كيف سيدخل العرب والمسلمون القرن الحادي والعشرين وهم يجرون وراءهم تخلفا يصعب تداركه قبل عقود؟ هذا إذا ما انطلقوا من الآن في العمل على التدارك. أما إذا ما استمروا في تراكم تداعيات التخلف، فإن الأمر ينذر بالسوء.
لكي نقترب من الإجابة عن هذا التساؤل اتصلنا بالأستاذ يحيى اليحياوي الخبير في مجال الإعلام والاتصال. أصدر له أول كتاب سنة 1995 تحت عنوان "الاتصالات في محك التحولات" وأجرينا معه هذا الحوار الذي تركز حول مجموعة من الأسئلة المرتبطة بواقع تقنيات المعلومات والاتصالات في العالم العربي والتحديات التي يواجهها العرب بالإضافة إلى قضايا أخرى مرتبطة بالإنترنيت والمواقع الإسلامية والحرب الدائرة على ساحة الإنترنيت...كما تطرقنا معه إلى واقع قطاع السمعي/البصري بالمغرب ورأيه في عملية التحرير التي يشهدها هذا القطاع.
التجديد: خلال نهاية القرن 20 وبداية القرن 21 برزت ثلاث ثورات مهمة ومتزامنة هي:
1- الثورة العلمية: نتيجة للتطور الكبير في كثير من العلوم ونشأة تخصصات جديدة وابتكار تقنيات جديدة ساعدت على اكتشاف العالم..
2 ـ ثورة عصر الفضاء: نتيجة للتطور الكبير في مجال الاتصالات وظهور الأقمار الاصطناعية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة وظهور النظم الرقمية في البث التي أتاحت البث المباشر وأتاحت وفرة غير مسبوقة أمام مؤسسات الأفلام لتعدد خدماتها وابتكار خدمات جديدة.
3 ـ ثورة المعلومات: نتيجة للتطور الكبير في الحواسيب وظهور العديد من شبكات الحواسيب وما أطلق عليه بالطرق السريعة للمعلومات. لقد أحدثت ثورة المعلومات طفرة في طرق الاتصال من خلال شبكات الحواسيب والهواتف والفاكسات ومؤتمرات الصوت والفيديو والصورة والبريد الإلكتروني. الأستاذ يحيى، هل يمكن أن تقرب القراء أكثر من هذه الثورة، ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال التي كثر الحديث حولها وصدرت فيها تقارير ودراسات؟
يحيى اليحياوي: أعتقد أن سؤالك يحتوي ضمنا على العديد من عناصر الجواب. الواقع أن العالم يعيش منذ حوالي عقدين أو ثلاثة من الزمن على إيقاع " ثورة" حقيقية في كل مناحي الحياة، في علوم الإعلام والاتصال، في علوم الأحياء، في البيوتكنولوجيا، في علوم الطبيعة، في علوم الحياة وفي سواها وبطريقة شبه تزامنية، وهذا أمر نادرا ما تعيشه الحضارات الإنسانية.
الملاحظ أنه على الرغم من أن لكل هذه الميادين صيرورة داخلية قائمة تحكم حركيتها وتؤثر في سياقها العام، إلا أنها أضحت مجتمعة أو تكاد محكومة وإلى حد بعيد بالبعد التكنولوجي الذي أصبح معاملها المشترك. فالطب مثلا كما علوم الفضاء كما مجال الأرصاد الجوية كما ميادين التربية والتعليم كما غيرها لم يعد بمستطاعها الاستغناء عن تكنولوجيا المعلوميات أو الاتصالات أو الأقمار الصناعية أو الشبكات الألكترونية الأخرى.
عمليا نلاحظ أن العالم ينتقل تدريجيا من اقتصاد ومجتمع مبنيان على الاقتصاد التقليدي والمواد الخام والقوى العضلية لبني البشر إلى اقتصاد ومجتمع مرتكزان بالأساس على إنتاج وتوزيع وتداول واستهلاك المعلومات والمعطيات والمعارف والبيانات والرموز والقوى البشرية ذات الكفاءة العالية.
