لا تنتابنا ذرة شك في أن مشروع الدستور الذي سيعرض على الشعب المغربي بالأول من يوليوز من الشهر القادم، سينال ثقة الغالبية العظمى من المغاربة، ثم سيعتمد، ثم سيصبح النص الأسمى الذي سيحدد علاقة الحاكم بالمحكوم في المغرب، للسنين ولربما للعقود القادمة.
والحقيقة أن "التحام" معظم الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجمعيات وما سواها، ونزول الملك بكل ثقله المعنوي داعيا للتصويت بالإيجاب، ناهيك عن الحملة الواسعة التي تثوي خلفها وزارة الداخلية بالمركز وبالأقاليم والجهات، ومن خلال وسائل الإعلام بكل أطيافها ومشاربها أيضا، كلها مؤشرات تشي بأن "غزوة نعم" آتية لا ريب فيها.
هذا اعتقاد خاص، لكني أزعم أنه ليس ثمة من يختلف حوله كثيرا، حتى وإن سلمنا باحتمال الاختلاف حول النسبة التي ستشارك، ونسبة ال "نعم'' بالتحليل العام، كما بالتحليلات الجزئية.
وبصرف النظر عن موقف هذا الطرف أو ذاك من المشروع، أو لربما من الوثيقة بوجه عام عندما تعتمد، فإن فصولها وبنودها وأدق تفاصيلها ستسري على الجميع، المصوت لفائدتها، كما المقاطع لها، كما الرافض لمضامينها.
لكنها (الوثيقة أقصد) ستبقى دون الجدوى المطلوبة منها إذا لم يتم تصريفها سياسيا، أي تنزيلها على أرض الواقع، والاحتكام إليها كلما كانت ثمة تجاذبات أو تضاربات في التأويل.
بهذه النقطة، فإن الذي يثير خشيتنا وريبتنا، ولربما أيضا حفيظتنا، إنما احتمال ألا تجد الوثيقة إياها التربة السياسية الصالحة لاحتضانها ورعايتها، واستنبات مناخ سياسي جديد على أساسها:
°- فالأحزاب السياسية الموجودة ترهلت وشاخت، وطاولها العجز من أمامها ومن خلفها، وضاقت بشبابها وبالأفكار المتجددة من بين ظهرانيهم، ولما بلغ بها الشيب عتيا، تماهت مع السلطة بالشكل وبالمضمون، ولم يبق لها مع القواعد والجماهير أدنى علاقة أو رابط.
إننا لا نقول هذا الكلام من باب المزايدة، بل من ملاحظة واقع حال أحزاب نخرها الفساد من الداخل، وطاولها الصدأ من الخارج، ونخرتها سوسة الامتثال لقرارات السلطة، حتى ضاعت وظيفتها وبهت دورها، وانسلخت عن الشعب قسرا بالبداية، وطواعية بالتدريج فيما بعد.
المفارقة هنا أننا سنرهن تصريف مضامين الدستور الجديد بأحزاب لن تستطيع بالقطع تصريفه، لأنها ستدفع في الانتخابات ثم في الحكومة، بنفس الوجوه ونفس العقليات، ونفس "النخب" التي عايناها لسنين طويلة، ولم يترتب عن حكمها لنا إلا الأزمات والخيبات وحالات الاحتقان القصوى.
°- ثم إن البلاد ضاقت بنخبها السياسية ذات الشخصية الكاريزمية، أي تلك التي تقرر فتستدعي التنفيذ تلقائيا، تأمر فتجد أوامرها طريقا للتصريف، تحكم بما يمنحه إياها الدستور، وترفض أن يداس على اختصاصاتها تحت هذا المسوغ أو ذاك، من لدن هذه الجهة كما من لدن تلك.
أنا أزعم، بهذه النقطة، بأنه لا يتراءى لي رئيسا للحكومة بهذه المواصفة أو التكوين، لا من داخل الأحزاب السياسية ولا من المنظمات النقابية، ولا من بين ظهراني ما تطلق على نفسها "المجتمع المدني".
والسبب في ذلك أن هذه المستويات (أحزابا ونقابات وتنظيمات مدنية) لم تراهن على استنبات نخب بغرض الحكم والتدبير، بقدر ما نجحت في إفراز كائنات سياسية ونقابية تهتف "للقائد" في شبابه كما في مشيخه، كما وهو رميما تحت الأرض.
والقصد مما سبق إنما القول بأنه ليس لدينا الآليات السياسية والثقافية التي من شأنها تصريف مفاصل الدستور، وتطويعه ليصبح أداة للفعل السياسي، ووسيلة للارتقاء بالأداء الحزبي وهكذا.
لست عدميا فيما أصدره من "أحكام"، ولست ممن يتملكهم التشاؤم حتى يتحول إلى يأس. لكني أعترف بأن الحسرة متمكنة مني، كوننا لم نفرز نخبا بالمغرب، قادرة على إدارة مفاصل الشأن العام بما يرضاه المرء وترتضيه الجماعة.
إن "حياتنا" السياسية لأكثر من خمسة عقود، لم تفرز بالمحصلة العامة إلا "نخبا" مرتهنة، فاسدة، تبحث عن مصالحها الضيقة، غير مكترثة بحال البلاد والعباد، ولا قيمة من بين ظهرانيها تذكر، لما هو الشأن العام أو المصلحة العليا للوطن.
بالتالي، فإذا ما اعترض عائق أو منغص ما على تصريف الوثيقة، فسيكون حتما من فعل هؤلاء بالجملة، ومن الوثيقة إياها بالتفاصيل.
* "معضلة تصريف الدستور سياسيا"، 27 يونيو 2011.