تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"هل توجد سياسة تلفزية بالمغرب؟"

news-details

أود أن أنبه من البدء أنني لن أتحدث في السينما ولا فيما يمكن أن يسمى سياسة سينمائية وذلك لسببين:

- أولا لأني لم أتعامل مع السينما (لحد الساعة على الأقل) إلا من باب الهواية شأني في ذلك شأن العديد من الهاوين، بالتالي فأنا أجهلها كدارس.

- ثانيا، لن أتحدث في السينما لأن الأخوة طلبوا مني أن أتحدث في التلفزة على الأقل كوني اشتغلت عليها منذ مدة وأصدرت بشأنها بعض الدراسات والأبحاث.

سأحاول إذن أن أجتهد معكم هنا لتدقيق الطرح أو إعادة صياغته عوض أن نزايد على مستوى طرح البديل أو الحل... لأني بصراحة لا أمتلكه ولا أحتكم إلى عناصره.

هل توجد سياسة تلفزية بالمغرب؟

لا أعتقد بأنها توجد كما لا أعتقد بوجودها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعليمي واللغوي والسينمائي وغيرها.

هناك فيما أعتقد سببان أساسيان اثنان يجعلاني أنفي (أو على الأقل أشكك) في وجود سياسة محددة في هذه القطاعات:

- أولا لأن الحديث عن وجود هذه السياسة (بالتلفزة وبغيرها) يتطلب توفر أهداف واضحة، مرسومة، محددة ومبنية على تصور وعلى رؤيا مندمجة ومتكاملة. وهو ما لا يتوفر بهذه القطاعات منذ استقلال المغرب وإلى اليوم.

ليس هناك تصور (ولم يكن يوما) لما نريد أن يكون عليه المجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة والتلفزة وقس على ذلك. هذا أمر أول أساسي: عدم توفر منظومة أهداف مندمجة ومحكومة بتصور ورؤيا.

- السبب الثاني يحيل (إلى جانب الأهداف أو ضمنها) إلى ما أسميه "وسائل سياستك" أو "أدوات سياستك".

هذه الوسائل والأدوات هي عماد هذه السياسة ومترجمها على أرض الواقع: لا سياسة اقتصادية إذا لم تتوفر لها الإمكانات والأدوات. لا سياسة تعليمية إذا لم تتوفر لها الإمكانات والأدوات. لا سياسة ثقافية أو تلفزيونية أو سينمائية إذا لم تكن هناك إمكانات تحقيق هذه السياسة وتجسيدها على أرض الواقع.

لا يمكن الحديث إذن عن سياسة تلفزية في المغرب منذ الاستقلال وإلى اليوم اللهم إلا إذا سلمنا بأن ما أفرزه النظام المخزني طيلة هذه العقود الأربعة هو سياسة تلفزية: لأنه كان مبنيا على تصور وأدوات جعلا من التلفزة جزءا من جهاز (الجهاز المخزني) وجزءا من بنية (البنية المخزنية) لا جهازا قائما.

ونتيجة لغياب هذه السياسة المؤطرة بمشروع تلفزي والمؤطر بدوره بمشروع مجتمعي فإن التلفزة تعيش اليوم أزمة من أربعة أطراف أو أربعة أضلع:

+ هي أولا أزمة هوية. ما هي هوية التلفزة اليوم؟ هل هي جهاز قائم بذاته أم جزء من جهاز؟

هي جزء من جهاز بالتالي فلا هوية لها.

هل هي مرفق عام أم قطاع يشتغل وفق منطق المنافسة والتنافس؟

أنا أعتقد أنها لا هي بهذا ولا هي بذاك، بالتالي أين هويتها؟

هذا أمر مركزي، في تصوري، لأنه لا يمكن بناء سياسة تلفزية لمؤسسة تلفزية لا هوية لها اللهم هوية من يقوم عليها...

+ ثانيا، أزمة التلفزة بالمغرب هي أزمة مشروعية وأزمة مصداقية: فلا مشروعية للتلفزة بالمغرب لأن "المواطن" لا يساهم في تلوين شبكتها البرامجية وذوقه لا يؤخذ بعين الاعتبار في إعداد هذه الشبكة.

بالتالي فهذه الأزمة هي من أزمة تعذر الجواب على السؤال: ما هي الحاجة المجتمعاتية التي يجب تلبيتها في الميدان التلفزي (والإعلامي بوجه عام) والسينمائي دون شك؟

هذه الحاجة هي آخر ما يفكر فيه وربما يفكر على نقيضه.

