان في رفض تعدد الأحزاب، يقول الكاتب، بل ذهبوا لحد مساندة عبد الناصر في تصفية كل الأحزاب القائمة، معتبرين أنفسهم جمعية لا حزبا، رغم أنهم دخلوا معترك الحياة السياسية بمحاربة كل التيارات الرافضة لإقامة الدولة الإسلامية.

وأصبحت جماعة الإخوان فيما بعد، المنافس الحقيقي لنظام ثورة يوليو من دون سائر الأحزاب الأخرى، فجاءت تصفية الحركة في عهد عبد الناصر، وأعدم سيد قطب الذي أصبحت أفكاره تغزو العالم الإسلامي، وخاصة الحركات الإسلامية في الوطن العربي. وقد اتضح من خلال كتابات سيد قطب خاصة كتاب "معالم في طريق"، اتجاه متصلب يكفر كل ما هو قائم، ويعتبره نتاج الجاهلية الحديثة.

5- ويعتقد الكاتب أن انتشار ظاهرة "الإسلام الاحتجاجي" بمنطقة المغرب العربي، إنما هي امتداد طبيعي للتفاعلات التي طرأت على هذه الظاهرة بالمشرق العربي، وتحديدا النتائج التي ظهرت خلال المواجهة الدموية بين حركة الإخوان المسلمين في كل من مصر وسوريا. ويتفاوت هذا الانتشار من بلد إلى آخر، "فأضعف حلقة للحركات الأصولية توجد بليبيا والمغرب، وأقواها توجد بتونس والجزائر، وذلك لعدة أسباب ذاتية وموضوعية".

ويستنتج أن البلدان التي تسامحت فيها السلط أكثر مع التيار الإسلامي الاحتجاجي، وتركته ينشط، حتى ولو لم تمكنه من التأشيرة القانونية، هي البلدان التي تجذرت فيها هذه الحركات الاحتجاجية. "فالسلطة في تونس (في عهد الرئيس بورقيبة) وفي الجزائر (في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، خاصة في منتصف الثمانينات)، ساهمت في خلق وضعية جديدة قلبت المعادلة السياسية التقليدية، القائمة على صراع الأحزاب المدنية ضد الحزب الحاكم، لتصبح معادلة جديدة تقوم على استقطاب ثنائي بين الحركة الإسلامية والسلطة في كل من تونس والجزائر، لأن الأسباب الرئيسية هي أسباب اقتصادية اجتماعية، ثقافية". أما في ليبيا والمغرب، فكان هامش التحرك بالنسبة للإسلاميين محدود جدا.

 وقد تأثرت الحركات الإسلامية بالمغرب العربي بالتراث الفكري لحركة الإخوان المسلمين، من ذلك أن "حسن البنا وسيد قطب ومن خلفهم، فرضوا هيمنة إيديولوجية عقائدية بمنطقة المغرب العربي، وهو ما جعل مؤسسي هذه الحركات متشبثين بالحركة الأم، مثل الغنوشي بتونس ومطيع بالمغرب". فنظام الحكم في المغرب يكتسي طابعا دينيا، لاعتقاد العائلة المالكة أن نسبها الشريف يخول لها أحقية الحكم بالبلاد. أما ليبيا، فتعتبر من أضعف الحلقات للتيار الأصولي المنتشر بالمغرب العربي، إذ البلد قليل السكان وغني بالموارد البترولية، "إضافة إلى أن القيادة هناك تتميز براديكالية في خطابها السياسي، سواء في الجانب القومي العربي، وحتى في الجانب الديني. فقد وقع تحريم الكحول، وتطويع القانون الجزائي لأحكام الشريعة".

6- بالفصل الأول ("الإطار العام الذي ظهرت فيه الحركة الإسلامية بتونس: من الاستقلال إلى بداية السبعينات")، يعتبر المؤلف أن فترة الخمسينات من هذا القرن، هامة على الصعيد السياسي والفكري بتونس، لأسباب عديدة، نذكر منها سببين اثنين على الأقل: أولاهما يتعلق بتدرج تونس نحو الاستقلال، وثانيهما يتمثل في توحيد التعليم بتونس، بعد التخلي عن التعليم الزيتوني.

وقد كانت العلاقة بين الحزب الدستوري الجديد والزيتونيين متوترة في معظمها، قبيل فترة الاستقلال وإثرها، ولم يكن الصراع بينهما يعني بروز معارضة دينية مبكرة ضد حزب يتهيأ لتسلم السلطة، بل على مطالب محددة لم تحققها الحكومات وضمنها إصلاح منظومة الزيتونة، بدليل، يقول المؤلف، أن الحركة الإسلامية التي ظهرت في السبعينات، حتى وإن كانت تعتبر نفسها امتدادا فكريا للحركة الزيتونية، فإنها عمليا لا تلتقي معها لا من الناحية التنظيمية، ولا من حيث أساليب التحرك وأدوات العمل الميداني.

