تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في الإرهاب والديموقراطية"

news-details

1- من غير المبالغ فيه (ولا من أحكام القيمة في شيء) الاعتقاد بأن ما ترتب لحد الآن عن تفجيرات 11 شتنبر بالولايات المتحدة الأمريكية لا ولن يعدو سوى كونه تجليا من تجليات إعادة الصياغة لتراتبية ما أسماه آلفن توفلر منذ مدة بثلاثية "العنف والثروة والمعرفة".

 والواقع أن ما تشهده بداية هذا القرن من تمركز للثروة المالية والاقتصادية (بفضل " ثورة" العولمة) ومن تركيز لمكامن العلم والمعرفة والتكنولوجيا (بفضل طفرة الشبكات الإعلامية والاتصالاتية وثورة البيوتكنولوجيا) لم يترجم فقط بتهميش العديد من أمم وشعوب العالم، ولكن أيضا وبالأساس برد فعل من لدنها (أعني من لدن جماعات وتنظيمات من بين ظهرانيها) طال رموز الثروة والقوة بداخلها تماما كما أفرز أعمال احتجاج وعنف خارجها أو من على حدودها.

  بالتالي فبقدر ما تسلطنت الدول الكبرى على خلفية من قوة الثروة، بقدر ما جاء مستوى رد الفعل على خلفية من " ثروة القوة"... أعني نهج سبيل العنف (المختزل حاليا في الإرهاب) كرمز من رموز القوة، لدرجة التبس علينا فيها نعت المشروعية واختلط لدينا الفعل المشروع من العمل المدان.

 ليس من الأهمية القصوى (ولا من الوارد في هذا المقام) الوقوف عند ما يعتبره البعض (عقب ضرب أفغانستان وإزاحة إمارة طالبان) تموقعا جيوستراتيجيا جديدا للولايات المتحدة، ولا التأكيد على النية القائمة لدى هذه الأخيرة لتصفية أنظمة حكم وترهيب أخرى، بقدر ما هو مهم هنا التوقف عند تجاوزات الديموقراطية الأمريكية ("النقية" إلى حين عهد قريب) في طرق ملاحقتها " لنقط" الإرهاب بالعالم وفي تجاوزها لحقوق وخصوصيات (بالإعلام كما بالانترنيت) لا توازيها (في اعتقاد البعض) إلا ممارسات أنظمة الطوارئ والقمع بالعديد من دول العالم الثالث.

2- هناك، فيما نعتقد، أربعة معطيات كبرى لا تضع الديموقراطية بالولايات المتحدة على المحك فحسب، بل تشي أيضا بقابليتها على الانهزام والصعوبة لديها في التحصن ضد مختلف أشكال العنف والعصيان:

 + المعطى الأول ويتعلق أساسا بما يمكن تسميته ب"استهداف" الحريات العامة الذي استتبع عمليات البحث والتفتيش عما قد يكون منفذا لانفجارات 11 شتنبر أو ذا علاقة بالانفجارات إياها أو من شأنه أن يقود إلى معرفة "الجناة" أو غيرها... وذلك حتى في حسم أمر معرفة "المتهمين" الرئيسيين وتحديد لوائح التهم الموجهة إليهم (أعني أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة).

 لا تنحصر "المضايقات" هنا على الحريات العامة في اعتقال "المشتبه فيهم" (لأجل غير محدد قد يطول وقد يقصر) وتقديمهم إلى المحاكمة (العسكرية إذا استوجب الأمر ذلك) دونما تمتيعهم بالحق في الدفاع أو معرفة لائحة التهم الموجهة إليهم، ولكن أيضا وبالأساس في التعرض لكل "مشتبه فيه" أو " مشكوك في علاقته" سيان في ذلك المناضل الحقوقي والمدافع عن الأقليات والمتضامن مع الذين هم عرضة التمييز الديني أو العقائدي أو السياسي أو الفكري أو غيرهم.

 ولا ينحصر أمر المضايقات هنا فقط على الذين لا جنسية أمريكية لهم أو هم متميزون بعاداتهم وسلوكاتهم في المجتمع، بل يطال أيضا كل الذين يتجرءوا على تحميل الولايات المتحدة مسؤولية ما جرى في 11 شتنبر، سيان في ذلك المثقفون الملتزمون والمنظمات المدنية والمحتجين على العولمة والمنددين بسلوك القوة الذي تنهجه الحكومة الأمريكية والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية والعراقية وما إلى ذلك.