ثم أن هذه التلفزة لا تمتلك ذرة من المصداقية لأنه لا يعقل أن يكون تعدد في الرأي (على مستوى الواقع) وتمركز لهذا الرأي على مستوى التلفزة (فكر السلطة، فكر الداخلية و" فكر" اللوبيات...الخ). هناك إذن أزمة هوية وأزمة مشروعية ومصداقية.

+ وهناك ثالثا أزمة تسيير...لماذا؟ لأن تسيير مرفق كبير، ذو رهانات كبرى وتحديات ضخمة لا يمكن أن يمنح لأناس يشتغلون وفق الهاجس الأمني أو بالاعتماد على وجوه تزامن تواجدها بالتلفزة وعهود القهر والإقصاء والتهميش.

بالتالي فالتسيير بالتلفزة بالمغرب لا يخضع لمعايير ديموقراطية و لا لمقاييس عقلانية ولا بناء على ما توفر من كفاءات.

+ وهناك أخيرا أزمة تمويل لأنه بقدر ضآلة الإمكانات (وهذا واقع يجب الاعتراف به) بقدر تبذيرها على الإنتاجات التافهة، غير الهادفة والمخربة في بعض منها للأخلاق والقيم.

هذه الأزمة المربعة الأضلاع التي قدمتها هنا باختصار شديد جدا (وهي تتطلب دراسات وأطروحات) هي التي تعيش عليها التلفزة بداية هذا القرن، قرن الاتصال والتواصل والمعرفة كما يقال.

وهي التي تبنى على أساسها البدائل على مستوى الخطاب (مستوى النقد والدراسة) وعلى مستوى الممارسة (ممارسة ما تريد أن تقوم به حكومة ما يسمى تجاوزا "حكومة التناوب") ولكن بطريقة اختزالية وتجزيئية ودون تصور.

هناك فيما أتصور خمسة إشكالات مطروحة بطريقة مغلوطة أو مطروحة دون أن يدري أصحابها تبعاتها وما يمكن أن يترتب عنها:

- الإشكال الأول ويرتبط بما يسمى بتحرير السمعي-البصري.

أنا لا أعترض على تحرير هذا القطاع، لكني أعلم أن هذا التحرير غالبا ما يأتي في إطار سيرورة وليس من فراغ. ونحن لا نتوفر بالمغرب على سيرورة تلفزية. بالتالي فالتحرير المطلوب هو إلى الغاية أقرب منه إلى الوسيلة: نحرر ماذا؟ لماذا نحرر؟ لمن سنحرر؟ هل هناك مشاريع لتجسيد هذا التحرير؟  لست أدري، لكني أطرح السؤال.

- الإشكال الثاني، المطروح بتفاؤل كبير، هو إشكال ما يسمى بالمجلس السمعي-البصري الأعلى أو المجلس الأعلى للإعلام أو غيره من المسميات، كأداة ووسيلة لإقامة "العدل" في الفضاء السمعي-البصري أو الإعلامي بالمغرب.

ماذا نريد من هذا المجلس؟

+ التقنين؟ جهات التقنين متعددة ومسألة التقنين بسيطة عموما.

+ التنظيم؟ تنظيم أي مجال؟ لا يمكن تنظيم مجال فيه فاعلين اثنين . تجب توفر فاعلين كثر حتى تبرر وظيفة التنظيم.

أعتقد أن خلق هذا المجلس أصبح غاية (لدى النقاد وأصحاب القرار أيضا) ولم يعد وسيلة لتنظيم وتقنين وإخراج الفضاء الإعلامي والسمعي-البصري من غبنه وأزماته.

- الإشكال الثالث الوارد بحدة والذي لا أدري محدداته ولا فلسفة الدافعين به: وهو إشكال الخوصصة والتأميم ثم الخوصصة. وهو كما نلاحظ إشكال القناة الثانية التي أفلست لاعتبارات عدة ثم تقرر تأميمها ومن الوارد خوصصتها حينما تصبح " قابلة للخوصصة".

