تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الأبعاد الفكرية والعلمية/التقنية للصراع العربي الصهيوني"

خلف محمد الجراد، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000، 163 ص.

1- بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف: " قامت إسرائيل على العنصرية والاستيطان والإرهاب والإجلاء، واعتمدت في إنشائها وصيرورتها وتوسعها وعدوانيتها، على الدعم المباشر والمطلق من العالم الغربي عامة، والقوى الكبرى خاصة. ولذلك فهي مرتبطة عضويا واستراتيجيا راهنا ومصيرا، بمصالح تلك الدول والقوى العالمية".

في المقابل، يتابع المؤلف، "بدأت في إسرائيل (بعد اتفاقات كامب ديفيد) تتبلور حركة جديدة للتغلغل السلمي (ثقافيا وعلميا) في الجسد العربي، ضمن استراتيجية مدروسة لزعزعة ثوابت الوجدان القومي، ومكونات الذاكرة الجماعية لأمتنا، بغية هز قناعات الأجيال الجديدة، واختراق المرتكزات والقناعات التاريخية والدينية والقومية والحضارية لهذه الأجيال، ومن ثم تحطيم إرادتها في البقاء والوجود المستقل، تمهيدا للإجهاز النهائي على هويتها وشخصيتها ومستقبلها برمته".

2- يتكون الكتاب من أربعة فصول رئيسية، تناول فيها المؤلف بتحليل معمق ودقيق، ما أسماه "بالأبعاد الفكرية والعلمية للصراع العربي/الإسرائيلي":

+ بالفصل الأول ("المرتكزات العنصرية للفكر الصهيوني، وتجلياتها الإرهابية")، يبدأ الكاتب القول بأن " الصهيونية دعوة وحركة عنصرية/دينية، استيطانية إجلائية، مرتبطة نشأة وواقعا ومصيرا، بالإمبريالية العالمية، تطالب بإعادة توطين اليهود، وتجميعهم، وإقامة دولة خاصة بهم في فلسطين، بواسطة الهجرة والغزو والعنف، كحل للمسألة اليهودية. فالصهيونية، بدلا من أن تحل ما سمي بـالمشكلة اليهودية، خلقت ما يمكن تسميته المسألة الإسرائيلية، التي أصبحت تشكل عبئا ماديا ومعنويا ونفسيا كبيرا على اليهود".

إن الصهيونية هي أكثر من قضية سياسية أو ثقافية، يؤكد المؤلف. إنها أيديولوجية، "استغلت الأفكار الدينية، الأفكار الراسخة في العقل الجمعي، والمخيال العام لليهود، ومن السهل تحريكهم عن طريق ذلك الموروث. حيث ثبت عمليا أن القوى الصهيونية بتياراتها وفرقها المختلفة، أدركت أهمية العقيدة الدينية، واستثمرت عناصرها لأبعد الحدود. فالدين هنا يساهم في تدعيم البنية الروحية/الذهنية لعامة الناس، وأداة لخدمة الاستراتيجية الصهيونية الشاملة".

معنى هذا، أن كل يهودي أو غير يهودي، يؤمن بضرورة استمرار وجود "دولة إسرائيل"، ويساعدها بأي شكل من أشكال المساعدة، هو صهيوني، حتى وإن بقي في بلده: انجليزيا كان، أم فرنسيا، أم ألمانيا، أم أمريكيا، أم ما سوى ذلك. بالتالي، فهناك ترابطا عضويا، لا تنفصم عراه، بين كل من اليهود والصهيونية وإسرائيل، إذ اليهود يعدون أن كل يهودي في العالم هو جزء منهم، وأن لا فرق من الناحية القومية، بين اليهود الذين يعيشون في إسرائيل، وبين يهود العالم. الدين اليهودي بالنسبة إليهم، يعد عنصرا أساسيا في القومية، والصهيونية تهدف إلى تطبيق التعاليم اليهودية، وتلتزم بالطابع الديني للدولة اليهودية، وتؤمن عموما، بأن الدين هو الدافع الأول لخلق الدولة اليهودية. من هنا، يقول الكاتب، فإن إسرائيل "هي تجسيد جزئي للمشروع الصهيوني، الذي لم يستكمل بناءه الذاتي النهائي، ولم تصل إلى حدودها التوراتية المزعومة بعد"، أي التي تضمن لليهود استعادة "حقوقهم التاريخية التي سلبها الأغيار". بالتالي، فإن الحق التاريخي الذي يخول اليهود الاستيلاء على فلسطين، يستمد مقوماته الجوهرية من الديانة اليهودية.

