من مفارقات الأمور حقا أنه كلما عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى غزو بلد أو قلب نظام حكم أو استهداف جماعة أو تقويض تنظيم إلا واستصحبت ذلك بوعود أو بررت له بمشاريع أو سوغت له ببرامج ومخططات تبدو للوهلة الأولى في شكلها على الأقل، كما لو أنها سليمة الخلفية، بريئة الذمة، غير حمالة لحسابات ضمنية اللهم إلا "خدمة الأمن أو السلم أو الاستقرار أو التنمية" أو ما سواها:
+ فإخراج القوات العراقية من الكويت، بداية تسعينات القرن الماضي، استتبع ومهد له بمنظومة "النظام الدولي الجديد" التي أطلقها جورج بوش الأب والتأمت في أعقابها مؤتمرات وقمم (لعل أهمها إطلاقا وأكثرها موسطة مؤتمر مدريد) لحل أزمات الشرق الأوسط والتجاوز على عقود الحرب والعنف التي كانت المنطقة إياها مكمنها بامتياز منذ زرعت إسرائيل هناك أواخر أربعينات القرن العشرين.
+ واحتلال العراق (كما غزو أفغانستان) مدخل هذا القرن، تلازم وإطلاق الإدارة الأمريكية لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" (ثم الواسع ثم الأوسع فيما بعد) بغرض "استئصال جذور الإرهاب" والالتفاف على موجات المقاومة والممانعة (وخطابات الجهاد أيضا) التي ميزت المنطقة الجغرافية إياها من تخوم الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى أقصى دول المغرب العربي بإفريقيا.
وعلى الرغم من الفشل الذريع الذي لقيه هذان المشروعان جراء تورط الولايات المتحدة في أعماق المستنقع العراقي وأثون الوحل الأفغاني وانحسار قدرتها على تجفيف منابع الإرهاب (المتأتية من تنظيم القاعدة بالأساس)، فإن الإدارة الأمريكية لم تتعض، بل أمعنت في محاولة استنبات مشاريع جديدة على أنقاض السابقة أو بمحاولة منها لإحياء بعض منها بهذه الصيغة أو تلك.
لا يبدو لنا، على هذا الأساس، أن ما أطلق عليه "الشرق الأوسط الجديد" يحمل مواصفات مختلفة عما سبقه من مشاريع بقدر ما يؤسس لها الامتداد بالشكل كما بالمضمون:
°- فهو أتى في خضم حرب ضروس شنتها إسرائيل على لبنان (ولا تزال رحاها دائرة) في أعقاب اختطاف جنديين لها بالجنوب من لدن حزب الله، وفي سياق تنفيذ قرار لمجلس الأمن (القرار 1559) تعذر تنفيذه بأدوات الحوار التقليدية، فاستدعى ذلك تدخل إسرائيل لتنفيذه بقوة النار والحديد...أي تجريد الحزب من سلاحه للتفرغ بسرعة لمسألة سوريا وإيران العالقتين منذ مدة.
°- وهو أتى في ظل استمرار الولايات المتحدة في إيمانها بجدوى "الفوضى الخلاقة"، اي اعتبار الفوضى الجارية (أو التي من المفروض إفرازها) أداة ووسيلة بل ومدخلا لا بد منه لإدراك الأمن والاستقرار والديموقراطية بهذه الجهة من العالم أو تلك.
°- وهو أتى، فضلا عن كل هذا وذاك، في ظل إدارة أمريكية تصرح جهارة أن ما يتعرض له لبنان من شتى أنواع القتل والتدمير ومختلف أنواع التشريد والإبادة إنما هو "وجع المخاض" الذي لا بد منه لتجسيد هذا الشرق الأوسط المنشود.
بالتالي، فمعارضة الولايات المتحدة، منذ اليوم الأول للعدوان على لبنان، على أي مشروع لوقف إطلاق النار بمجلس الأمن إنما يدخل في منظومة هذا التصور: تصور أن كل شيء يهون (حتى وإن كان تدمير بلد برمته) مقابل تفكيك حزب الله وتجريده من مكامن القوة التي بفضلها حارب "جيش الدفاع " الإسرائيلي بصمود ملحمي بهر المتابعين، وذهب ببعض النظم العربية إلى تغيير مواقفها منه والتحفظ من الإشارة إليه بالأصبع السلبية.
وإذا تسنى للمرء أن يسلم أن مشروع "الشرق الأوسط الجديد" هذا كان موجودا ومتوافرا ولم يكن ينتظر إلا الشرارة الأولى لإعلانه وإشاعته (تماما كما انتظار إسرائيل شرارة استهدافها للبنان من خلال عملية اختطاف الجنديين)، فإنه من الثابت اليوم (والحرب قد أوشكت على وضع أوزارها بعد شهر من القتال الضروس) أن الذي شن الحرب بالبداية وقرر إيقافها بالمحصلة إنما هي الولايات المتحدة وليست إسرائيل.