تذبذب من هذا النوع هو من التذبذب إزاء القطاعات الأخرى: ماذا نريد؟ ما هي المقاصد كما يقول علماء المستقبل والشريعة؟ ما هو التصور؟

إشكال الخوصصة والتأميم أصبح ملفا يدعو للدهشة سيما وأن الوزير القائم على الملف فشل في القطاع الخاص قبل استوزاره ولست أدري مصدر تآمره على القطاع العام. بالتالي فإشكال ماذا نريد من الخوصصة ومن القطاع العام ومن المرفق العام هو مطروح في التلفزة وفي غيرها وإشكاله مبهم وغير مفهوم وتحكمه لوبيات لا مصلحة لها في الشفافية.

- الإشكال الرابع ويرتبط بالطابع الترقيعي الذي حكم "خلق قناة فضائية مغربية" انطلاقا من مزيج "أحسن" ما تقدمه القناة الأولى والقناة الثانية. وهو اختيار ترقيعي وغير مبني لأن إقامة قناة فضائية يجب أن ينبني على تصور وعلى شبكة برامجية محددة وعلى طاقم مضبوط لا على "عملية لقيط" لأن العمل التلفزي لا يتماشى وهذا النوع من الاختيارات.

بمعنى أنه لا يمكن أن نقيم قناة فضائية لمجرد توفر الجانب التقني.  المفروض أن تكون هناك سياسة للبث على الأقمار الصناعية تأخذ بعين الاعتبار ما يحتاجه مواطنونا بالخارج أو ما هو من شأنه أن يقدم صورتنا لدى الأجنبي الملتقط لهذه القناة...وهو أمر غير متوفر.

- الإشكال الخامس هو إشكال ما يروج له (نقادا ورسميين) من ضرورة تكريس الإعلام (والتلفزة خصوصا) كسلطة رابعة شأنها في ذلك شأن باقي السلط. وهو الخطاب الذي تمرر له على المستوى السياسي حكومة "التناوب".

الإعلام (والتلفزة بالخصوص) كسلطة رابعة يثير في ذهني ثلاثة إشكالات كبرى لا بالمغرب فحسب بل كذلك كطرح عام:

+ هل سلطة الإعلام (أعني التلفزة) هي سلطة إلى جانب التنفيذي والتشريعي والقضائي، لكل منها وظيفته ودوره وحدوده أيضا؟ إذا كان الأمر كذلك فلا يمكنها أن تراقب السلط الأخرى لأنها تجانبها وظيفيا ولا مهمة رقابية لديها.

+ ثانيا، مادام الصحفيون يخضعون لابتزاز التنفيذي (المرتبط بالتشريعي وبالسياسي)، فهي تخضع للقضائي مادام الصحفيون يساء لون ويمكن أن يدخلوا السجن إذا لم يحترموا خصوصيات الآخرين وحريتهم (هل حرية الإعلام هي من حرية الفرد؟...الخ).

+ ثالثا، إذا كان الإعلام (والتلفزة بالخصوص) هو سلطة مضادة، فيجب أن يتعدى امتثاله لأية سلطة حتى القضائية بل يراقب حتى هذه الأخيرة لأنه يتجاوز كل السلط ولأنه سلطة فوق كل السلط، يفضحها ويعري على مكامن الحيف والزيف بها.

بالتالي، فلا يخضع لرقابة غير رقابة أخلاقيات المهنة، ولا يجب أن يهدف إلا إلى  الحفاظ على ميكانيزمات اشتغال الديموقراطية (بسلطها الثلاث).

الحاصل بالمغرب أن هذه الإشكالات مطروحة لكنها مطروحة بطريقة مغلوطة ولا يمكنها أن تبني لسياسة تلفزية حقيقية، لأن هذه السياسة التلفزية إذا كانت مكوناتها متوفرة فإنها غير مؤطرة بمشروع تلفزي وهذا المشروع التلفزي غير مؤطر بمشروع مجتمعي يحدد  الطريق ويوضح الرؤيا.

بالتالي ففي غياب المشروع...وفي غياب الرؤيا سنبقى ندور إلى ما لا نهاية ليس فقط على مستوى التلفزة أو السينما فحسب بل أيضا على مستوى كوننا كمغاربة فقط نريد العيش في منأى عن الفاقة والفقر والجوع واستلاب الحرية والكرامة.

* "هل هناك سياسة تلفزية بالمغرب؟"، مداخلة بالندوة الوطنية "السياسات السينمائية والسمعية- البصرية بالمغرب"، الجامعة الوطنية للأندية السينمائية والنادي السينمائي بسيدي قاسم، سيدي قاسم، 26 مارس 2000.

يمكنكم مشاركة هذا المقال