عندما نقرأ اليوم عن "الاقتصاد الجديد" أو عن "الاقتصاد الشبكي" أو عن " الاقتصاد اللامادي" أو عن غيرها، فبالقياس أساسا إلى طبيعة هذا الاقتصاد المتراجع تدريجيا والمبني على إنتاج واستهلاك المواد الأولية والاستخراجية التي أضحت ميزة الاقتصادات المتخلفة لا مميزا للاقتصادات المتقدمة أو الصاعدة.
بالتالي، فكل دولة لا تراهن بداية هذا القرن، على تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال وعلى البحث العلمي وعلى الكفاءات ذات القدرة الابتكارية والإبداعية العالية هي مجتمعات متخلفة بامتياز بل قل إنها تنتج وتعيد إنتاج محددات التخلف والتأخر والابتعاد عن روح العصر.
من جانب آخر، نلاحظ أن مقومات التنافسية الاقتصادية، والصناعية تحديدا، أصبحت مرتكزة على التكنولوجيا بمختلف روافدها سيما تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال. كيف لمقاولة، بصرف النظر عن حجمها ومستوى رقم معاملاتها، أن تغض الطرف عن وسائل الاتصال الحديثة أو تعتبرها تكلفة أو تتغاضى على شبكة داخلية للمعلوميات أو تصرف النظر على تأسيس موقع لها بالأنترنيت؟ كيف سيكون بمقدرتها تصريف منتجاتها إذا لم تكن تتوفر على شبكة من المعلومات تساعدها على ضمان الحد الأدنى من "الحذر التكنولوجي" أو تضمن لها سبل الاتصال مع موكليها ومزوديها في زمن السرعة والآنية والتسابق على حصص السوق؟
كيف لباحث، أيا ما يكون الميدان الذي يشتغل فيه، أن يواكب تطورات البحث العلمي إذا لم تتوفر لديه سبل الاطلاع على البحوث الجارية خارج فضائه وإمكانات التواصل المستمر مع زملائه؟
هذه نماذج وأمثلة عملية وليست خطابا من فصيلة ذاك الذي يروجه من تبهرهم تكنولوجيا الإعلام والاتصال دون أن يدروا مضامينها ولا الخلفية التي تحكمها ولا الميزات الكبرى التي تطبعها.
لتجديد: إن قدرة البلدان العربية على الوصول إلى أحدث الابتكارات التقنية، المتمثلة في تقانات المعلومات والاتصالات واستخدامها، محدودة جدا وهذا ما تثبته المؤشرات الرقمية المتوفرة. فحجم سوق الكمبيوتر الشخصي بالدول العربية لا يتجاوز 1،2% من السكان، وإنفاق هذه الدول على تقنية المعلومات عام 2002 لا يتعدى 3،5 مليار دولار، بينما بلغ عدد مستخدمي الأنترنت 1،6مليون مستخدم أي 0،6% من السكان، أما الصفحات العربية على الشبكة العالمية فلا تحصل إلا على 1% من إجمالي الصفحات المنشورة بكل اللغات.
في رأيكم، أستاذ يحيى، ما هي العقبات التي تحول دون دخول العالم العربي مجتمع المعرفة والإعلام؟
يحيى اليحياوي: لا ينحصر الأمر عند المعطيات الإحصائية التي تفضلت بتقديمها بل يتعدى ذلك إلى قضايا إشكالية أخرى أكثر خطورة، إذ وفق تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2002 (وهو تقرير سوداوي بكل المقاييس لدرجة الإحباط) فإن المنطقة العربية دخلت القرن الحادي والعشرين بما يزيد عن 68 مليون أمي لا يتنبأ باختفائها قبل سنة 2025 بالنسبة للذكور و2040 بالنسبة للنساء.
