"هل لازال للمثقف اليوم وظيفة ودور طليعي في واقعه؟"، سؤال صريح وجريء، ضمن أسئلة أخرى، بعث بها الإعلامي المغربي منير الشرقي لمجموعة من الكتاب والباحثين، بهدف نشر الردود في "فسحة الصيف" ليومية "الاتحاد الاشتراكي.
سوف تختلف الردود بالطبع، وسوف نقرأ، بشكل أو بآخر تأكيدات لما جاء في أدوار المثقف بالأمس واليوم، كما تطرق إليها غرامشي وفوكو وإدوارد سعيد مثلا، أو التعريف الأشهر والأبسط في آن، ذلك الذي صدر يوما عن تشومسكي، ومفاده أن "دور المثقف هو قول الحقيقة".
مقابل هذه التعريفات، قد نصطدم في الردود المتوقع صدورها خلال الأيام القادمة، بتلميحات تروج لأطروحة "النهايات"، التي مست الإيديولوجية والكاتب والتاريخ..
بين أيدينا نماذج تطبيقية للمقصود بـ"الدور الطليعي" لمثقف المنطقة العربية، من خلال التوقف عند مواقف النخب العربية، في مجالات الأدب والفلسفة والتاريخ، وباقي العلوم والمعارف، اتجاه ما يجري في عراق ما بعد صدام حسين.
يتعلق الأمر بكتابين حديثي الإصدار، يعود الأول للباحث المغربي يحيى اليحياوي، ويحمل عنوان: "العراق القائم والقادم: مقالات عن العراق المحتل"، (دار عكاظ المغربية، 2008)، ونفضل الاستشهاد بما حرره الكاتب العراقي عوني القلمجي في تقديمه للكتاب، معتبرا أن المؤلف، أثبت بعمله الرائع هذا، انتماءه القومي، وهو يعيش في أقصى بلدان المغرب من الوطن العربي الكبير. ويؤكد بأن العراق أو أي قطر عربي آخر، هو جزء من هذه الأمة العربية المجيدة، وأن المسؤولية تجاهه تكون مسؤولية عربية، مثلما هو الدفاع عنه واجب وطني وقومي ملزم. كما أن أهمية ما قاله الكاتب في هذا المجال، لا تأتي من كونها صيغت بقلم من المغرب العربي، البعيد جغرافيا عن مكمن الحدث، ولكن أيضا من كون صاحبها اكتوى نفسيا بنار جريمة الاحتلال وطاوله الضيم في أقصى صوره، لما جرى ويجري لبلد عربي، دمرت مقوماته المادية، ومعالمه الحضارية، وطاول الموت والتهجير الآلاف من أبنائه، ولا تزال ماكينة القتل والتهجير تدور دون هوادة".
بيت القصيد في عمل اليحياوي يكمن في كون الكاتب أهدى عمله إلى روح الشهيد صدام حسين، وبديهي أن بيت القصيد هذا لن يروق لرئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، ومن معه، هناك في بغداد وطهران ولبنان.
نأتي للعمل الثاني، ويحمل عنوان: "تراجيديا إعدام رئيس عربي"، وألفه الكاتب العراقي عبد الكريم العلوجي (دار الكتاب العربي، دمشق/القاهرة. 2008)، والكتاب في الواقع، هو أول عمل عربي رصين، يتعرض بالتأمل والتدقيق في حيثيات وتبعات إعدام الرئيس العراقي صدام حسين. والعمل، كما يشير مؤلفه في التقديم، "ليس دفاعا عن مرحلة حكم الرئيس الراحل، بل هو حقيقة تتحدث عن مرحلة تراجيدية شهدها العالم بالصوت والصورة، في أخطر لحظات التاريخ المعاصر، حيث شهد تنفيذ حكم الإعدام شنقا على الرئيس صدام حسين، وهو أول رئيس جمهورية في العالم العربي يحاكم وينفذ به حكم الإعدام".
والكتاب أخيرا، شهادة على "القوة والصلابة والإرادة والتقبل والتحدي لاستقبال الموت، حتى لأنه تقبله بتهيئة النفس والروح والجسد، لذلك شاهدنا صلابته ووقوفه شامخا متحديا، حتى الموت تحداه وانتصر عليه، ولم يسجل التاريخ المعاصر هذه الوقفة الرجولية، كما شهدناها مسجلة بلحظتها المأساوية".
بيت القصيد الثاني في شهادة المؤلف، أنها ـ الشهادة ـ لم تصدر على لسان أحد مريدي حزب البعث العراقي أو السوري، ولا عن أحد أتباع الرئيس الراحل، وإنما جاءت من طرف كاتب لا علاقة له بأي تنظيم سياسي أو إيديولوجي مع نظام الرئيس صدام حسبن، من منطلق انتمائه لصف المعارضة، حتى أنه كان من أوائل المعارضين الذين هاجروا بعد استلام حزب البعث السلطة مباشرة عام 1968.
بالرغم من ذلك، وفي زمن القبح الثقافي السائد في المنطقة العربية، بخصوص تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية في العراق بالذات ـ دون الحديث عما يجري في بقاع عربية أخرى ـ نجد اليحياوي يهدي مؤلفه لوح الشهيد صدام حسين، ونجد العلوجي، وهو معارض صدام، يصف هذا الأخير، بأنه استقبل قرار وفعل الإعدام بـ"تهيئة النفس والروح والجسد، ولذلك شاهدنا صلابته وقوفه شامخا متحديا، حتى الموت تحداه وانتصر عليه، ولم يسجل التاريخ المعاصر هذه الوقفة الرجولية كما شهدناها مسجلة بلحظتها المأساوية".
لم نجد أفضل من هذين المثالين، لتجديد التأكيد على أنه فعلا، "لازال للمثقف اليوم وظيفة ودور طليعي في واقعه" العربي الراهن، رغم تعدد مبادرات التواطؤ والخيانات من طرف بعض سياسيي المنطقة، وهرولة مثقفي التيار "الليبرالي العربي"، نحو تقبيل أيادي صناع القرار في البيت الأبيض، ومطالبتهم للأمم المتحدة، دونما أدنى ذرة حياء، بمحاكمة فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، أفضل وأبرز علماء الأمة على وجه الحياة اليوم، أو "المثقف الديني" الأنموذج اليوم.
ليطمئن "معذبو المزارع العربية"، مادمنا نطلع على أعمال ثقافية شجاعة من طينة "مقالات عن العراق المحتل"، و"تراجيديا إعدام رئيس عربي"، فيمكننا الجزم، بأنه "لازال للمثقف العربي اليوم، وظيفة ودور طليعي في واقعه".
منتصر حمادة، القدس العربي، 7 يوليوز 2008