 وعلى هذا الأساس، فلم يعد إيقاف الأفراد والجماعات (والزج بهم في السجون دون ضمانات تذكر) محصورا على المشتبه بهم أو بعلاقاتهم (وهم عرب ومسلمون بالدرجة الأولى) بل تعدى ذلك وأكثر ليطال حرية التعبير والحق في التفكير التي ضمنها الدستور لكل الأمريكيين وسطرها في ذيباجته كقانون أساسي.

 هذا المعطى الأولي جوهري وأساسي إلى حد بعيد ليس فقط لأنه أخطر طعن في النظام الديموقراطي الأمريكي، ولكن أيضا لأنه يشي بإمكانية ردة النظام إياه حتى وإن بلغ أعلى مرتباته وبلغ أعتى تطوره.

 + المعطى الثاني ويرتبط بانصهار التشريعي والقضائي في جهاز تنفيذي لطالما تباهى حكامه باستقلالية السلطات عن بعضها البعض وسمو فضاء القضاء على ما سواه من فضاءات في أزمنة السلم كما في ظروف الأزمات والطوارئ.

اندغام الأجهزة إياها في التنفيذي (إثر انفجارات 11 شتنبر) لم يقف عند اصطفاف المؤسسة التشريعية وراء الرئيس واعتمادها لمشاريع قوانينه بالإجماع، بل يذهب لحد الالتزام بعدم مطالبته بإخبارها بمجريات "الحرب على الإرهاب" أو بتفاصيل استراتيجيته العسكرية القصيرة أو متوسطة المدى.

 لم يكن للمؤسسة القضائية في خضم كل هذا أن تلتزم "الحياد" ولا أن تنأى باستقلاليتها عن باقي الأجهزة، بل فوضت إدارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي كي يستبيحا مسطرة القانون ويتابعا المشتبه بهم دونما مسوغات قانونية تذكر ودونما دليل أو لائحة اتهام.

الحاصل إذن في هذا الباب كما في غيره، أن الضامن الأساسي لحرية الأفراد والمؤتمن على حقوقهم (الذي هو القضاء) أصبح ولكأنه ضحية النظام السياسي ذاته بما هو (أي النظام السياسي) مشرع فصل السلطات ونتاجها سواء بسواء.

 هذه نقطة مركزية لطالما تم التغافل عنها: إذ أي تجذر لنظام سياسي ديموقراطي كالنظام الأمريكي إذا كان بنيانه المرتكز على فصل السلطات يتهاوى كلما طرأ طارئ أو عن للقائمين عليه وضعه على المحك؟

 + المعطى الثالث ويرتبط بكيفية تعامل وسائل الإعلام مع حادث الانفجارات وما ترتب عنها من غزو لأفغانستان وما يروج من كونه "حربا طويلة ضد الإرهاب".

قد يكون الحديث في هذه النقطة من باب تحصيل الحاصل قياسا إلى ما تركته لنا حرب الخليج الثانية من عبر ودروس، لكن مواكبة الإعلام " للحرب على الإرهاب" هي التي فيما يبدو ستبين بجلاء موقع الإعلام في الحروب القادمة.

 فوسائل الإعلام (الأمريكية بالأساس) لم تحصل على ترخيص لمرافقة القوات العسكرية بعين المكان ولم يكن بمستطاعها تغطية الضربة حين وقوعها بالمباشر (كما وقع في حرب الخليج الثانية) وكبرى الشبكات التلفزية لم يسمح لها بتمرير خطب بن لادن و لا بتمرير المظاهرات المؤيدة له (بباكستان مثلا أو بالأراضي الفلسطينية)، وكبريات الصحف والمجلات والقنوات المحلية غضت الطرف عن استدعاء أقلام أو وجوه تندد باستهداف الأبرياء وتضع "المخطط الأمريكي" في الميزان.

