تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السيطرة الصامتة: الرأسمالية العالمية وموت الديموقراطية

نورينا هيرتس، عالم المعرفة (ترجمة. صدقي حطاب)، العدد 336، فبراير 2007، 287 ص.

1- ولدت نورينا هيرتس بلندن في العام 1967، وتلقت تعليمها العالي بجامعات لندن وبنسلفانيا وكمبرج، حيث حصلت على شهادة الدكتوراه من بين ظهراني هذه الأخيرة.

عملت ببعثة للبنك الدولي بروسيا، وقدمت العديد من المشورات للحكومة الروسية فيما يتعلق بمشاريعها في الخوصصة. في العام 2006، عملت بجامعة كمبردج كزميلة، ثم كمديرة مشاركة في مجال إدارة الأعمال والاقتصاد.

من مؤلفاتها: "العلاقات الاقتصادية الروسية في أعقاب الإصلاح" (1997)، و"تهديد المديونية: كيف تدمر الديون العالم النامي؟" (2005)، و "أنا مدين لك: تهديد الدين ولماذا علينا أن نبطله؟" (2005). وتعتبر بهذه الكتب إحدى الخبيرات في اقتصاد العولمة.

2- تقول الكاتبة، في تمهيد هذا الكتاب: "إن الأساطير التي روجت في فترة الحرب الباردة، خوفا من أن يضعف وضعنا قد بدأت تسفه، فالثروة لا تترقرق دائما. فهناك حدود للنمو، والدولة لن تحمينا. إن مجتمعا لا تهديه سوى يد السوق غير المرئية ليس مجتمعا معيبا فحسب، وإنما هو أيضا مجتمع ظالم".

إن ما تسميه المؤلفة ب"السلطة الصامتة" قد بدأ، بنظر الكاتبة، مع "صعود مارغريت تاتشر للسلطة. تلك السيدة الحديدية ذات القبعة والشعر المصفف، التي جاءت بنوع خاص من الرأسمالية، مع رفيقها رونالد ريغان، وضعت قوة غير عادية في أيدي الشركات، وربح السوق ليس على حساب السياسة وحدها، وإنما أيضا على حساب الديموقراطية. وكان هذا ناتجا معمرا، وقد سادت إيديولوجيتها في كثير من دول العالم مع بعض التعديلات المنمقة. لقد أصبحت السياسة في أعقاب الحرب الباردة وبشكل مطرد، بضاعة متجانسة ومنمطة".

إن رجال السياسة لا يزالوا، بتصور الكاتبة، مستمرين في "تقديم حل واحد: وهو نظام قائم على الاقتصاد الحر، والثقافة الاستهلاكية وقوة المال والتجارة الحرة. وهم يجربونها ويبيعونها بألوان متباينة زرقاء أو حمراء أو صفراء، ولكنها تظل نظام الشركة فيه هي الملك، والدولة رعيتها، والمستهلكون هم المواطنون. إنه إلغاء صامت للعقد الاجتماعي".

بالتالي، فإن الشقوق التي سادت خلف الإجماع العقائدي والانتصار المفترض للرأسمالية بدأت تظهر، وإلا فما معنى أن "يتجاهل الشعب صناديق الاقتراع ويخرجون إلى الشوارع أو إلى الأسواق الكبيرة؟ كم هو كبير معنى الديموقراطية، لو أن نصف الشعب فقط ذهبوا للتصويت، كما جرى في انتخابات بوش وغور الأمريكية...ما قيمة التمثيل إذا كان سياسيونا يقفزون الآن إلى قيادة الشركات، بدلا من قيادة مواطنيهم؟".

وتزعم المؤلفة أن عالم اليوم، هو "عالم تتعادل فيه الاستهلاكية بالسياسة الاقتصادية، تسيطر فيه مصالح الشركة، وتنفث فيه الشركات التجارية والصناعية لغتها الخاصة بها على موجات الفضاء، وتخنق الشعوب بحكمها الأمبريالي...لقد حدث تغير في ميزان القوة، ساهمت في إحداثه السياسات الحكومية في الخصخصة، وتحرير التجارة، ورفع القيود والتطور في تقنيات الاتصالات خلال العشرين سنة الماضية".

و"هناك الآن مائة شركة متعددة الجنسيات، هي أضخم الشركات، وتتحكم في نحو 20 بالمائة من الأصول المالية العالمية. وأكبر 51 مؤسسة مالية في العالم هي الآن شركات، مقابل 49 تمتلكها الدول. وتزيد مبيعات شركتي جنرال موتورز وفورد، على إجمالي الناتج المحلي لجميع دول ما وراء الصحراء الإفريقية، وتزيد الأصول المالية لشركات أي.ب.إم وبرتش بتروليوم وجنرال إلكتريك، على القدرات الاقتصادية لمعظم الأمم الصغيرة".