إنه لفهم خلفيات الخطاب الإسلامي بتونس، يؤكد المؤلف، لا بد من الإشارة إلى أبرز القرارات التي اتخذها بورقيبة، منذ نهاية الخمسينات، توقيا من أية معارضة دينية. هي أربع قرارات، "في المقام الأول، تحويل الجامعة الزيتونية إلى مجرد كلية دينية في شكل عصري، وفي نفس الوقت إدماج سريع لطلبة هذه الجامعة في مختلف هياكل الدولة، وترقية العناصر الشابة والحيوية منها في مناصب سياسية عليا. وبهذا نجح بورقيبة فيما لم ينجح فيه خير الدين، وهو احتواء المعارضة الدينية بإدماج قاعدتها في دواليب الدولة. الصنف الثاني من القرارات الهامة، يتعلق بمجلة الأحوال الشخصية، التي وضع قوانينها عدد من قدامى الزيتونيين، يضاف إلى هذا، الحملة التي شنها بورقيبة ضد الصيام في رمضان، واعتماد الحساب الفلكي عوض رؤية الهلال. الصنف الثالث من القرارات يتعلق بتثبيت اللغة الفرنسية في مراحل التعليم الثلاث. الصنف الرابع من القرارات، يتعلق بتحجير كل الحركات السياسية، أي منع التعددية السياسية، وتجميع كل المنظمات الشبابية تحت لواء الحزب الحاكم، وإخضاع القيادة إلى إدارة الحزب، باللعب على التناقضات داخل هذه القيادة".

إن حركة العلمنة التي قادها بورقيبة منذ الاستقلال، "لم تمنع من أن يبقى الإسلام دينا خالصا ونقيا، منغرسا بعمق في المجتمع التونسي وخاصة في الطبقات غير البورجوازية... إنه الوعي بالانتماء إلى الأمة". لكن الإسلاميين يرون أن في ذلك طمسا للهوية الإسلامية للمجتمع، ونقلا للمثال الغربي بحذافيره، دون مراعاة خصوصيات البلاد وتقاليدها.

إن المشكل الرئيسي بين الحركة الإسلامية والسلطة في تونس إنما يتحدد، برأي الكاتب، حول طبيعة العلاقة بين الدين والدولة. فالإسلاميون ينادون في تلك الفترة، بالدولة الدينية التي تطبق فيها الحدود الشرعية بحذافيرها. في حين أن السلطة اختارت منذ الاستقلال علمانية، "ليست في حالة قطيعة فكرية ومرجعية مع الايدولوجيا الإسلامية، بدليل وجود هذه العلاقة المتوترة مع المؤسسة ووصاية الدولة على الشعائر الدينية، واستفادتها من الرموز الثقافية التقليدية، لتبرير الايدولوجيا الوطنية التي كانت تبحث عن موطئ، وسط فضاء ثقافي تقليدي".

كما أن الدولة التونسية، وإن لم تظهر تشددا في الالتزام بالأحكام الدينية، مثلما تفعل بعض الدول العربية والخليجية على وجه الخصوص، فإنها يؤكد الكاتب، "حرصت على جعل الدين مرجعا أساسيا في خطابها السياسي، وطبقت علمانية ليست على غرار ما فعله أتاتورك، لأن هذا الأخير فصل فعليا بين الدين والدولة. لقد حاولت الدولة التونسية أن تتعامل مع الدين من منظار تحديثي لا سلفي، وهو ما جعلها تدخل في صراع مع بعض الزيتونيين، لان هناك شقا من الكوادر الوسطى والسفلى من الزيتونيين، اندمجوا في الدستور الجديد، وقبل أن تحذف السلطة التعليم بجامع الزيتونة، سعت إلى التنقيص تدريجيا من عدد تلاميذه".

وهو ما كان من شأنه "سد الآفاق العلمية والعملية أمام عدد كبير من الشباب الذي لا يتكلم إلا لغة واحدة هي العربية، وهذا ما أجبر عددا منهم على الهجرة إلى المشرق العربي، وخاصة إلى مصر لإتمام دراساتهم"، وكانوا بمعظمهم من أوساط فلاحية واقتصادية متواضعة، وكان من الطبيعي جدا أن يكن هؤلاء الشبان كراهية لبورقيبة، ويتعاطفون مع كل الأفكار العربية والقومية وخاصة الناصرية.

7- بالفصل الثاني ("مرحلة ما بين 1970 ــ 1979: تركيز الحركة سياسيا وتنظيميا") يتحدث المؤلف عن حدثين أساسيين في أواخر الستينات، كان لهما أبرز الأثر في ظهور "الجماعة الإسلامية"، والتي ستعرف فيما بعد بـ"حركة الاتجاه الإسلامي".

الأول خارجي، ويتعلق بهزيمة العرب في حرب 1967 ضد إسرائيل. وقد أدت هذه الهزيمة إلى تقلص تأثير الفكر القومي في البلدان العربية ومنها تونس، وهو ما نتج عنه فراغ إيديولوجي واضح، ستملؤه الأطروحات الإسلامية. الحدث الثاني داخلي، ويتعلق بفشل تجربة التعاضد بتونس في 1969، والتي كانت تقوم على اشتراكية قهرية. إثر هذا الفشل، انخرطت السلطة الحاكمة في تجربة ليبرالية متوحشة، مما أحدث رجة داخل المجتمع، أفقد الدولة كل مصداقية.