 أو لم يقل الرئيس الأمريكي يوم 20 شتنبر بأن لا خيار ثالث موجود ف "إما معنا وإما مع الإرهابيين"، ولكأن كل الأصوات المعارضة أو المنددة أو المتحفظة أو المحايدة حتى هي إن لم تكن إرهابية فهي داعمة للإرهاب؟

ثم ألم يقل الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض بداية شهر أكتوبر: " يجب على الناس أن تحتاط مما تقول وما تفعل"، ولكأنه يحذر من انزلاقات الإعلام ويتوعد بالعقاب...وقس على ذلك من تصريحات؟

 لم يسلم الإنترنيت ذاته من "المضايقات" إياها، إذ بصرف النظر عن مركزة كل أشكال المراسلات الإلكترونية المارة عبره وتفحصها بدقة، فإن مواقع الأفراد والمنظمات به لم تنج من مراقبة ومن تشويش، والمؤسسات المختصة القائمة عليها من استهداف وتفتيش وإغلاق أيضا.

 ليس غريبا في هذا المضمار أن تحيي الإدارة الأمريكية العمل بنظام "كارنيفور" الذي يمكنها من مراقبة كل المراسلات المقتنية لخدمات الشبكة؟ وليس غريبا أيضا أن يتزايد الاعتماد على وكالة الأمن القومي (ن.س.أ) في التقاط المعطيات (عبر نظام إيشلون) ويتزايد التنسيق بين شبكات الاستخبارات التي تكون النظام إياه؟

 لسائل هنا أن يتساءل: كيف لوكالة من حجم ن.س.أ بميزانية سنوية تتعدى ال 7 مليار دولار وبجيش ضخم من الموظفين (حوالي 60000 أي ما يوازي حجم موظفي وكالة الاستخبارات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي مجتمعين)، كيف لم تستطع التنبؤ بما وقع في 11 شتنبر وهي التي تتجمع لديها كل المعلومات المتداولة عالميا وبجميع أصنافها؟

 لأنها وبكل بساطة (يقول الصحفي جامس بامفورد) لم تكن (منذ نهاية الحرب العالمية الثانية) تستهدف ضمان أمن الولايات المتحدة، بل تجميع كل المعلومات والمعطيات والبيانات التي من شأنها ضمان التفوق العسكري والاقتصادي والسياسي والتكنولوجي لأمريكا...هي إذن كانت (ولربما إلى تاريخ 11 شتنبر) أداة حرب (زمن السلم) القصد منها إرهاب الدول والشعوب وارتهانها على كل المستويات.

 لم تقتصر وظيفة هذه الوكالة على اعتراض الرسائل الإلكترونية ومصادرة المواقع على الشبكة أو التشويش عليها، بل تعدتها (منذ 11 شتنبر) إلى التنصت على "المشكوك فيهم" دونما إذن من القضاء أو تحديد لمدة التنصت... عكس ما كان جاريا إلى حين وقت قريب حيث لم يرخص القضاء إلا للتنصت على بعض الحكومات أو الشركات أو المنظمات "المصنفة تاريخيا" بأنها إرهابية.

 3- لرب قائل يقول، بناء على ما قدمناه من معطيات: أو ليس من حق الولايات المتحدة أن تتخذ إجراءات استثنائية (لدرجة تعطيل العملية الديموقراطية) ما دام ما وقع يوم 11 شتنبر هو في الشكل كما في الجوهر حدثا استثنائيا؟ أو لا يعتبر ما تعرضت له أمريكا يومه كفيلا بسن إجراءات استثنائية واعتماد قوانين قد لا تتقاطع بالضرورة مع قوانين السير العادي للمؤسسات؟

 وهو تساؤل وجيه. فالسيناتور ترينيت لوط نفسه يقول، بشأن الحريات، إنه من الواجب "مقاربة الحريات العامة بطريقة مختلفة زمن الحرب"...وهو يعني هنا فيما نتصور مقاربتها بجهة التضييق لا على خلفية توسيع فضائها.

لكن الثابت فيما يبدو أن التضييق إياه سيطول طالما طالت عمليات "استئصال الإرهاب من جذوره"، وهو ما لا يعرف مداه طالما لم تعلن الإدارة الأمريكية بالتحديد امتداد هذه الجذور وطرق استئصالها. بمعنى أن ما قد يبدو للبعض إجراءات استثنائية، لمواجهة الحرب على الإرهاب، سرعان ما سيتحول في المستقبل إلى قواعد قانونية (تحت مسوغة الإجراءات الاحترازية) لن يكون من الهين إلغاؤها أو تطبيعها.

