تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المجلس الدستوري وصراع "العتبات" بالمغرب

news-details

أصدر المجلس الدستوري بالمغرب، من أيام قلائل مضت، قرارا رفض بموجبه قانونا كان البرلمان قد اعتمده، بعدما تسنى للحكومة إجازته ولمجلس الوزراء إقراره، يشترط ضمن ما يشترط، إلزام الأحزاب السياسية بأن تكون قد حصلت على نسبة 3 بالمائة من الأصوات في الانتخابات التشريعية للعام 2002، حتى تتمكن من تقديم ترشيحاتها لانتخابات صيف العام 2007... واعتبر ذات الشرط "غير مطابق للدستور".

تقول حيثيات قرار المجلس بهذه النقطة: "إن الشرط المطلوب من الأحزاب السياسية بالحصول على 3 بالمائة من الأصوات، بما فيها الأحزاب التي نشأت بعد الانتخابات التشريعية في 2002، يسيء إلى مبدأ المساواة بين الأحزاب"...في حين (تقول ذات الحيثيات) "أن حصول أي حزب على 6 بالمائة على الأقل من الأصوات في 2007، حتى يتمكن مرشحوه من السعي للفوز بمقعد في البرلمان، أمرا مطابقا للدستور".

بهذا القرار القاطع/الجامع والنهائي، تكون أعلى هيئة قضائية بالمغرب قد حسمت إشكالا قانونيا وسياسيا، حول نص لازمته الاعتراضات والاحتجاجات منذ البدء، أي منذ اعتمده مستويا الجهاز التنفيذي (مجلسي الحكومة والوزراء) وزكته "الأغلبية البرلمانية" بالغرفتين، وأضحى قاب قوسين أو أدنى من نشره بالجريدة الرسمية، ليأخذ سبيله للتنفيذ بقوة القانون، وبحكم الأمر الواقع أيضا.

لم يعاتب المجلس الدستوري على القانون المقوض شكلياته الظاهرة ولا نواقص التسويغ الواردة بصفحاته، ولم يذهب لدرجة مؤاخذة الثاوين خلفه سياسيا، بل احتكم إلى منطوق الدستور وحرفيته، والذي يجعل (بفصله الثالث) "نظام الحزب الوحيد نظاما غير شرعي"، ويعترف جهارة للأحزاب، كل الأحزاب صغيرها وكبيرها دونما تمييز أو استثناء، بوظيفة المساهمة "في تنظيم المواطنين وتمثيلهم". ولكي يتسنى لها ذلك، فالمفروض فيها فرادى وتحالفات، التباري على أسس من التعدد والتساوي والتنافس، والاستقلالية في اتخاذ القرار.

يبدو إذن، من قراءة أولية للقرار، قرار المجلس الدستوري، أن هذا الأخير لم يقتنع بدفوعات الحكومة ولا بمسوغات المستوى التشريعي، بأن الغاية من ذات العتبات (وعتبة ال 3 بالمائة تحديدا) إنما الحد، أو الحيلولة دون بلقنة المشهد السياسي المغربي، بأحزاب تخلق في أعقاب الانتخابات وتنطفئ بإسدال الستار عنها، بعدما تكن قد استفادت "ظلما وعدوانا" من مساعدات عمومية، أثبتت التجارب الماضية أنها تحول عن غاياتها جملة وتفصيلا.

ويبدو أيضا أن المجلس إياه، تفهم جوهر تظلمات الأحزاب السياسية الصغيرة أو الحديثة النشأة، سيما تلك التي أحست بالغبن والضيم كونها تحتكم إلى مشروع سياسي تريد التمرير له، والترويج لعناصره بحملة انتخابات صيف العام الحالي، حتى وإن كانت شبه متأكدة من تواضع ما قد تتحصل عليه من أصوات ومقاعد بالمقابل.

بالتالي، فرهانها على إلغاء شرط المشاركة (المقيد بعتبة ال 3 بالمائة الكأداء) كان رهانا حقيقيا وجديا ولم تذكيه قطعا نيران المزايدة السياسية العقيمة، حتى وإن بقي شرط الولوج، المقيد بعتبة ال 6 بالمائة، مصدر رهان قائم... متعذر المنال بأكثر من زاوية.