إن الحقيقة الثابتة، يؤكد الكاتب، إنما "أن اليهود لا يشكلون أمة واحدة، ولا يكونون مجموعة قومية أو عرقية، وليس هناك تركيبة إثنية يهودية، ولا وجود لجنس يهودي متميز، وإنما هم عناصر بشرية تنتمي إلى جميع الأجناس، من أوروبا إلى أمريكا إلى آسيا وإفريقيا. وليس لهم لغة واحدة، بل يتكلمون لغات الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. وليس لليهود عادات مشتركة وتاريخ مشترك، فسلوكهم يعكس تقاليد وعادات المجتمعات في أوطانهم الأصلية". وإلا فما الذي يجمع قوميا، اليهودي الروسي والألماني واليهودي المغربي واليهودي الأمريكي واليهودي الأثيوبي مع اليهودي الفرنسي، وهكذا.

والدليل على ذلك، بتصور المؤلف، أن الصراعات بين هؤلاء بلغت اليوم ذروتها، كالصراع بين الدينيين والعلمانيين، والصراع الطائفي والثقافي بين الاشكنازيم والسفارديم والمهاجرين الروس والإثيوبيين، والصراع بين العقائد والتقاليد المبنية على الأساطير والموروث الجماعي من جهة، والتيارات والقوى السياسية البراغماتية من جهة أخرى، والصراع بين "مركزية الشتات" و"مركزية إسرائيل"، وغيرها.

وقد أدت هذه الصراعات إلى تفتت البنية الاجتماعية، الثقافية والسياسية الإسرائيلية، بين ثقافات وطوائف وقوميات ومواقف واتجاهات وقوى، متصارعة حول ماهية "هوية الدولة": هل هي كنعانية؟ أم يهودية دينية؟ أم يهودية علمانية؟ أم صهيونية؟ أم إسرائيلية؟ أم "صبارية" عبرانية؟

ومع ذلك، فقد نجح الصهاينة المتدينون في تثبيت العديد من المفاهيم والشعارات، من قبيل "العلاقة التاريخية بين اليهود وبين أرض إسرائيل"، التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الوعي الصهيوني، متدينا كان أم علمانيا. ومن الواضح أن ترسيخ مثل هذه المفاهيم يلعب دورا بالغ الأهمية، في دعم التطرف والتصلب والإرهاب الصهيوني، إذ هم يزعمون، بالبناء على ذلك، أنه إذا كانت "أرض إسرائيل" ملكا لليهود، وعلاقتهم بها "تاريخية" و"أزلية" و"ربانية"، مستمدة من الله والتوراة، فلا يجوز مطالبتهم بالانسحاب من أجزاء منها، وأن كل مطلب من هذا القبيل، هو بنظرهم عمل "غير أخلاقي".

إن الصهيونية، يقول الكاتب، إنما "هي الوجه السياسي، الفكري والأيديولوجي لليهودية، كما أن اليهودية هي المرتكز الديني للصهيونية. أما إسرائيل، فهي التجسيد العملي والسياسي والكياني للظاهرتين معا". إنها عقيدة متطرفة، استمدت أصولها من مفاهيم الديانة اليهودية، وأساطير تعود إلى ثلاثة آلاف سنة، من بينها أن إله اليهود قد وعد شعبه الخاص (بني إسرائيل) بأرض فلسطين، ملكا أبديا.. وخصهم بها ميراثا أزليا. بالتالي، فلا صهيونية من دون يهودية، "لأن الصهيونية ما فتئت تعمل، بجهود هائلة وأساليب شديدة التنويع والمكر، على تحويل التنبؤات والرؤى والأساطير والوعود إلى حقائق واقعية".