 ما قد يحول أيضا دون رفع التضييق إياه (أو التخفيف من درجاته على الأقل) كوننا في مصطلح الإرهاب بإزاء مصطلح واسع وغامض ومتعدد الأوجه، بالتالي فتكييفه هين (من الناحية العملية والإيديولوجية أيضا) لتبرير إجراء أو للإبقاء على آخر.

سيبقى العالم إذن يدور في حلقة مفرغة مستمرة... مرهونا في ذلك بتحديد القوة الأولى لمصطلح الإرهاب: بالتالي ستضيق الحلقة بضيق " فضاء الإرهاب" وستتسع حتما باتساعه.

 لن يضيق المجال في المقابل فقط على الدول المصنفة "آوية للإرهابيين" أو على تلك التي تدعمهم وتيسر لهم سبل الإقامة والعمل، بل سيتسع أيضا بالنسبة للدول التي لا مصلحة لها في تحديد مصطلح "الإرهاب" ما دام سيمنحها فرصة التخلص من مناوئيها أو من منافسيها على السلطة كما في العديد من دول العالم الثالث.

بالتالي فالمنظور في الأفق، فيما نتصور، أن سبل العمل الديموقراطي بأمريكا وبباقي الدول الغربية ستتحول جذريا وتتقلص، فيما إمكانات النضال الديموقراطي بالعالم الثالث ستتراجع وتنكمش.

 وعلى هذا الأساس، فالديموقراطية ستكون في مواجهتها لظاهرة الإرهاب، هي الخاسر الأكبر...ليس فقط لأن الإرهاب هو نقيض للديموقراطية (في تمثلاته كما في أدواته) و لا لكونه يستهدفها، ولكن أيضا  لأن مواجهته " تفترض" إلغاء المبادئ الديموقراطية الكبرى ومبارزته بأدواته وأساليبه.

 4- ما أفق "العلاقة" بين الإرهاب والديموقراطية في الأمد المنظور؟ ما مدى قدرة الإرهاب كظاهرة "عابرة" على تهديد الديموقراطية كمطلب قار؟ هل استهداف الحريات الأساسية والتضييق على الأفراد والجماعات واستباحة مبدأ فصل السلط من شأنه أن يضمن الأمن ويحول دون تكرار ما وقع في 11 شتنبر الماضي؟

 قد لا يسهل هنا تقديم عناصر للجواب لا على اعتبار تعذر تحديد ماهية "المدى المنظور" في هذه العلاقة، ولا على اعتبار غياب المعطيات لذلك، ولكن أيضا بسبب حركية طرفي المعادلة (معادلة العلاقة بين الإرهاب والديموقراطية) وصعوبة التنبؤ بسلوكيات الطرفين إياهما.

 بالمقابل، هناك مسلمتين أساسيتين اثنتين يدفعان، فيما نتصور، بإمكانية فهم التطورات المقبلة للعلاقة إياها:

 + المسلمة الأولى ومفادها أنه ليس من المؤكد في شيء أن الإرهاب ظاهرة عابرة طالما الأسباب التي أوجدته قائمة، وليس من المؤكد أن العنف في العلاقات الدولية ظاهرة موسمية طالما العلاقات إياها مبنية على قوة الثروة والسلطة والمعرفة.

بالتالي فليس من المؤكد تماما أن الفلسطيني مثلا (وهو المصنف "إرهابيا") أن يستنكف عن "العنف" طالما بقيت أرضه سليبة وشعبه عرضة للتقتيل والتمييز والإرهاب الصهيوني.

 + المسلمة الثانية ومؤداها أن التضييق على الديموقراطية ليس كفيلا ب "استئصال جذور الإرهاب"، ولا القضاء على معتمديه.

من الوارد أن يكون الأمر كذلك على المدى القصير لكنه على المدى المتوسط والطويل سينبعث ولربما بدرجات قوة أكبر ومستويات عنف أوسع.

 ليس المطلوب، بخصوص هذه النقطة، مساءلة الديموقراطيين (بالدول المتقدمة) عن تزايد سلوكاتهم اللاديموقراطية فحسب، بل أيضا مساءلة "اللاديموقراطيين" (بالعالم الثالث) عن استباحتهم للمبادئ الديموقراطية. بالتالي  سيكون الإرهاب، في الحالة الأولى كما في الثانية، المحك الحقيقي للديموقراطية كقيم وكنظام حكم.

* "في الإرهاب والديموقراطية"، جريدة العلم، 18 يونيو 2002.

يمكنكم مشاركة هذا المقال