إن خطاب الجماعة الإسلامية لم يكن متجها إلى نقد السلطة بصفة واضحة، يقول الكاتب، "بقدر ما كان مرتكزا على مقاومة الإلحاد والشيوعية والثقافة الغربية. ومما ساعد الجماعة على رواج خطابها هو خيبة الأمل لدى الرأي العام، حيث تضررت فئات اجتماعية كبيرة من تجربة التعاضد، وتفاقم ما يسميه البعض بظاهرة التميع الأخلاقي، والتجاهر بمعاداة الدين، والاستهزاء ببعض الشعائر الدينية. وليس من قبل الصدف أن يتوسع نشاط الجماعة الإسلامية، بالتوازي مع تطور حركة التعريب. كما أن البداية بتعريب الفلسفة قبل غيرها من المواد الإنسانية الأخرى، يهدف أساسا إلى ضرب اليساريين الذي يتواجدون بكثافة في شعب الفلسفة".

ويلاحظ الكاتب، أنه بعد ضرب اليساريين في الستينات وإنهاء تجربة التعاضد، وبعد تدجين المنظمة النقابية والتضييق على نشاطها منذ 1978، وبعد انحسار تأثير الفكر القومي، خاصة إثر فشل عملية قفصة في 1980، أصبح هذا الفراغ سمة مميزة لمرحلة السبعينات والثمانينات. وقد "استفادت الحركة الإسلامية من تردي الأوضاع الاقتصادية لبعض الفئات، فازدادت نسبة المهمشين اقتصاديا واجتماعيا، وبذلك تضافرت كل هذه العوامل: فراغ إيديولوجي وتهميش اقتصادي، لدعم وتعميق ظاهرة التدين على الشكل الأصولي منذ نهاية السبعينات".

إن الحديث عن وجود تحالف بين الحركة الإسلامية والسلطة لضرب اليسار، ربما فيه نوع من المبالغة، يزعم المؤلف، "بل هناك في الحقيقة التقاء موضوعي بين السلطة و الحركة، حول معاداة الشيوعيين، والأرجح أن السلطة وظفت أطروحات الأصوليين لضرب اليسار الماركسي، لكن التشكك في وقوع هذا التحالف لا يمنع من وجود علاقة ما بين الطرفين".

ويعتقد المؤلف أنه "من الصعب الفصل بين نشأة التنظيم الإسلامي بالجامعة ونشأته داخل المجتمع، لأن أغلب قياديي الحركة مروا بالجامعة. ويؤكد الغنوشي أن أول خلية تنظيمية للحركة نشأت بالجامعة، وأنه كان شخصيا يشرف على تكوين عناصرها من الناحية الفكرية. كانت الكليات العلمية هي أولى الكليات التي تواجد الإسلاميون فيها بكثافة، مثل المدرسة العليا للمهندسين وكلية العلوم وكلية الطب وغيرها".

وبعد أن ركز الغنوشي النواة التنظيمية الأولى للجماعة الإسلامية، إثر "اجتماع الأربعين"، اتجه إلى التفكير في إيجاد وسيلة إعلامية لتبليغ صوت الحركة إلى الرأي العام، فكانت مجلة "المعرفة"، التي حافظت دائما على صبغتها العقائدية، لكنها كانت تتطرق لمواضيع سياسية متعددة. كما تبنوا شكل الثقافة الإخوانية وروحها، والتي روج لها الإسلاميون في فترة السبعينات، وخاصة كتب سيد قطب، "التي أكدت على أن هذا المجتمع جاهلي، وكل قيمه وقوانينه جاهلية، والمطلوب قلب كل هذه القيم باسم الإسلام، وبناء مجتمع مواز، وهو ما يسميه قطب بالمفاصلة، أي الانفصال شعوريا وذهنيا عن هذا المجتمع المادي، والشروع في تكوين المجتمع الإسلامي انطلاقا من تنظيم الجماعة الإسلامية، وهذه الجماعة هي النموذج المصغر الذي يجب أن يقتدي بالجيل القرآني الفريد، جيل الرسول وصحابته الأولين".

لقد حدد الإسلاميون في تونس، من خلال مجلة "المعرفة"، طبيعة الصراع في هذا العالم بأنه معركة بين الإيمان والكفر، وتحديدا بين الإسلام والغرب بشقيه الشيوعي والرأسمالي. ونتيجة هذه المعركة ستكون حتما لصالح الإسلام، لأن هذا الغرب في رأيهم أصبح على شفا جرف هار.

وقد كان لنجاح الثورة الإسلامية الإيرانية في 1979، بقيادة آية الله الخميني، الأثر الكبير في تقوية ما سمي بـ"الصحوة الإسلامية"، كما أنها تعتبر بالنسبة للحركة الإسلامية بتونس، الدافع الأساسي الذي جعلها تبادر بالتحرك العلني، وتتقدم بطلب الترخيص القانوني.