من هنا، فلا أحد يستطيع محو الاعتقاد اليهودي بأن الإله "يهوه" هو الذي حذرهم من مخالطة الشعوب، أو قطع العهود معها؟ ومن بإمكانه إلغاء الإيمان اليهودي المتوارث منذ آلاف السنين، بأن الرب هو من فرض عليهم إبادة الشعوب المجاورة أو طردها؟

إن هدف الصهيونية هو إقامة دولة يهودية خالصة، ووجود أي عنصر غير يهودي داخل هذه الدولة سيؤدي إلى فشل المشروع الصهيوني من أساسه، أي أن البرنامج الصهيوني، لأنه صهيوني، كان يتطلب إحلال اليهود محل العرب، وليس مجرد استغلال هؤلاء العرب، لدرجة دفعت البروفسور إسرائيل شاحاك للقول: "إن قوانين النازية أكثر اعتدالا من قوانين التلمود".

وعلى هذا الأساس، فإن الشخصية العدوانية، العنصرية، الإرهابية، المسيطرة اليوم في "المجتمع الإسرائيلي"، إنما هي ثمرة طبيعية من ثمرات "التربية" الصهيونية، منذ أكثر من مئة عام. ولهذا لا يمكن أن نستغرب أن يجيب أطفالهم على سؤال "ماذا نفعل بالعرب؟" بالقول: "إنه يجب قتلهم وإبادتهم".

+ بالفصل الثاني ("مراكز الأبحاث والمؤسسات العاملة في خدمة التطبيع والاستراتيجية الصهيونية") يلاحظ المؤلف أن  التطبيع الثقافي يمثل الدعامة الرئيسة للتغلغل الإسرائيلي في المنطقة، لأنه أعمق وأكثر استقرارا من أي ترتيبات أمنية. إن هذا التطبيع "يظل العامل الحاسم على المدى البعيد، لأن الصراع يترسخ في وعي الشعوب وثقافاتها، وفي ذاكرتها الجمعية ووجدانها القومي، فتصعب عملية هز القناعات، وتدمير مقومات الذاكرة الوطنية، واختراق الثوابت التاريخية، والدينية والحضارية، دون إقامة جسور للتواصل والتطبيع الثقافي".

ويأخذ هذا الاختراق، بنظر الكاتب، "شكل الترويج لقيم وعلامات، تصب مباشرة في تدمير المناعة الثقافية العربية، مثل مهاجمة العقل العربي والشخصية العربية، والتشكيك بالأمة العربية وهويتها الحضارية، والترويج لمزاعم الصهيونية، والتيارات الشعوبية الحاقدة، التي تصر على مزاعم متجددة، كالقول بأن العرب نقلة للحضارة، أو مترجمين، أو لا يتمتعون بعقل علمي/تحليلي نقدي، أو الترويج لأطروحة الشعوب والأقوام والقبائل الناطقة بالعربية.. وأن الثقافة العربية الواحدة والأمة العربية الواحدة، مجرد وهم وخرافة".

وتعد "الجامعة الأمريكية" بالقاهرة، على اعتبار محاولات التطبيع مع مصر، إحدى أدوات تحقيق الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية، وقاعدة متقدمة للتغلغل داخل خلايا المجتمع. ويمثل الدارسون فيها شريحة كبيرة من أبناء الطبقة الغنية والنخبة الحاكمة، وهؤلاء يشكلون "قاعدة مناسبة" لصفوة جديدة، تدعم سياسة التبعية للولايات المتحدة، بحكم أنهم مرشحون بعد إتمام دراساتهم، لتولي مواقع متقدمة في الأجهزة التنفيذية، وفي المؤسسات الاقتصادية، وإدارة الأعمال، وقطاع السياحة.

ويأخذ التطبيع عناوينا مختلفة، لعل أهمها ما يمارس باسم "الأبحاث العلمية"، و"الدراسات الميدانية المشتركة"، و"مبادرات السلام"، و"مشاريع التعاون الأكاديمي"، و"هيئات المعونة"، و"مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية"، و"خلوات الأرضية المشتركة" وما سواها.

+ بالفصل الثالث ("الأمن القومي العربي والتحدي العلمي/التقني") يقف المؤلف عند ثلاثة اتجاهات متباينة لماهية الأمن القومي: الأول يتجاهل فكرة الأمن القومي العربي، والثاني ينظر إلى المفهوم في إطار ما يجب أن يكون، في حين ينظر إليه الاتجاه الثالث كمرادف لمفهوم الأمن الإقليمي.

