تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"ذكرى 11 شتنبر: عود على بدء"

news-details

كلما تقادمت أحداث الحادي عشر من شتنبر للعام 2001، وباتت مادة للذكرى، مجرد الذكرى والسلوان، كلما تدافعت الأسئلة والتساؤلات حول تبعاتها وتداعياتها، والتوظيفات المتأتية على خلفيتها، على المستوى الأمريكي الصرف، كما على مستوى سلوك الولايات المتحدة الأمريكية، الجلي منه كما المبطن سواء بسواء.

والواقع أن ما تعرضت له الولايات المتحدة، أوائل هذا القرن، لم يكن حدثا عاديا بالمرة، ولا من قبيل ما قد تتجاوز عليه القوة الأعظم بالعالم. إنه طاول، ولربما لا يزال يطاول، كبرياء دولة ذهبت، أواسط أربعينات القرن الماضي، لحد ضرب اليابان بالسلاح النووي المباشر، لمجرد تجرؤها على استهداف الأسطول الأمريكي المرابط بالمحيط الهادي، والراسي بأمان بمرفأ بيرل هاربر.

وعلى هذا الأساس، فإن ضرب أفغانستان وإطاحة حكم جماعة طالبان بها، على خلفية إيوائها لزعيم تنظيم القاعدة، وتمنعها في تسليمه للأمريكان، إنما كان ضمن نطاق الرد العفوي الآني، الضروري لكن الغير كافي لرد الاعتبار، وامتصاص منسوب الغضب المرتفع المترتب عن ضربة مانهاتن، والعدد الضخم من ضحايا البرجين، وجزء من البنتاغون، دفع الجيش الأمريكي لأن يدفع بعشرات الصواريخ (كل واحد منها بمليون دولار) بغرض اغتيال شخص واحد، متخف بالأدغال والجبال الشديدة الوعورة.

لم يكن لذات المنسوب أن يخف ويتراجع إلا بإقدام الولايات المتحدة، أحاديا وضدا على رأي مجلس الأمن، على غزو العراق وإسقاط نظام الحكم القائم به، وتنصيب حكومة للاحتلال من بين ظهرانيه، تنشد أمقت الطائفيات، وأبشع صور القتل على الهوية، وينفث أعضاؤها، شخصيات وأحزابا، البغض والثأر بوجه بعضهم البعض، حتى بات العراق قاب قوسين أو أدنى من الحرب الأهلية والتقسيم.

إن الذي ترتب عن أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001، لم يكن إلا ظاهريا، من قبيل ردة فعل الغاضب الذي لم يستطع لجم غضبه بعقلانية، بل كان فعلا مدروسا، مدققا في تفاصيله، محددا في غاياته، واضحا في أسلوبه. لذلك رأيناه بغزوتي أفغانستان والعراق تحديدا، كما لو أنه ترجمة فعلية لاستراتيجية قائمة وثابتة وسابقة على الأحداث، أحداث الحادي عشر من شتنبر، لا بل أن هناك من يزعم أن تفعيل الاستراتيجية الأمريكية كان على قدم وساق بدون هذه الأحداث، أو بظل شبيهات لها أقل دموية، بدليل توفر "مشروع القرن الأمبراطوري الأمريكي الجديد" لدى المحافظين الجدد، منذ العام 1997.

والدليل أن عداء الأمريكان لحركة طالبان وتنظيم القاعدة، كما للنظام الوطني القائم بالعراق في حينه، كان سابقا على ذات الأحداث، والنية في التخلص منهم جميعا كانت قائمة وثابتة، والأداة المحبذة لبلوغ ذلك مرصودة، ولم تعمل ذات الأحداث إلا على إخراجها للوجود، إلى تسريع العمل بها، إلى تقريب آجال ترجمتها على الأرض، إلى تفعيلها وإدخالها حيز التنفيذ أولوية بأولوية.

إن المتأمل في سلوك الأمريكان بعد أحداث شتنبر 2001، وطبيعة الخطاب الخشن الملازم لفعل لا يقل عنه خشونة، إنما يخرج بقناعة مفادها أن كل شيء كان مرتبا لجعل القرن الحادي والعشرين، قرنا أمبراطوريا أمريكيا بامتياز، ولم يكن ينتظر بالتالي، إلا شرارة التدشين:

+ فباسم "الحرب الكونية على الإرهاب"، لم يعد الأمريكان ملزمين أخلاقيا باحترام القانون الدولي للقرن العشرين، أو الانصياع لمساطره وإجراءاته، بل باتوا في حل منه، حيثما تراءى لهم أن ثمة من المخاطر الآنية والتهديدات المستقبلية، ما يهدد مصالحهم، أو يعرض أرواح رعاياهم للخطر، أو يحول دون بقاء حلفائهم بالسلطة بهذه الجهة من العالم أو تلك، حتى وإن كانت شعوبهم تلفظهم، وتتبرأ من ممارساتهم و"تحالفاتهم".

لا ينحصر مفعول "الحرب الاستباقية" هنا (وهي الرافد الأساس للحرب على الإرهاب) لا ينحصر مفعولها على الدول أو الجماعات "المارقة" بالشرق الأوسط، أو بإفريقيا، أو بآسيا أو بأمريكا اللاتينية، بل يتعداه ليطاول المنظومات الفكرية والتربوية والثقافية التي تمتطي ناصية الجهاد، أو ترفع لواء الممانعة والمقاومة، أو تزايد عل النفوذ الأمريكي، أو تندد بالسلوك الأمبراطوري المعتمد في التعامل مع هذه القضية أو تلك.

