خالد كبير علال، دار المحتسب، 2008، الجزائر، 188 ص.
1- يقول الكاتب، في تحديده للتعصب: "أخذت كلمة التعصب من العصبية، و هي أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبيته، والوقوف معها على من يناوئها ، ظالمة كانت أو مظلومة. ومن معانيهما أيضا، أي التعصب والعصبية، المحاماة والمدافعة والنصرة. و يكون ذلك على مستوى الأفكار والمشاعر، والأقوال والأفعال".
التعصب نوعان: أولهما الانتصار للحق وهو ممدوح، وثانيهما الانتصار للباطل وهو مذموم. ثم إنه لا يوجد تعصب واحد فقط، وإنما هناك تعصبات كثيرة، منها : التعصب الأسري، والتعصب القبلي، والتعصب العرقي، والتعصب الجهوي، والتعصب الحزبي، والتعصب الديني (بين أبناء الأديان المختلفة)، والتعصب المذهبي، ويحدث بين مذاهب الدين الواحد، وقد تجلت مظاهره في مختلف جوانب الحياة عند المسلمين خلال العصر الإسلامي ، على مستوى المذاهب والطوائف.
إن بدايات التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي تعود، برأي المؤلف، إلى الخلافات السياسية والفكرية، الأصولية والفقهية، التي حدثت بين المسلمين خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، "مما أدى إلى ظهور فرق وطوائف وجماعات تمذهبت بأفكار و أصول كانت تحملها، ثم تعصبت لها، و سعت جاهدة إلى نشرها والانتصار لها على أرض الواقع، فدخلت في نزاع مذهبي شديد فيما بينها، على مستوى المشاعر والأفكار، والأقوال والأفعال".
فعلى مستوى الفرق، فإنه لما انقسمت الأمة على نفسها بسبب الفتنة الكبرى بين سنتي 35 و 41 هجرية، ظهرت الفرق السياسية المتمثلة في الرافضة، والشيعة، والخوارج، والسنة، ثم تنظمت، وتسيست، وتمذهبت، وتعصبت لأفكارها، وخاضت من أجلها الصعاب والشدائد والحروب. وعلى مستوى العقائد وأصول الدين، فقد حدثت خلافات كثيرة بين مختلف طوائف أهل العلم، منذ نهاية القرن الأول الهجري وما بعده، فظهرت المعتزلة ونفت صفات الله تعالى، وقدمت العقل على الوحي، أي النقل.
في مقابل هؤلاء، نجد أهل السنة والجماعة، "كانوا يمثلون جمهور المسلمين، رافعين راية القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة، فمثلوا الإسلام الصحيح، وردوا على انحرافات تلك الفرق، فأثبتوا صفات الله تعالى بلا تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تجسيم، وتولوا الصحابة، وقدموا النقل على العقل".
وعلى مستوى الفروع، أي الفقه، "فإن الناس زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكونوا متمذهبين، فكان العلماء يجتهدون لاستنباط الأحكام الشرعية، وغير المجتهدين منهم يسألونهم فيما لا يعرفونه، و كان العوام يقلدونهم بلا تمذهب ولا التزام بشخص معين منهم".
لقد كان للتعصب المذهبي تأثير كبير على المسلمين في حياتهم الاجتماعية خلال العصر الإسلامي، يقول المؤلف، فجرهم إلى الفرقة والتناحر، وإلى السباب والمهاترات، والتكفير واللعن، والفتن والمصادمات الدموية، وما سوى ذلك. ولعل من مظاهر ذلك، سب الشيعة للصحابة.
والمقصود بالشيعة هنا، أولئك الذين يسبون الصحابة ويطعنون فيهم، ويتنقصونهم، ويضللونهم. ويعرفون أيضا بالرافضة، لرفضهم الصحابة ومن يتولاهم، ومنهم الشيعة الإسماعيلية، والاثنى عشرية، والزيدية الجارودية. وعليه فإن كل الشيعة، قديما وحديثا، رافضة سبابون، ما عدا الزيدية البترية والزيدية السليمانية باليمن، الذين لا يسبون الصحابة.
إن ظاهرة سب الشيعة للصحابة منتشرة بقوة، وقد تمثلت الردود عليهم باستخدام عدة وسائل من بينها إصدار الأحكام الشرعية ضد سلوكهم، والتصدي لهم بالقوة والدخول معهم في مصادمات دامية عنيفة، وعدم السكن في أحيائهم وهجر البلدان التي لا يوجد بها سب للصحابة.
إن السنة بهذا السلوك لم يكونوا متعصبين، يقول الكاتب، "لأنهم انتصروا للحق وتعصبوا له ولم ينتصروا للباطل ولا تعصبوا له، لأن سب الصحابة هو التعصب الأعمى والجريمة الشنعاء، والدفاع عنهم هو الحق المبين المعروف بالضرورة من دين الإسلام... إن سب الصحابة جريمة نكراء، لا يفعلها إلا شقي جاهل غبي، مبتدع ضال ماكر خبيث، لأن النصوص الشرعية القطعية الثبوت والدلالة، شهدت لهم، أي للصحابة، بالإيمان و الفضل، والعمل الصالح".