الاتجاه الأول يرى أن الأمن القومي يعني القدرة العسكرية على حماية الدولة، والدفاع عنها إزاء أي عدوان خارجي، أو برأي علماء السياسة، "مجموعة المبادئ التي تفرضها أبعاد التكامل القومي في نطاق التحرك الخارجي".

الاتجاه الثاني، ويحدد الأمن القومي في "قدرة الأمة العربية من خلال نظامها السياسي الواحد، المفترض، على حماية الكيان الذاتي العربي، ونظام القيم العربية التاريخية، المادية والمعنوية، من خلال منظومة الوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية، حمايتها من خطر التهديد المباشر أو غير المباشر، خارج الحدود، أي دوليا، أو داخل الحدود، بدءا بالتخلف وحالات التبعية وانتهاء بإسرائيل".

أما الاتجاه الثالث، فينصرف إلى تلك "الحالة من الاستقرار الذي يشمل المنطقة العربية كلها، بعيدا عن أي نوع من أنواع التهديد، سواء من الداخل أم من الخارج".

ويختزل المؤلف هذه الاتجاهات في التحديد التالي: إن الأمن القومي هو "تأمين المناعة الإقليمية والاستقرار السياسي والتكامل الاقتصادي بين أجزاء الوطن العربي، وتعزيز آليات وقواعد العمل المشترك، بما فيها القدرة الدفاعية، لوقف الاختراقات الخارجية للجسم العربي وتصليب العلاقة التي تبدو هلامية في الوقت الراهن، بين وحدات النظام العربي، وما يتطلبه ذلك من اعتماد الحوار والتفاوض، لإنهاء الخلافات والصراعات الدائرة بين هذه الوحدات".

ويلاحظ المؤلف أنه ثمة أخطارا وتحديات داخلية وخارجية عديدة، تهدد الأمن القومي العربي، وترتبط بالطاقات والثروات والخصائص الجيوبوليتيكية للوطن العربي، والتي جعلت منه منطقة هامة جدا اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا وحضاريا، ومن أهمها وجود الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، وغياب التطور الشامل والتنسيق التجاري والإنتاجي بين الأقطار العربية، ناهيك عن التحدي الغذائي وما سواه.

أما التحدي الأقوى للأمن القومي فهو، بنظر الكاتب، التحدي العلمي والتقني. ففي أوائل الثمانينات، بلغ عدد النشرات العلمية العالمية، بحسب معطيات "معهد المعلومات العلمية" الأمريكي كالتالي، لكل مليون مواطن: 1020 للولايات المتحدة، 450 لفرنسا، 18 للبرازيل، 16 للهند و 15 للوطن العربي.

وسبب تدني مكانة الوطن العربي مردها غياب المجاميع العلمية الفاعلة، والاعتماد الكبير على الاستيراد المباشر للتقانة، والدعم الضعيف لبحوث الإنتاج وتطويره (معظم المعامل مستوردة على أساس وتسليم المفتاح)، إذ لا يخصص العرب إلا 0،2 بالمائة فقط من الناتج الوطني الإجمالي للبحث والتطوير، بالمقارنة، مع الهند التي تخصص 0،7 بالمائة، والبرازيل 0،6 بالمائة، بينما تخصص البلدان الصناعية من 2 إلى 3 بالمائة.

إن الأزمة بهذا الجانب، إنما تكمن، برأي المؤلف، في غياب منظومة عربية لنقل المعرفة واستغلالها في التنمية، ورفع القدرات الدفاعية، وتقليل الفجوة العلمية/التقنية بين العرب وإسرائيل. بما معناه أن مشكلة البحث العلمي والتخلف التقنني في الوطن العربي، هي كامنة في انخفاض عدد الباحثين بالمقارنة مع البلدان المتقدمة، وفي المعدل الوسطي العالمي، وفي ضعف البنية المؤسسية العلمية قطريا وقوميا، وفي نقص مردودية الباحثين العرب، وفي هجرة الأدمغة العربية إلى الدول المتقدمة، وأخيرا في غياب استراتيجية عربية قومية شاملة لمعالجة هذه المشكلات، ووضع تصورات واقعية لمجابهة هذه التحديات الكبيرة.