لم يحتسب ذات المجلس على الأغلبية "نيتها المبيتة" في إقصاء غرمائها بالقانون، أو خشيتها من قدرة الأحزاب إياها (الصغيرة أقصد) على تشتيت الأصوات يمنة ويسرة، لتكون المحصلة موزعة بين فرقاء كثر، قد لا يستسيغ بعضها قواعد اللعبة القائمة، "فيشوش على الكبار"، أو "يفسد عليهم نشوة النصر، وغنيمة الحكم".

كما لم يكترث المجلس بصغر ذات الأحزاب، أو بتدني مستويات تمثيليتها القائمة أو القادمة، ولم يأخذ مأخذ الجد القول بأن بعضها إنما يلج المجال الحزبي بغرض التكسب الآني، أو ابتزاز الخصوم، أو من باب خوض التجربة لأول مرة، بجهة تلمس الصعوبات والإكراهات في أفق الاستعداد للقادم من انتخابات.

بالحالتين معا، يبدو أن المجلس احتكم لجوهر الدستور، فأفتى بتساوي الجميع في الترشيح، وأقر صراحة بأن "الرغبة في عقلنة الحياة السياسية، لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار يضمن التعددية، وحرية المنافسة بين الأحزاب"، صغيرها كما كبيرها على حد سواء.

ليس ثمة من شك كبير في أن تكاثر الأحزاب بالمغرب (أنشئ منها ما يناهز العشرين منذ استحقاقات العام 2002 وإلى حد اليوم) إنما يسهم في بلقنة المشهد السياسي، ويحول عمليا دون قدرة الناخب على التمييز بينها يوم الاقتراع، سيما لو كانت لا تحتكم إلى برامج، أو تستظل بلون سياسي من شأنه تحديد طبيعتها ومرجعيتها وما تنوي القيام به.

وليس ثمة من شك كبير أيضا، أن تواجدها بكثافة إنما يحول دون تكريس مبدأ القطبية السياسية التي دفع به الراحل الحسن الثاني أواخر عمره لضمان تناوب سليم ومنتظم، وعلى أساس من التباري المبني على تنافسية المشاريع والبرامج، لا المرتكز على المال والنفوذ والقرب من السلطة.

إلا أن ذات التحليل، وإن كان صائبا في حال الأحزاب الموسمية، ذات المدى العمري المحسوب، فإنه (التحليل أعني) يجرف بجريرته أحزابا أخرى (سيما الآتية من مشارب يسارية متأصلة) ذات خطاب سياسي رصين، وتصور في المساهمة صادق، ولا تراودها فضلا عن ذلك فكرة الابتزاز المادي أو الرمزي، عندما تطالب بحقها في المشاركة دون إقصاء، أو إعمال لمبدأ العتبات.

بهذه النقطة، أزعم أن البلقنة لم تأت فقط من سلوك سياسي (وقانوني أيضا) فتح في المجال لكل وافد جديد، يقتص له بعضا من المغانم المتاحة وينصرف، بل وأيضا من ممارسات سياسية قتلت الديموقراطية والحق في الاختلاف داخل الأحزاب "الكبرى" نفسها، فأسهمت بالمباشر الحي، في تفريخ أحزاب جديدة يثوي خلفها غاضبون أو غاضبون على الغاضبين أو محتجون على الأولين، مهددون بالانسحاب، في عملية لامتناهية من التوالد السرطاني، بات من المتعذر التحكم في تطور خلاياه، أو ضبط الاستنبات التلقائي للأورام التي يفرزها من كل صوب وحدب.

من هذه الزاوية، فالعلاج، علاج الظاهرة أعلاه، لا يتأتى فقط من القوانين التقنية أو من التشريعات مطرزة الديباجات، بل وأيضا من إبداع طرق جديدة من شأنها اختراق سلوك الفاعلين السياسيين، القدامى منهم كما الجدد، بجهة إشاعة مبدأ أن الانتخابات ليست وليمة أو غنيمة حرب، بقدر ما هي تفويض محدد بالسهر على قضايا الشأن العام.

وإذا لم يكن من صلاحيات المجلس أن يخوض في كذا تفاصيل، فإن المثير للملاحظة حقا عند صدور القرار، إنما تلقفه بترحاب كبير من لدن "طرفي النزاع" معا، كما لو أنه قد تم إنصافهما بالتساوي، وأنه ليس ثمة من جهة خاسرة في "الدعوى" المرفوعة... دعك من الكلام المنافق بأن الديموقراطية هي الرابحة.