ومن مظاهره أيضا تكفير الشيعة للصحابة ولكل من يخالفهم. ويستشهد الكاتب هنا بما قاله الكاتب الشيعي المعاصر محسن المعلم في كتابه "النصب و النواصب" ، والذي ذكر صراحة أن الشيعة الإمامية، يقصد الإثنى عشرية، أجمعت على أن "الناصبي، أي السني، حكمه حكم الكافر من حيث الاعتقاد ...وهو في حكم الكافر من حيث النجاسة، وإن كان مظهرا للشهادتين.
والنواصب المقصودون هنا هم أهل السنة، من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من السنيين إلى يومنا هذا، وقد ذكر منهم طائفة، من بينهم : أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبو بكر الصديق، وعائشة أم المؤمنين، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وتقي الدين بن تيمية، وابن كثير، وأحمد بن حجر الهيثمي.
من هنا، فقد عمد كثير من أهل السنة بدورهم إلى تكفير الشيعة، "لكن شتان بين من كفر الصحابة ظلما وعدوانا، وبين من دافع عن الصحابة وكفر من كفرهم. فالذين كفروا الصحابة هم المتعصبون للباطل، المخالفون للنقل الصحيح والعقل الصريح. أما الذين نزهوا الصحابة، وانتصروا لهم إتباعا للشرع وللحقائق التاريخية الثابتة، فهم المنتصرون للحق المتعصبون له، فتعصبهم محبوب ممدوح، وتعصب هؤلاء، أي الشيعة، منكر مذموم".
ومن مظاهره أيضا القتل أو محاولات القتل على خلفية من التعصب المذهبي، والتي غالبا ما لجأ إليها المذهب الشيعي، في حين، يقر الكاتب، فإن "قتل أهل السنة للشيعة الذين سبوا الصحابة و كفروهم، وأصروا على ذلك، ورفضوا التوبة عن ضلالهم، هو عمل لا تعصب فيه بالمعنى المذموم، وإنما هو انتصار للحق، وإقامة للشرع ، لأن ما أظهره هؤلاء الشيعة هو هدم لدين الإسلام، وتعد سافر على عقائد وثوابت أهل السنة ومشاعرهم، لا يمكنهم السكوت عنه، وعليهم أن يتصدوا له، مع العلم أن القتل في مثل هذه الحالات معروف في التاريخ والحاضر، فإذا ما تعدى إنسان ما على مقدسات أمة وداس عليها علانية، يكون قد اعتدى عليها، وارتكب جريمة كبرى في حقها، وما عليه إلا التهيؤ لقطع رأسه".
من جهة أخرى، فلم تكن الطوائف السنية الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية)، بمنأى عن التعصب المذهبي فيما بينها، فقد كان متغلغلا فيها، على مستوى أصول الدين وفروعه، وأوصلها إلى الفتن المذهبية الدامية خلال العصر الإسلامي. كما أنها دلت على أنها لم تكن حوادث شاذة معزولة، وإنما كانت حوادث جماعية كثيرة، من ورائها جماعات منظمة وموجهة ذات أهداف محددة.
2- لقد كان لانتشار التعصب المذهبي بين المسلمين، خلال العصر الإسلامي، آثار وخيمة كثيرة جدا، يقول المؤلف، مست مختلف جوانب الحياة، مؤدية إلى تفكك البناء الداخلي للمجتمع الإسلامي جراء الفتن والاحترابات الدموية وانتشار الأمصار المذهبية بكل ربوع الأمة الإسلامية، وتراجع مد الأخوة الإسلامية القائم على الدين.
وقد كان لذلك أثر علمي كبير، حيث صبغت الحياة العلمية بطابع التعصب المذهبي في أصول الدين وفروعه، فكثرت الروايات وانتشر الكذب على الأحاديث النبوية انتصارا لهذا المذهب أو ذاك، حتى بات للمعتزلة مصنفاتهم، وللشيعة كتبهم، وللإباضية مؤلفاتهم، وللطوائف السنة مصنفاتها...الخ.
بالمقابل، فقد كانت للتعصب المذهبي بعض من الإيجابيات، لكنها قليلة جدا بالمقارنة إلى سلبياته الكثيرة، وإلى آثاره الخطيرة المدمرة للبلاد و العباد. فمن إيجابياته "إنه دفع أتباعه إلى الجد والاجتهاد لخدمة مذاهبهم ، فأنشئوا المؤسسات العلمية الكثيرة ، وأنتجوا ثروة علمية كبيرة في أصول الدين وفروعه، حتى أصبح لكل طائفة ثروة هائلة من المصنفات، وكتب الطبقات والتراجم شاهدة على ذلك . غير أنه يعاب على تلك المدارس أنها كانت، في معظمها، ذات صبغة طائفية مذهبية متعصبة. و يعاب على تلك الثروة العلمية غلبة التعصب المذهبي عليها، مع كثرة الشروح والمختصرات وقلة الإبداع و التجديد فيها".
ومن إيجابياته أيضا إن انتشاره وهيمنته على الحياة العلمية "أدى إلى ظهور حركة اجتهادية مقاومة له، وهي و إن كانت ضعيفة ورجالها قلة، فإنها قد تصدت له بحزم وشجاعة، وضربت أمثلة رائعة في الاجتهاد المتحرر من قيود التعصب المذهبي وأغلاله، وترك لنا بعض رجالها مصنفات قيمة في ممارسة الاجتهاد وذم التقليد والتعصب المذهبيين".
نافذة "قرأت لكم"، 20 ماي 2010