ويعتبر شعار إقامة الدولة الإسلامية، مطلبا رئيسيا لدى كل الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، وكذلك لدى الحركة في تونس، إذ أن مفهوم "الدولة الإسلامية" يختلف عن مفهوم "الدولة الديمقراطية"، حيث تحل الشورى محل الديمقراطية، وكلا المفهومين متناقضين. فالدولة الإسلامية تعتبر كل قوانينها سماوية التشريع، وبالتالي ليس للبشر حق المشاركة في صنع هذه القوانين، "لأن ذلك ضرب من ضروب الشرك وإنكار لحاكمية الله".

ثم إن الدولة الإسلامية في منظور الحركة، لا يمكن أن تسمح بوجود أحزاب معارضة، إلا خلال مرحلة انتقالية محددة، وبالتالي فإن مطالبتها بالتعددية والديمقراطية لا يندرج ضمن قناعة فكرية وسياسية. فهي (أي الديمقراطية) ليست هدفا استراتيجيا في مشروعها المجتمعي، بل اختيارا تكتيكيا لتمكينها من الوصول إلى الحكم فقط، وبمجرد استلام السلطة يتم حل كل الأحزاب والمنظمات التي تختلف معها.

لم تكن المسألة الاجتماعية أو الاقتصادية تستقطب اهتمام الحركة، طيلة فترة السبعينات وحتى أوائل الثمانينات، ذلك أن المطلوب من المناضلين أن يؤدوا البيعة للأمير، ويلتزموا بقرارات الحركة، مع التحلي بالانضباط الكامل. وبحكم الطبيعة السرية للتنظيم، فإنه ليس من حق أحد محاسبة القيادة، إذ "أصحاب الاتجاه الإسلامي أجراء عند الله، أينما وحينما وكيفما أرادهم، وانتهى بهم عملوا وقبضوا الأجر على قدر نيتهم، وليس عليهم أن يحددوا مصيرهم، أو مصير دعوتهم، فذلك شأن صاحب الأمر، لا الأجير".

8- بالفصل الثالث ("المرحلة الأولى 1979 ـ 1984: انعكاسات الثورة الإيرانية على الحركة بتونس: خطاب راديكالي وتحركات ميدانية")، يعتقد المؤلف أن اندلاع الثورة الإيرانية في 1979 غير الكثير من المعطيات، وبدأ الإسلاميون يظهرون تعاطفا كبيرا معها. ورغم أنهم كانوا في البداية ينظرون إلى هذه الثورة بنوع من الاحتراز، باعتبارها شيعية المذهب، فإن كل هذه الاحترازات سقطت بتولي الخميني زمام الأمور في فبراير 1979 تاريخ رجوعه إلى طهران، وتحول التعاطف إلى مساندة مطلقة، ذلك أنه "لأول مرة في العصر الحديث، يحقق الإسلام السياسي انتصارا، ويصل إلى الحكم".

ورغم موقف التحفظ الذي اتخذه التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، من هذه الثورة في البداية، نظرا لطابعها الشيعي أولا، ولمعاداتها للنظام السعودي ثانيا، فقد "تمكن الغنوشي من إقناع التنظيم الدولي للإخوان بمساندة الثورة الإيرانية".

من الانعكاسات العميقة للثورة الإيرانية على الحركة الإسلامية بتونس، هو السيل المتدفق من المنخرطين الذين اقتنعوا بجدوى الحل الإسلامي، والتبدل الواضح في مستوى المفاهيم والمصطلحات، على الرغم من أن علاقة الحركة بإيران ليست علاقة تنظيمية، بحكم التضارب المذهبي.

وقد حاول الإسلاميون منذ صيف 1980، وضع ملامح خطتهم المستقبلية، التي سيتم بواسطتها فرض السيطرة الكلية على الجامعة. وقد سميت بإستراتيجية العمل الطلابي، وتجمع بين الفكر الحركي القطبي (نسبة إلى سيد قطب) والمنهج الإيراني في التغيير والثورة، واعتبار المثال الإيراني الأسوة المفروض اتباعها، مما أدى بالحركة إلى أن تصبح أسيرة لقواعدها الطلابية بعد الثورة الإيرانية، حيث وجدت نفسها عاجزة عن السيطرة على هذه الأوساط. وبينما كانت القيادة تبحث عام 1981، عن حصولها على تأشيرة للحركة، كانت الأوساط الطلابية تجد في ذلك محاولة لموالاة النظام الحاكم.

9- بالفصل الرابع ("الاستفادة من سياسة الانفراج")، يتحدث الكاتب عن قبول الحركة لفكرة العمل العلني، رغم أنها لم تكن مهيأة لذلك، بحكم طبيعة الحركات الإسلامية الاحتجاجية التي لا تقبل التعايش، جوهريا، مع نقائضها، حتى وإن حاولت شكليا قبول ذلك.