التقرير نفسه (وقد أشرف عليه خبراء عرب لا يمكن للمرء أن يزايد على الحد الأدنى من مصداقيتهم) يؤكد أن أقل من ثلاثة مليون طفل عربي هو الذي يستفيد من التعليم قبل المدرسي (وهو للتذكير السن الذي يستطيع الطفل فيه دون عناء كبير التعامل مع تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال)...ناهيك عن النسب المتدنية للإنفاق على التعليم (تراجعت بنسبة 10 بالمائة بين سنة 1980 ومنتصف تسعينات القرن الماضي)...وقس على ذلك في باقي المستويات والقطاعات بما فيها عدد الحواسيب والارتباط بشبكة الإنترنيت أو التوفر على مواقع بالشبكة إياها أو ما سوى ذلك.
مجتمع الإعلام والمعرفة الذي تتحدث عنه في سؤالك والذي تتحدث عنه الأدبيات في الغرب أيضا هو مجتمع من ضلعين:
+ أولا هو مجتمع مسبوق باقتصاد يسمى " اقتصاد الإعلام والمعرفة"، ويضم في ثناياه البنية التحتية المادية الكفيلة بتكريس ذات الاقتصاد على المستوى التقني (شبكة اتصالات عالية الدقة، ذات سعة عالية وضامنة للتفاعلية بين المرسل والمستقبل...، شبكة معلوميات متداخلة، متكاملة ويتم تبادل البيانات والمعطيات بداخلها بسرعة لا تحتمل الإبطاء أو العطب أو التأخير...، وفضاء سمعي/بصري يعطي الامتياز للمضامين أكثر ما يولي الأولوية للأدوات وهكذا).
+ الضلع الثاني، توفر بنية استقبال تكون الحاجة بداخلها ملحة وحاسمة وتوفر التصور الاستراتيجي المؤطر لذات البنية. معنى هذا بصيغة الاستفهام: ما السبيل لإقامة مجتمع للإعلام والاتصال إذا لم تتوفر البنية المادية البانية لذلك والمنظومة الاستراتيجية المؤطرة له، أعني المشروع المجتمعي الذي يوجه هذه البنية ويصهرها في تصور محدد ومجند؟
بالوطن العربي لا أثر لذات البنية ولا لذات التصور لاعتبارات عدة احصرها في اثنين أساسيين:
°- الأول أن البلدان العربية لم تخرج بعد من مرحلة "النمو" المبني على المواد الاستخراجية (من نفط وغاز وفوسفاط وحوامض وغيرها) حتى يتسنى لها بناء منظومة تنموية جديدة مرتكزة على المعلومات والاتصال والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي.
°- الثاني أن المنطقة العربية لا تعترف بالكفاءات أو بالقيمة المركزية للبحث العلمي، هي تعتبره ترفا لا فائدة في تضياع الطاقات من حوله...بالتالي فهي لا تعير التعليم أو التكوين أو هجرة الكفاءات قيمة كبرى تذكر.
أعتقد أنه لا يمكن للوطن العربي أن يبني هكذا مجتمع وفق هذه النظرة وهذا التصور.
التجديد: ألا ترون أستاذ، أن الواقع المتدني لقطاع تقانات المعلومات والاتصال يشكل تهديدا للأمن القومي للدول العربية خاصة من لدن الكيان الصهيوني؟
يحيى اليحياوي: لا يستطيع أحد أن يجادلك هذا الاستنتاج. اليوم أربع شركات إعلام واتصال من أصل عشرة بأسواق الأسهم الكبرى (مقياس ناسداك) هي شركات إسرائيلية...لا توجد شركة عربية واحدة...ناهيك عن أقمار التجسس التي بعثتها إسرائيل لمراقبة المنطقة العربية ومجموعات الأقمار المختلفة التي تعتمدها الدولة العبرية لحسم الصراع التكنولوجي لفائدتها من قبيل مشاركتها في منظومة إيشلون (الأمريكية) لاعتراض كل المعلومات والمكالمات والمراسلات التي تتم بمختلف دول العالم (والعرب ضمنها).
هذا واقع لا يمكن للمرء أن يتجاهله: المعلومة هي مكمن الصراع الحالي والمستقبلي بين العرب والصهيونية وليس فقط بين العرب وإسرائيل فحسب ولكن أيضا بينهم وبين كل الذين يخدمون المشروع الصهيوني بغرب العالم كما بشرقه.