بزاوية هجرة الأدمغة تحديدا، يقدر المؤلف أن عدد الكفاءات العربية المهاجرة إلى المجتمعات الغربية، وخاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بلغ نحو 450 ألف نسمة. وهي خسارة فادحة لموارد بشرية عالية المستوى (حملة ماجستير ودكتوراه وهندسة واختصاصات نادرة، أو المدربة تدريبا تقنيا رفيع المستوى)، والضرورية جدا لتحقيق النمو الاقتصادي ودفع عجلته إلى الأمام.

ويلاحظ الكاتب أن عوامل "الجذب" في البلدان الغربية، مختلفة ومتنوعة، منها العلمية، والسياسية، والاجتماعية، والفكرية، وغيرها. وتحتل العوامل والمحفزات الاقتصادية، مكانة مؤثرة في هجرة الكفاءات العلمية/الفنية، والاختصاصية في الأقطار العربية الأكثر فقرا، والأشخاص الأكثر تأثرا بهذه العوامل هم الأفضل إعدادا وتأهيلا، والأكثر خبرة في الإنتاج والتدريب والبحث في بلدانهم الأصلية.

ولو قدرنا تكاليف إعداد المهندس بنحو 227 ألف دولار، و 198 ألف دولار لعالم الطبيعة، و 535 ألف دولار للطبيب، فبالإمكان أن نحسب وفق هذه المعطيات، الحجم الهائل للخسائر العربية، والنزيف السنوي المستمر لأفضل وأهم الطاقات والكفاءات العربية. بالمقابل، فإنه منذ بداية الهجرة الواسعة (سنة 1989) إلى نهاية عام 1991، كان في إسرائيل بين المهاجرين الجدد: 10 آلاف عالم، 87 ألف مهندس، 45 ألف هندسي وتقني، 38 ألف معلم، 21 ألف طبيب، 18 ألف من رجال الفن، 20 ألف أكاديمي في العلوم الاجتماعية.

وإذا أردنا أن نجمل مؤشرات تفوق "إسرائيل" على العرب، نسبة إلى عدد السكان، فسنجد أنها تتفوق بمعدل عشر مرات في الأفراد العلميين، وأكثر من ثلاثين مرة في الإنفاق والبحث والتطوير، وأكثر من خمسين مرة في وصلات الإنترنت، وأكثر من سبعين مرة في النشر العلمي، وقرابة ألف مرة في براءات الاختراع.

إن مواجهة سلبيات البحث العلمي العربي وهجرة الأدمغة والكفاءات العربية، إنما يجب أن تكمن برأي الكاتب، في اعتماد الخطوات التالية:

°°-  تخصيص 2،5 إلى 3  بالمائة من ميزانية كل قطر عربي لصالح البحث العلمي، وتقديم الامتيازات المالية والاجتماعية للعلماء والباحثين كأفراد ومؤسسات.

°°- الاستفادة النسبية من الكفاءات والأطر العلمية المهاجرة، من خلال تنظيم مؤتمرات للمغتربين في الوطن الأم، وطلب مساعدتهم وخبراتهم، وتبادل المشورة معهم بشأن نقل الخبرات العلمية والتقنية، أو بغرض المشاركة المالية والاقتصادية في تنفيذ المشاريع الحيوية.

°°- التعاون العربي لإقامة مشروعات ومراكز أبحاث علمية وجامعية تطبيقية، بغرض تكوين كفاءات عربية خبيرة، للتخفيف من حدة سلبيات هجرة الأدمغة والكفاءات العربية إلى البلدان الغربية، وكذلك لتبادل الخبرات واجتذاب الكفاءات المهاجرة، للإشراف على البحوث وإنشاء المراكز العلمية، وفق الأساليب العلمية المتطورة.

°°- التركيز على توفير المتطلبات والظروف الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والسياسية اللازمة، لخلق بيئة ملائمة لربط العلم وأطره البشرية المؤهلة، بسياسات تنموية شاملة، "تقوم أساسا على الإفادة القصوى من الطاقات والكفاءات العربية، التي ما تزال موجودة بالوطن العربي، ومنحها الفرصة الكاملة للمشاركة الحقيقية في جهود التنمية، كي لا تلحق بالكفاءات العربية التي هاجرت إلى البلدان الغربية"، وتنزع عن نفسها فكرة الهزيمة التي أصبحت وسيلة متعمدة لإخماد حيويتها.