وقد وجدت الحركة صعوبة بالغة في إقناع قواعدها بجدوى العمل العلني، خاصة وأن رفض العمل العلني جاء، كما يقول المؤلف، "من أوسع قواعد التنظيم وخاصة الشباب الجامعي الذي كان إحساسه بأزمة النظام وجرائمه ودكتاتوريته إحساسا أكثر، تبعا لحماس الشباب وراديكاليته، وصراعه مع العناصر اليسارية المتطرفة في الجامعة، والضغط الكبير الذي مارسته الثورة الإيرانية على الحركة كلها، وخاصة على الشباب الجامعي الإسلامي. فلم يكن من السهل إقناع هذه القواعد ببعض المسائل الإجرائية التي يقتضيها الإعلان، مثل التقدم للنظام بطلب تأشيرة حزب سياسي". إن الأمر ذهب بالعديد من أعضاء الحركة إلى اعتبار ذلك بمرتبة الخيانة العظمى.

لقد حاولت الحركة من خلال بيانها التأسيسي، أن تطمئن السلطة حول نواياها، وتؤكد توجهها الديمقراطي السلمي، "ولكن إذا تعمقنا في نص البيان، نجده لا يختلف جذريا عن فلسفة الحركة في نهاية السبعينات"، سيما بجانب رفضها للعلمانية والقومية العربية، والقول ب"التصور الشمولي" للإسلام.

وبما أن حركة الاتجاه الإسلامي تطرح نفسها كبديل مجتمعي، يتباين كليا مع نظام الحكم القائم، ومع النمط المجتمعي السائد، فإن ذلك يعني أنها ستدخل في مواجهة مفتوحة مع السلطة، وهنا تندرج المحنة الأولى لهذه الحركة، لأن محاكمة قيادييها سنة 1981، دفعتها لأن تكون الطرف البارز والقوي على الساحة السياسية، إلا أنه في نفس اليوم (أي 18 يوليوز 1981) الذي وقع فيه إيقاف الغنوشي وعدد من القياديين في الحركة، أقرت السلطة رفع الحظر عن الحزب الشيوعي التونسي، ليصبح بذلك ثاني حزب قانوني بالبلاد.

10- بالفصل الخامس ("المرحلة الثانية: 1984 – 1987") يقول الكاتب: "كان واضحا لدى السلطة أن التمادي في تجاهل المعارضة الديمقراطية والمعارضة النقابية والمعارضة الدينية، واضطهادها بشتى الطرق، سوف لن يزيد إلا في تعفن الأوضاع، وبالتالي التقليل من حظوظ بقاء الوزير الأول في منصبه. كما أن الضغوطات الخارجية العربية والأجنبية دفعت مزالي إلى الإسراع بالإفراج عن الإسلاميين. وفي هذا الإطار نشير إلى أن الإسلاميين يعتبرون مزالي أقرب شخص يمكن التفاهم معه، فهو في نظرهم صاحب الفضل في نشر التعريب، وأحد الداعين إلى مبدأ الأصالة والتفتح، بما يعني ذلك من تمسك بالهوية العربية الإسلامية".

ومع ذلك، فقد كان الهاجس الأمني مسيطرا على قاعدة الحركة، وهو ما جعلها تحافظ على هياكلها السرية، لأنها لا تثق في وعود السلطة، بل تعتبر أن لهجة الخطاب الرسمي تغيرت في اتجاه سلبي، خاصة عندما صرح الوزير الأول محمد مزالي، بأن حركة الاتجاه الإسلامي عليها أن تختار بين أمرين: تكوين حزب لائكي أو جمعية دينية وعظية.

لقد ساعد الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور في تونس، خاصة في النصف الثاني من فترة الثمانينات، على تغذية التيار الأصولي، وارتسمت في أذهان الرأي العام الداخلي وحتى الخارجي، أن البلاد توقفت أو تكاد عن الحركية، "فلا العجلة الاقتصادية تدور بشكل طبيعي، ولا المناخ الاجتماعي يتميز بالهدوء والأمن، ولا المناخ السياسي كذلك يتصف بالتعددية والحرية المطلوبة".

هذه الوضعية المتدهورة مكنت الإسلاميين من اكتساح الأحياء الشعبية الفقيرة، بعد أن اكتسحوا الجامعة. وأصبح عدد كبير من المهمشين اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، يجدون في التيار الأصولي الأداة الفعالة والقادرة وحدها على التحدي والوقوف بقوة في وجه السلطة، و"هي عملية إسقاط لا واعية، كانت غايتها البحث عن أي بديل يخرج الأوضاع من راداتها المستفحلة يوما بعد يوم".

11- بالفصل السادس ("انتشار الحركة وتجذرها الاجتماعي من خلال المحاكمات")، يقول الكاتب: إنه بخلاف المحاكمتين الكبيرتين اللتين شملتا القيادة في 1981 و 1987، فإن محاكمة العناصر القاعدية في مختلف ولايات الجمهورية، تعطينا فكرة عن مدى انغراس الحركة في الأوساط الاجتماعية. أما محاكمات 1986 و 1987 فإنها تندرج في إطار سياسة التصعيد والمواجهة الشاملة، التي قررتها الحركة في مؤتمر المنار 1986، ولذا نجد أن عدد المحالين على المحاكم بلغ المئات، في حين وصل عدد المعتقلين إلى بضعة آلاف، حسب مصادر الحركة.