والدليل في ذلك لا يقتصر فقط على تماهي الموقف الأمريكي بجهة إسناد الموقف الإسرائيلي وعدم تنديده باستهدافه المقصود للمدنيين (بتعذر بلوغه عناصر المقاومة)، بل وأيضا بإسراع الولايات المتحدة إلى شحن صواريخ ذكية (شحنت بمصادفات الزمن العربي الرديء من قاعدة العيديد بقطر) لتستهدف بها مقاومين تحولوا بمجريات المعركة إلى أشباح أمام ترسانة حروب تقليدية لا تدري من أين تباشرهم أو بأي الأساليب تواجههم.
لو كان للمرء أن يقف إيجازا عند بعض عناصر هذا "الشرق الأوسط الجديد" لاستوقفته حتما ثلاثة أمور تبني له الأساس والركيزة:
+ أما أولها، فتدمير حزب الله ومن خلفه كل قوى الممانعة التي لا تزال الإدارة الأمريكية ترى فيها منغصا جوهريا على سلوكها الأمبراطوري، سيما وقد انبطحت لها كل النظم العربية المعتدل منها كما المدعي للثورية سواء بسواء.
+ وثانيها، تصفية القضية الفلسطينية نهائيا عبر الدفع بالحلول الأحادية وتثبيت بقايا منظومة أوسلو بركن من فلسطين التاريخية يكون بالنهاية امتدادا للاقتصاد الإسرائيلي، وليس له أدنى مقومات البنيان الجغرافي المؤسس لهيكل الدولة أو الواعد بالاستمرارية في الوجود.
+ أما ثالثها، فالتوجه صوب سوريا وإيران لتطويعهما نهائيا وإقامة نظم حكم من بين ظهرانيهما على الشاكلة العراقية أو الأفغانية...مع العمل، بمحصلة كل ذلك، على تقسيم كيانات المنطقة الكبرى وتحويلها إلى دول مجهرية يسهل التعامل معها أو جعلها منزوعة القوة والمناعة للدوران في الفلك الإسرائيلي دونما مقاومة أو تمنع.
قد يجد المرء بعضا من الغضاضة الكبرى في التعامل مع هذا المشروع بالمواصفات السابقة، لكنه قد لا يجد كثيرا منها عندما يقف عند روافد المشروع إياه سيما تلك الدافعة بجهة الدمقرطة والحرية وحقوق الإنسان وما سواها والتي يتغلف المشروع بها ويعتبرها بالخطاب غايته ومصبه النهائي.
إذا كان صحيحا أن المشروع إياه (كما ما سبقه من مشاريع) ينادي بدمقرطة نظم المنطقة وإطلاق الحريات من بين ظهراني أبنائها واحترام حقوق الإنسان، فإن ذلك لا يخرج عن منطوق قول الحق المحيل على الباطل.
والحجة في ذلك لا تأتي فقط من طبيعة "النموذج الديموقراطي" الذي حمله الجيش الأمريكي للعراق (فأفرز طوائف سياسية وأحزاب عقائدية وانشطار قومي وما سوى ذلك)، بل وأيضا من التحامل على الديموقراطية الفلسطينية والزج بنوابها ووزرائها بالمعتقلات لا لشيء إلا لكونهم دفعوا بالممانعة بوجه الولايات المتحدة والتزموا بمبادئهم في عدم الاعتراف بإسرائيل طالما لا تعترف للفلسطينيين بحقهم في الوجود وتأسيس الدولة.
وإذا بات في حكم المؤكد اليوم أن المشروع قد ولد ميتا في ضوء ما حققته المقاومة اللبنانية بأرض المعركة، فإنه من المؤكد أيضا أنه لولا المقاومة إياها لكنا منذ اليوم بإزاء بداية تنفيذ العناصر التي قدمنا لبعض من عناصرها أعلاه.
لربما كان سيطول بنا الزمن حتى نرى تنفيذ كل فصوله، لكننا سنكون بالقطع شاهدين (في حالة الانتصار المطلق للجيش الإسرائيلي والمباشرة في تنفيذ المشروع) على استعراض مذل لعناصر المقاومة حفاة، عراة، مقيدي الأيدي والأرجل... ولربما بشوارع بيروت وبلدات الجنوب.
* "تباشير الشرق الأوسط الجديد"، التجديد العربي، 14 غشت 2006، جريدة التجديد، الرباط، 21 غشت 2006، جريدة نيويورك تايمز (ترجم)، 15 غشت 2006.