قد يتفهم المرء ردة فعل الأحزاب التي رأت في القرار عدلا وإنصافا، لكنه لا يستطيع تفهم "الارتياح" الذي عبرت عنه الأغلبية (أعضاء حكومة ونواب برلمان) في الوقت الذي هي التي خسرت الرهان، رهان أن المجلس لم يماش التوجه السياسي الذي تبنته لفائدة البلاد والعباد.

الأمر هنا واحد من إثنين كما يقال:

+ إما أن السلطة (حكومة ومجلس وزراء) مرتاحة حقا وحقيقة لقرار يعبر، بوجهة نظرها، عن التوجه القائم بجهة بناء دولة الحق والقانون (حتى وإن لم يصطف إلى جانبها بهذه الحالة)، بدليل اشتغال المؤسسات الدستورية الكبرى، و"تجرأ" المجلس الدستوري على تكسير قانون اعتمدته الحكومة، وتبناه البرلمان، وأشر عليه الملك فيما بين المستويين.

+ وإما أن السلطة إياها كانت تدرك أن المجلس لن يتوانى في تكسير القانون إياه (أو يشار إليه بذلك)، فاعتمدته على الرغم من ذلك ليس فقط لإخراج مؤسسة كبرى من سبات طال، بل وكذلك للإيهام بأن ثمة قطعا من المؤسسات ما يفصل في القضايا الجوهرية فصلا لا رجعة فيه، تماما كما هو الشأن بالدول ذات الأعراف الديموقراطية العريقة.

نحن نرجح الفرضية الثانية لاعتبارين اثنين:

°- الأول لأننا على يقين بأن للحكومة (وضمن موظفي البلاط أيضا) خبراء في القانون الدستوري، أدرك جيدا أنهم لا يجهلون تفصيلا كهذا، ولربما أفتوا بلادستورية عتبة ال 3 بالمائة، ولربما استشاروا أعضاء من المجلس الدستوري قبليا وأكدوا لهم ذلك...لكن النية كانت بكل الأحوال، قائمة بجهة أن يتكفل المجلس إياه بذلك، لإعطاء الانطباع مظهرا وشكلا، "بتراتبية المستويات في دولة الحق والقانون التي تتأسس بالمغرب منذ مدة".

°- أما الاعتبار الثاني فمرتبط بالنية الثاوية خلف القانون، للحؤول دون البلقنة وخلق القطبين السياسيين المراهن عليهما منذ مدة (هكذا قيل ويقال).

 لو كانت ذات النية قائمة حقا والتوجه وارد حقيقة، فالمفروض (ولربما المؤكد) أنه كان سيؤشر لأعضاء المجلس الدستوري وإن بالمضمر الخفي، أن يأخذوا ذات التوجه بعين الاعتبار في صياغة القرار...ولا أعتقد أن بمقدورهم الممانعة وهم المعينون في نصفهم من لدن رأس الدولة، وفي النصف الآخر من لدن رئيسي غرفتي البرلمان، ولا أعتقد فضلا عن ذلك، أن السبل في تسويغ قرار مغاير كانت ستعدمهم، بدليل أن القرار الحالي لم يرتكز على نص واضح وصريح.

ليس التلميح هنا منصبا بزاوية أن القرار لم يعتمد من لدن المجلس من تلقاء نفسه، بل وأيضا إلى أنه لو كان ثمة نية بجهة الحد من بلقنة المشهد السياسي لكان اعتمد في ذلك أدوات إضافية أخرى...قانونية بالتأكيد، لكن أيضا سياسية، من طبيعة خشنة أو ناعمة وفق الظروف والسياقات.

يبدو، من تقليب لكل الزوايا إذن، أن السلطة هي الرابح الأكبر من هذا القرار، بمعنى أنها هي المستفيد الأول والأخير من البلقنة إن استنبتت. البلقنة بالنسبة لها أخف الضررين، وإلا فمن يضمن لها تناوبا سلميا وسليما، إن توافرت الأقطاب الكبرى وأضحت قوى ضغط حقيقية ترفع من صبيب مطالبها لإعادة هيكلة قواعد اللعبة؟

لا أحد، فيما نزعم.

* "المجلس الدستوري وصراع العتبات بالمغرب"، التجديد العربي، 5 فبراير 2007، جريدة التجديد، الرباط، 5 فبراير 2007، جريدة المشعل، العدد 105، 8-14 فبراير 2007، موقع شباب المغرب، 10 فبراير 2007، القدس العربي، 14 فبراير 2007. موقع هسبير بريس، 16 فبراير 2007. سايس أخبار، مارس 2007.

يمكنكم مشاركة هذا المقال