بالتالي، فالأمن القومي العربي مخترق وسيبقى مخترقا حتما طالما أن العرب لا يتحكمون في منظومتهم المعلوماتية ولا لهم العزيمة على ضمان المناعة لذات المنظومة في حال إقامتها. لا يعني هذا الكلام أن العدو الصهيوني قد حسم الأمر لفائدته، لكن المقصود أن حرب المعلومات هي في بداياتها الأولى. بالتالي، فضمان النصر للعرب فيها أمر ممكن ووارد، إذ الكفاءات العربية متوفرة لرفع هذا التحدي بداخل الوطن العربي كما بخارجه.
التجديد: هذا السؤال يدفعنا إلى الحديث عن "حرب المعلومات" حيث اعتبر البعض شبكة الأنترنت مساحة الحروب القادمة WORLD WIDE WAR. أستاذ يحيى اليحياوي، هل يمكن أن تقرب القراء من تجليات هذه الحرب المعلوماتية وماهي أسلحتها؟
يحيى اليحياوي: لا أستطيع أن أجزم أن شبكة الإنترنيت فضاء حرب، كما لا أستطيع أن أسلم بأنها براء من ذات الاعتقاد.
التكنولوجيا عموما براء من الاستعمالات التي غالبا ما تكون مادتها أو موضعها تماما كالبندقية التي قد تكون أداة قتل وتدمير كما قد تكون وسيلة ردع وحفظ سلام. ..البعدين معا مرتبطين بإشكالية الاستخدام والتوظيف. هذا أمر حسمته الأدبيات في الموضوع ولا مجال هنا للتفصيل فيه.
معنى هذا أنه بقدر ما لشبكة الأنترنيت من ميزات كبرى (في توفير المعلومات والمعطيات والمعارف وغيرها وعلى نطاق واسع)، فهي أيضا منبرا للرأي المتطرف، للأفكار العدمية وللإقصاء غير المبرر...وهي من هنا لا تشد عما سواها من تكنولوجيات أخرى للإعلام والاتصال بقدر ما تؤسس لها السبل والامتداد.
قد لا أستطيع أن أجيبك بالتفصيل على هذا السؤال لأنه في جوهره مشروع بحث عريض، لكن دعني مع ذلك أقف عند بعض الملاحظات:
+ الأولى، أنه في خضم العدوان الحالي على العراق دمر موقع قناة الجزيرة على شبكة الإنترنيت. هذا عنوان حرب ألكترونية تشنها الولايات المتحدة على قناة قد لا تبدو متحيزة في المطلق للعراق.
+ الثانية، التشويه الذي يتعرض له الإسلام بالشبكة يوحي بلا تسامحيتها وتطرفها. وهو أمر قائم إذ العديد من المواقع تتهجم على الإسلام لاعتبارات ليست بالضرورة دينية خالصة.
+ الثالثة، الشبكة أصبحت مصيدة حقيقة " للمشتبه" فيهم من لدن هذه المخابرات أو تلك. نظام إيشلون مثلا يتوفر على قاموس مصطلحات ومفاتيح لاعتراض واختراق كل المراسلات الألكترونية العابرة لشبكة الإنترنيت (للتذكير فقط فالإنترنيت نتاج المؤسسة العسكرية الأمنية الأمريكية...وهذا لوحده يكفي لفهم إحدى وظائفه الكبرى).
بالإمكان تعديد الأمثلة، لكن القصد بالمحصلة هو التأكيد على أنه لا توجد تكنولوجيا جيدة في حد ذاتها أو قبيحة، الاستعمال والاستخدام والتوظيف هو المحك الحقيقي فيما أتصور.
جريدة التجديد، 9 أبريل 2003 (حاوره زكريا سحنون)، الجزء الأول
* "يحيى اليحياوي، الخبير في مجال الإعلام والاتصال ل'التجديد' : الدول العربية لا تعترف بالكفاءات أو بالقيمة المركزية للبحث العلمي"، جريدة التجديد، يومية، الرباط، 9 أبريل 2003 (1/3).