+ بالفصل الرابع ("الخيار النووي، وبناء قاعدة عربية للبحث العلمي والتكنولوجيا") يقول المؤلف: "عندما ننادي بالتعامل مع لغة العصر، الذي اتسعت فيه رقعة الأنظمة النووية الدفاعية، وذلك بالسعي إلى إقامة نظام عربي نووي، لم يكن القصد من ذلك النداء... سوى العمل على إيجاد نظام دفاعي وقائي، يردع أي مغامر من التفكير في استخدام هذا السلاح المدمر ضدنا. أليس من حقنا نحن العرب، أن نكون مثل إسرائيل أو الهند أو باكستان أو لا نكون؟. كيف نسعى نحن الذين لا نملك قوة الردع النووي لتقييد حركتنا بأنفسنا، من خلال الموافقة على معاهدة تعزز أوضاعا مواتية لمن يملك، وتحرم على من لا يملك أن يملك؟".

إن أمننا القومي، يؤكد المؤلف، لا ولن يتحقق إلا عن طريق امتلاك القوة الذاتية الرادعة، أو الردع المتبادل، وذلك من باب الاعتماد على الذات كخيار استراتيجي لا نملك التخلي عنه، لمواجهة إسرائيل التي تمتلك  مخزونا من القنابل النووية، يتراوح بين 150و200 قنبلة انشطارية أصغر حجما وأشد تأثيرا من قنبلتي هيروشيما وناغازاكي.

يقول شيمون بيريز، الأب العملي للمشروع النووي الإسرائيلي: "لقد بنيت ديمونا من أجل الوصول إلى أوسلو"، بما معناه أن إسرائيل تتوفر اليوم على القاعدة العلمية والتكنولوجية،  وأيضا على الخبرات النووية، التي تقدر بحوالي 2000 عالم وخبير ومهندس وفني، في المجالات النووية المختلفة، وهم على اتصال بحوالي 600 معهد علمي ومركز للبحوث النووية في حوالي ثماني دول.

إن في جامعات إسرائيل اليوم، أكثر من 105 آلاف طالب جامعي، ونحو خمسين في المائة من طلاب الدراسات العليا في الفروع العلمية المختلفة، وهي تنفق حوالي 260 مليون دولار سنويا على البحث العلمي، معظمها يأتي من الحكومة، بالإضافة إلى مبلغ 70  مليون دولار، يأتي سنويا من مصادر خارجية، ويصرف على برامج الأبحاث العلمية في الجامعات...

 هذا ناهيك عن وجود نحو 1800 شركة أبحاث وتطوير، بما في ذلك شركات ناشئة جديدة لتصنيع برامج الكومبيوتر، التي تصدر وحدها ما قيمته 20 مليون دولار سنويا. ونجد على الأقل 30 عاملا من أصل كل ألف عامل في إسرائيل، يعملون في قطاع البحث والتطوير، وحوالي 2،3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي المدني، تذهب إلى مجال الأبحاث والتطوير، حيث توجه 60 بالمائة من هذه الأموال، إلى فرع الإلكترونيات الذي يشمل المجالات الآتية: الاتصالات اللاسلكية، ومعلومات الاتصال، والإلكترونيات الطبية، وأجهزة الدفاع، وبرامج الكومبيوتر، وفي السنوات القليلة الماضية أصبحت الإلكترونيات تحتل المرتبة  الأولى في القطاع الصناعي الإسرائيلي.

وبالمقارنة مع الدول الصناعية المتقدمة، بلغت نسبة الإنفاق على البحث والتطوير في القطاع المدني في إسرائيل نحو 2،6 في المائة من إجمالي الناتج الوطني، بينما بلغت النسبة للقطاع ذاته 3.3 في المائة في السويد، و2،7 في المائة في سويسرا واليابان، وهي تتراوح من 2 إلى 2،6 في المائة في كل من فرنسا والدانمارك والولايات المتحدة، وما يراوح بين 0،5 و 1،9 في المائة في بقية الدول المتقدمة. ويبلغ معدل ما تصرفه حكومة إسرائيل على البحث والتطوير المدني في مؤسسات التعليم العالي، ما يوازي 30،6 في المائة من الموازنة الحكومية المخصصة للتعليم العالي بكامله، ويصرف الباقي على التمويل الخاص بالرواتب، والمنشآت، والصيانة، والتجهيزات وما سواها.