إن القاعدة الاجتماعية للأفراد المحاكمين في قضيتي 1981 و1987، تتميز بظهور صنف من الكوادر السامية، الذين تكاثر عددهم منذ النصف الثاني من الثمانينات، ويصنفون في المرتبة الثانية بعد رجال التعليم (15.5 % سنة 1981 و17.7 % سنة 1987)، ويعتبر هؤلاء من أبناء الحركة الذين أنهوا دراستهم الجامعية بالكليات العلمية.

أما أضعف نسبة، فهي تخص العمال والفلاحين (أكثر من 5% بالنسبة للعمال و1.1% بالنسبة للفلاحين بين 1981 – 1987) وهو ما يبعث على الحيرة والتساؤل، باعتبار أن الحركة تطرح نفسها صدى لأصوات المستضعفين. ولهذا نجد أن المظاهرات الشعبية لحركة الاتجاه الإسلامي، طوال فترة القمع سنة 1987، "لم تجمع أبدا سكان الأكواخ والأحياء الفقيرة، الذي تظاهروا في 1984 بمناسبة انتفاضة الخبز".

وبخصوص عدم تواجد صنف رجال الأعمال وكبار الأثرياء بالحركة، فيعود بالأساس إلى أن هذه الشريحة ترتبط مصالحها وثرواتها خاصة بالاستقرار السياسي والأمني، الذي لا يوفره عادة غير الحزب الحاكم، "بالإضافة إلى أن الإسلاميين لم يطرحوا توجها اقتصاديا مقنعا. فأحيانا تجدهم مع المستضعفين، ومع حقّهم في اقتسام أموال الأغنياء، وأحيانا أخرى يؤيدون أصحاب النفوذ المالي، وحقهم المطلق في تراكم الثروة والأرباح، دون تحديد لنسبة هذه المرابيح، ما دام هؤلاء يؤدون الزكاة. وكان هذا الغموض في البرنامج الاقتصادي مقصودا، حتى تجلب الحركة أكثر ما يمكن من الشرائح الاجتماعية، حتى وإن كانت متناقضة طبقيا، لأن الإسلام في رأيها لا يؤمن بالصراع الطبقي".

وتجدر الملاحظة أن أغلب المحاكمين لا ينتمون لعائلات ذات وجاهة، أو منشأ أرستقراطي، فمعظمهم من أوساط ريفية أو حضرية مغمورة، ولذلك نجد جلهم مجهولين لدى الرأي العام، وحتى لدى النخبة السياسية والفكرية والدينية. فأكثرهم يتكون من الطلبة أو الأساتذة أو بعض الموظفين والحرفيين الصغار.

وقد أدرك الإسلاميون أن القطاع النقابي رافد هام، يمكن للحركة أن تستفيد منه، خاصة وأن الاتحاد العام التونسي للشغل بدأ يتخلص من هيمنة الحزب الحاكم منذ 1978، ويخوض صراعات متواصلة مع السلطة في سبيل الحفاظ على استقلاليته. "وبعد أن كانت نظرة الإسلاميين للنقابات في فترة السبعينات، ترتكز على اعتبارها بدعة يسارية، باعتبار أن النقابة أحد موروثات الفكر الاشتراكي، فإننا نجدهم قد أصبحوا يولون اهتماما بالغا لكل نشاط نقابي، خاصة بعد محاكمة 1981".

كان الهاجس الأساسي لقيادة الحركة، هو استمرار التنظيم والنشاط، مهما كان حجم الاعتقالات. وككل الحركات السرية، جندت حركة الاتجاه الإسلامي احتياطيا هاما من إطاراتها، لملء الفراغ عند اعتقال القيادة الشرعية. ولهذا السبب كانت الحركة لا تكشف كل قيادييها.

12- بالفصل السابع ("علاقة الحركة ببقية التيارات من خارج السلطة ومختلف مواقف كل الأطراف") يؤكد المؤلف أن مصر، وبالتحديد الإخوان المسلمون، تعتبر المرجع الأول في نشأة الجماعة الإسلامية بتونس، وذلك من خلال البيعة التي أداها الغنوشي، ومن بعده احميدة النيفر، للتنظيم الدولي للإخوان في مطلع السبعينات. كما كان للحركة علاقة متينة بالجبهة القومية الإسلامية بالسودان، التي يتزعمها حسن الترابي، انطلقت منذ مطلع الثمانينات ثم أخذت تتمتن أكثر فأكثر على حساب العلاقة مع الإخوان بمصر، وذلك لما للتجربة السودانية من فاعلية في التأثير والتعبئة.