إن ابتزاز كوريا الشمالية، وتهديد سوريا وإيران، كما التحرش بالسودان، والتلميح إلى تفجير السعودية ومصر من الداخل بأفق تقسيمهما، إنما يدخل بسياق درء شر البعض قبلما يتقوى، واستباق ما قد يقدم عليه "كارهو أمريكا"، فيعيدوا على أساس من هذا الكره، يعيدوا إنتاج فواجع أخرى، قد تتجاوز فاجعة الحادي عشر من شتنبر قوة وتداعيات.

+ وباسم "الأمن القومي"، الواسع المجال والشاسع المضمون، لم يعد الأمريكان يأبهون بحرمة الدول، ولا بحصانة مواطنيها، كما أسس لذلك القانون الدولي للقرن الماضي، بل تجاوزوا على ذلك جملة وتفصيلا، ففتحوا معتقلات لهم (وضمنها معتقل غوانتنامو الذائع الصيت)، زجوا بها من كل الأعمار والألوان والجنسيات، دونما سند قانوني يعتد به، دون محاكمة، لا بل ودونما توجيه صكوك اتهام بحق البعض، قد يكون من شأنها أن تفضي إلى تبرئة من اعتقل على أسس واهية، من قبيل "نيته القيام بكذا"، أو "استعداده للقيام بكذا"، وهكذا.

لم يكتف الأمريكان بذلك، بل تعدوه لدرجة اللجوء للتنصت على العالم، كل العالم، وعلى بعضهم البعض أيضا، وعمدوا إلى تجفيف مصادر "تمويل الإرهاب"، لتطال أبسط الجمعيات العاملة بالمجال الخيري، فعمموا بذلك "سياسة التخويف الشامل"، لتصيب المعمورة برمتها، وتصيبهم هم أيضا أشخاصا ومؤسسات، ويصبح العالم كله إما مع العالم وإما ضد العالم.

لم ينحصر هاجس الأمن القومي على ذلك، بل امتد لدرجة استفزاز روسيا وجس نبضها بالقوقاز، فكانت حربها مع جورجيا، ثم إبرام الأمريكان لاتفاقية مع بولونيا بغرض نشر جزء من الدرع الصاروخي، على أبواب الدب الروسي الناهض من سباته، بعد طول غياب بإقليمه المباشر، كما بمعظم جهات ودول العالم.

ليس ثمة من حاجة لتكرار القول بأن كل ما صدر عن الإدارة الأمريكية، بأعقاب الحادي عشر من شتنبر، إنما يؤشر على نية الأمريكان تحويل القرن الحادي والعشرين إلى قرن أمريكي صرف، لا ينازعهم على زعامته أحد، دولة كان أم تنظيما أم مجموعة أفراد.

هل نجح الأمريكان في ذلك، بالقياس إلى السبع سنوات التي عملوا خلالها على تجسيد استراتيجيتهم، استراتيجية إدراك المصالح الكبرى بالإكراه؟

يبدو أنه من المكابرة حقا، القول ولو مؤقتا، بأنهم فشلوا. إنهم باحتلالهم لأفغانستان وللعراق، قد وضعوا اليد على إحدى المواقع الجيو/ستراتيجية الكبرى بالعالم، وعلى مصادر ضخمة من الطاقة المتواجدة بآسيا، وباتوا بذلك يتحكمون في نقط تزويد الاقتصاديات الصاعدة كالصين، أو العائدة لتوها للمسرح الدولي كروسيا.

إنهم قد أحكموا بذلك الطوق على أكثر من قوة اقتصادية وعسكرية وتجارية، وهذا لا مجال للمزايدة بشأنه كبير. إلا أن ذات النجاح يبقى، مع ذلك، محدودا وغير ثابت، مهددا وعالي الرهان والتكلفة. لا يروم التلميح هنا إلى تعثر تواجدهم بأفغانستان والعراق، وارتفاع تكلفة تواجدهم بمستنقعين، يتزايد من بين ظهرانيهما مد المقاومة يوما عن يوم، بل ويروم أيضا إلى تزايد منسوب الكراهية المرفوع بوجه الأمريكان حيثما حلوا وارتحلوا.

من غير المستبعد، والحالة هاته، أن تكون إحدى سبل تصريف هذا المنسوب ضربات أخرى قد تطاول أمريكا من حيث لا تدري، طبيعة وحجما. حينها، وحينها فقط، سيكون بمقدورنا الجزم بأن سياسة التخويف (أو منطق الحكم بالتخويف) التي أشاعها الأمريكان منذ الحادي عشر من شتنبر، قد بدأت تنقلب عليهم وترتد، ولن تجلب لهم بالمحصلة إلا الخوف المستدام، من الآخر...ومن أنفسهم.

* "ذكرى 11 شتنبر: عود على بدء"، التجديد العربي، 9 شتنبر 2008. شبكة الرافدين، 10 شتنبر 2008. التحالف الوطني العراقي، 11 شتنبر 2008. القدس العربي، 15 شتنبر 2008.

يمكنكم مشاركة هذا المقال