وتحتل إسرائيل المركز الثالث في العالم في صناعة التكنولوجيا المتقدمة، بعد وادي السيليكون في كاليفورنيا وبوسطن، والمركز الخامس عشر بين الدول الأولى في العالم المنتجة للأبحاث والاختراعات. أما بالنسبة إلى عدد سكانها قياسا إلى مساحتها، فهي الأولى في العالم على صعيد إنتاج البحوث العلمية. كما يتم تداول أسهم أكثر من 100 شركة إسرائيلية في البورصة التكنولوجية، تجاريها كندا فقط في هذا المجال. وإسرائيل تصدر اليوم من بضائع التكنولوجيا العالية 40 في المائة من إجمالي صادراتها.

إن إلقاء نظرة متأنية إلى ما يجري في قطاع البحث العلمي في إسرائيل، ومراقبة التطور المذهل لصناعة التكنولوجيا العالية هناك، واستغلال إسرائيل للانهيار الذي حدث في الاتحاد السوفييتي السابق، لتعزيز قدراتها العلمية في هذا الميدان، وعملها المتنامي على توسيع أسواق لمنتجاتها، وجذب رؤوس أموال أجنبية، تجعلنا، يقول المؤلف، "نعي أي تحد سوف يحمله لنا القرن المقبل، في حال تحقق السلام مع إسرائيل. فالمواجهة العلمية/الاقتصادية لزمن السلم، ربما قد تكون أصعب  بكثير من المواجهة في زمن الحرب".

ما العمل، من أجل تأسيس قاعدة عربية للبحث العلمي والتكنولوجيا؟ يتساءل الكاتب.

ويجيب بالواضح الصريح: إن العمل كامن في اعتماد التالي:

°°- تنفيذ الاستراتيجية العربية الموحدة في مجال البحث العلمي والتكنولوجيا، من خلال البدء بمشروعات بحثية مشتركة في تخصصات وميادين، تهم الأطراف بصورة شبه عامة، وتحتاج إلى تضافر جهود العلماء والإمكانات الجماعية، مثل مشكلة الموارد المائية والتصحر والأمراض البيئية، وما سوى ذلك.

°°- زيادة حصة الإنفاق على البحث العلمي والتطوير في موازنات الأقطار العربية، بحيث ترتفع نسبتها إلى 2 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي لكل قطر عربي، وعدم إخضاع البحث العلمي والتطوير للخطط التقشفية للأقطار العربية.

°°- الاهتمام بالعلماء والباحثين في الجامعات ومراكز البحوث، وتقديم الحوافز المادية والمعنوية لهم، وعدم إخضاعهم (والمؤسسات البحثية والعلمية) للبيروقراطية، واللوائح التنظيمية الإدارية المتخلفة.

°°- فتح قنوات التفاعل والتنسيق، وتبادل الخبرات بين مراكز البحوث العربية والمراكز المماثلة لها في الدول المتقدمة علميا وتكنولوجيا، والتركيز على الاستفادة من خبرات المجتمعات النامية، التي قفزت إلى مصاف البلدان المصنعة، واقتباس منها ما يناسب بيئتنا الاجتماعية والاقتصادية والعلمية.

إن المطلوب، يقول المؤلف بالمحصلة النهائية، إنما "تغيير هذه العقلية المتخلفة ومفرزاتها، في إطار تغيير مجتمعي بنيوي، قائم على دراسات تنبؤية، ذات طبيعة مستقبلية استراتيجية شاملة، تأخذ بحسبانها التكامل العربي، والاستغلال العقلاني الأمثل لمواردنا العلمية والمالية والطبيعية، والبشرية بوجه خاص".

* "الأبعاد الفكرية والعلمية/التقنية للصراع العربي الصهيوني"، نافذة "قرأت لكم"، 15 يناير 2009.

يمكنكم مشاركة هذا المقال