أما على مستوى المغاربي، فتعتبر العلاقة بالجزائر متميزة، "لأن التنظيم التونسي على دراية عميقة بما يجري في الجزائر، فالصلة بين التيارات الأصولية في البلدين ليست من قبيل صلات التعاون والتضامن، كما قد يحدث بين تنظيم وآخر في بلدان مختلفة، بل هي صلة اتحاد وتماثل، في مستوى الفكر وترابط وتشابك في مستوى المصالح".

أما العلاقة مع دول الخليج وخاصة السعودية، فلم تتبلور إلا مع فترة الثمانينات. ويذكر عبد القادر الجديدي أن ربط الصلة مع السعودية يعود إلى 1981 وخاصة إثر المحاكمة الأولى في سبتمبر 1981، حيث قام أعضاء التنظيم حسب قوله، "بالتعريف بالمظلمة التي سلطت على حركتنا، فتم الاتصال ببعض العلماء والوجهاء مثل الشيخ ناصيف، أمين عام رابطة العالم الإسلامي، وكان رئيسا لجامعة الملك عبد العزيز، وهو الذي ساعد حركتنا على الخروج من محنتها، وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز، الذي كان يتعاطف معنا نكاية في بورقيبة، مع العلم أن الشيخ بن باز أعاد بمناسبة محاكمة 1981، طبع كتابه الذي أفتى فيه بتكفير بورقيبة، لأنه أنكر فرض الصيام".

ويلاحظ الكاتب أنه "لم يحظ تنظيم في تونس بمساندة قوية من أحزاب المجتمع المدني، كالتي حظي بها الاتجاه الإسلامي. فكل أحزاب المعارضة، المعترف بها وغير المعترف بها، نددت في بياناتها بالمحاكمات التي شهدتها الحركة منذ 1981 إلى 1987، كما طالبت كلها بالاعتراف القانوني بحركة الاتجاه الإسلامي".

وفي مقابل موقف أحزاب المعارضة، كانت حركة الاتجاه الإسلامي تهدف، من خلال التقرب إلى هذه الأحزاب، إلى منع حصول أي تقارب بين السلطة والمعارضة، لأن ذلك سيكون حتما على حساب الإسلاميين.

13- بالفصل الثامن ("الحركة الإسلامية بعد سقوط النظام البورقيبي")، يعتقد الكاتب بأن نهاية الحكم البورقيبي منذ بداية 7 نوفمبر 1987، مثلت متنفسا كبيرا بالنسبة للإسلاميين، الذين انخرطوا بتلقائية في مساندة حركة التغيير. وعبر الغنوشي صراحة عن تأييده لبيان 7 نوفمبر بالقول: "لقد بدد تغيير السابع من نوفمبر كابوسا كبيرا وثقيلا عن تونس، وفسح آفاقا رحبة جيدة ومبشرة وواعدة بآمال وخيرات كثيرة، بينما كان الوضع قبل ذلك في حالة انسداد شديد، وعلى حافة هاوية خطيرة. وإنني أقدر أن بيان التغيير، وهو الوثيقة الأساسية التي تحكم الوضع القائم اليوم، وتوجه جملة السياسات الحالية، يتضمن عناصر أساسية، كانت كل القوى السياسية في البلاد والاتجاه الإسلامي من بينها، قد ناضلت من أجلها".

ولم تمض أشهر قليلة حتى صدر العفو عن راشد الغنوشي في ماي 1980، وعدد من رفاقه. وطلب من الفارين العودة إلى البلاد والاعتراض على الأحكام الصادرة ضدهم للتمتع بحق العفو، فرجع الكثير منهم مثل عبد الفتاح مورو وحمادي الجبالي، في حين امتنع صالح كركر عن الرجوع.

وقد اعتبرت الحركة الإسلامية هذه الإجراءات نصرا سياسيا لها، وهو ما دفعها للتكثيف من تحركاتها. وفي هذا الإطار تندرج زيارات الغنوشي المتكررة لجهات البلاد، للالتقاء بأنصاره. "وأخذت هذه الجولات طابعا استعراضيا، أي حشد الآلاف من الأنصار والمتعاطفين، لحضور زيارات رئيس الحركة. وهو ما أزعج السلطة القائمة، لأن الحركة لم تتحصل بعد على الترخيص القانوني، وبالتالي يفسر نشاطها كأنه تحد للسلطة، وفرض أمر واقع عليها. لذلك تم التنبيه على الغنوشي بألا يمارس مستقبلا نشاطا سياسيا، طالما لم يتم البت في ملف الحركة، والأشكال والصيغ القانونية التي يجب اتباعها في أي تحرك مستقبلي".

حاولت الحركة منذ 1989 انتهاج أسلوب جديد في المجال السياسي، فبادرت بالتخلي عن التسمية الإسلامية في تنظيمها، لصالح تسمية جديدة أكثر تسييسا (أصبحت "حركة الاتجاه الإسلامي" منذ يوم 08 فبراير 1989، تسمى "حركة النهضة")، وقدمت ملفا يتضمن وثائق تكوينها إلى مصالح وزارة الداخلية، ويترأس هذه الحركة راشد الغنوشي، ويساعده مكتب تنفيذي يتركب من 19 عضوا. ومن أهداف الحركة، كما ورد بقانونها الأساسي، نجد ما يلي : "تناضل حركة النهضة من أجل دعم النظام الجمهوري، واحترام دستور البلاد، وتكريس الشورى وتحقيق الحرية، وتأكيد استقلال القضاء وحياد الإدارة... ودعم التعاون بين الأقطار العربية الإسلامية".

في الانتخابات التشريعية التي دارت في أبريل 1989، تبوأت الحركة المرتبة الثانية بعد الحزب الحاكم، على الرغم من تميز خطابها السياسي بالإطلاقية والتشنج والتطرف. وهو ما جعل النخب السياسية المدنية تبحث عن صيغ عمل مشتركة، للتصدي لأطروحات حركة النهضة، بعد أن أفرزت هذه الانتخابات استقطابا ثنائيا، تمثل في هيمنة قطبين رئيسيين على الساحة السياسية: الحزب الحاكم وحركة النهضة.

إلا أن حبل الود بين قيادة الحركة والسلطة انقطع، منذ نهاية الانتخابات، إذ طلب الغنوشي في ماي 1989 (أي بعد حوالي شهر من الانتخابات التشريعية) إذنا بمغادرة البلاد للحج، ومنذ ذلك الوقت لم يعد. "وبدأت بياناته وأشرطة كاساتاته، التي تدخل البلاد سرا، والتي تتضمن نقدا لاذعا للسلطة الحاكمة، تزيد في تأزم العلاقة بين السلطة والحركة".

14- بالخاتمة، يؤكد الكاتب أن الحركة الإسلامية بتونس، استطاعت أن تشد الأنظار إليها كحركة جماهيرية مدة ثلاث عقود من الزمن (السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين)، كما أن القمع والمحاكمات المسلطة عليها زادها في الفترة البورقيبية صلابة، لكنها ظاهرية، إذ أن الجهاز التنظيمي لم يكن متماسكا بالشكل الكافي، نظرا للصراعات الداخلية الخفية، خاصة بين كركر والغنوشي، والتي لم تظهر على السطح إلا بعد إزاحة الرئيس بورقيبة.

إن قوة الحركة، يقول المؤلف، لم تكن مستمدة من برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأصولي،  بل من نفوذها المالي الكبير، ومن أخطاء النظام البورقيبي الذي تعامل مع المسألة الدينية بشكل اعتباطي وانتهازي.

ويلاحظ الكاتب أيضا أن هناك خطآن كبيران وقعت فيهما "حركة الاتجاه الإسلامي"، أثرا علي مردودها، وحتى على وجودها التنظيمي في السنوات الأخيرة. الأول، تبنيها إستراتيجية العنف والتصعيد التي أقرها مؤتمر المنار في ديسمبر 1986، "ظنا منها أن ساعة الخلاص قربت، ولذلك حرضت الحركة قواعدها الطلابية والتلمذية بالخصوص، على مضاعفة نسق المسيرات والمظاهرات العنيفة". أما الخطأ الثاني، فكامن في اعتمادها طوال فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، على ازدواجية الخطاب (ديمقراطي وكلياني) والقيادة (سرية وعلنية)، مما كان من شأنه أن يثير تساؤلا لدى الرأي العام وتحفظا من بعض الأطراف السياسية، بعدما اتضح موقف الحركة من قضية الديمقراطية، واعتبارها مرحلة انتقالية لا خيارا إيديولوجيا استراتيجيا.

لقد حاولت الحركة الإسلامية أن تكون تونسية صرفة، يقول المؤلف على لسان عبد الباقي الهرماسي، "لكنها فشلت في ذلك بسبب انتماءها في الأول للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وفي فترة لاحقة لصلاتها الوثيقة بحسن الترابي الرجل القوي في السودان".

ويتساءل الكاتب: هل يمكن القول إن حركة النهضة، المنبثقة عن حركة الاتجاه الإسلامي، كانت ضحية تسيسها، حيث لم تقبل الأحزاب المدنية في تونس، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، توظيف الدين في الشأن السياسي، باعتبار أن الدين قاسما مشتركا بين الأحزاب الوطنية، ومنصوص عليه في دستور البلاد؟ 

ثم إن التساؤل يبقى دائما مطروحا، بنظر المؤلف، حول الأشكال التي يمكن أن تكون عليها، مستقبلا، الظاهرة الإسلامية في تونس؟ هل ستعود إلى الإنغراس وطنيا؟ وهل ستتخلى فعليا عن الخطاب الكلياني والاطلاقي  (وهو ما تنتهجه حاليا بعض الأحزاب الإسلامية في تركيا مثل حزب أردوغان المتمسك بعلمانية الدولة)؟ أم أنها ستحافظ على ازدواجية خطابها، مثلما هو الشأن الآن؟

* "الحركات الإسلامية بالوطن العربي"، نافذة "قرأت لكم"، 8 ماي 2008.

يمكنكم مشاركة هذا المقال