هذا هو عالم السيطرة الصامتة، تقول الكاتبة، "حيث أيدي الحكومات تبدو مقيدة، واعتمادنا على الشركات في ازدياد، والمؤسسات الصناعية والتجارية هي التي تتولى عملية القيادة، والشركات الكبرى هي التي تحدد قواعد اللعبة، وغدت الحكومات هي حكام هذه الألعاب الذين يطبقون قواعد وضعها آخرون، وأصبحت الشركات النقالة ولائم متحركة، وصارت الحكومات تمضي بعيدا في اجتذاب هذه الشركات إلى شواطئها، أو الاحتفاظ بها. وتعمى العيون عن ثغرات الضرائب، ويستخدم مغول التجارة والصناعة أساليب ذكية في التهرب من الضريبة، لإبقاء حصيلتهم المالية خارج البلاد...إنه عالم يركع فيه ممثلونا المنتخبون أمام رجال المال والأعمال، ولا يتورعون عن الرقص لهم، على الرغم من أننا رأينا أمارات تآكل القاعدة الضريبية، في خدماتنا المتهالكة وفي البنى الأساسية".

وتتابع قائلة: "إن الحكومات التي حاربت في الماضي من أجل الأرض، صارت تناضل الآن بشكل عام من أجل مؤشرات السوق، وغدت إحدى وظائف هذه الحكومات الأولى إيجاد بيئة يمكن أن تزدهر فيها الشركات وتجتذبها. وأصبح دور الشعب، إلى حد كبير مجرد توفير البضائع الحكومية والبنى التحتية التي تحتاج إليها هذه الشركات وبأقل تكلفة، وحماية نظام حرية التجارة العالمية". في الآن ذاته، "يلقى جانبا بالعدالة والإنصاف والحقوق والبيئة، وحتى قضايا الأمن الوطني".

ولما بات تكوين الثروة أهم من توزيعها، فإنه من الطبيعي، تقول الكاتبة، أن تتعمق الهوة أكثر بين الفقراء والأغنياء، لتنتصر الرأسمالية، "لكن غنائمها لم تصل إلى الجميع"، بسبب تجاهل الحكومات لمواطن ضعف هذه الرأسمالية، وتزايد عجزها لمعالجة نتائج أنظمتها، بسبب إجراءات السياسة التي أدخلتها.

ليس معنى هذا، تؤكد المؤلفة، أن خطابها موجه ضد الرأسمالية، إذ هي "أفضل نظام لصنع الثروة. وقد عملت التجارة الحرة وأسواق رأس المال المفتوحة على إيجاد نمو اقتصادي غير مسبوق، استفاد منه معظم سكان العالم، إن لم يكن جميعهم...لكنه مصاغ، ليكون "نصيرا للشعب ونصيرا للديموقراطية ونصيرا للعدالة".

إنني، تقول الكاتبة، "أريد أن أمتحن التبرير الأخلاقي لصنف من الرأسمالية، يشجع الحكومات على بيع مواطنيها بثمن بخس. وأريد أن أتحدى شرعية تخسر الأغلبية فيها وتربح الأقلية، وأن أظهر كيف أن السيطرة تعرض الديموقراطية للخطر، وأن أجادل في أن هناك تناقضا أساسيا في صميم الرأسمالية الحرة، وأن في تحول الدولة إلى أدنى صورها ووضع الشركات الكبرى في الصدارة، تعريضا لشرعية الدولة للخطر"، على اعتبار أن دولة السياسة أصبحت دولة الشركات، وأن الدولة تجازف "بتحطيم العقد الضمني بين الدولة والمواطن. هذا العقد الذي يقع في صميم المجتمع الديموقراطي"، قد بات في خطر لأن السياسة أصبحت ساحة تزداد عبثيتها واتجاهها نحو تحقيق المصلحة الخاصة.

وتخلص الكاتبة في تمهيدها، إلى "أن تآكل الحكومة والسياسة المطرد، خطر على الجميع بغض النظر عن المعتقدات السياسية. إن عالما فيه رئيس أمريكي يصدر القانون تلو القانون المحابي لمصالح الشركات الكبرى، ولروبيرت مردوخ سلطان أقوى من سلطان توني بلير، وتضع الشركات الكبرى فيه الأجندة السياسية، إنما هو عالم مخيف وغير ديموقراطي".

إن السيطرة الصامتة تزحف، وهي أمر مقلق للغاية تستوجب أن نعمل شيئا لمواجهة سلطانها.

3- يضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من الفصول، يتعرض كل منها للعديد من الأفكار (سنحصرها هنا في سبعة أفكار)، تدور في مجملها حول ما تسميه الكاتبة ب"السلطة الصامتة":

+ الفكرة الأولى ومفادها، بوجهة نظر المؤلفة، أن السيطرة الصامتة بدأت حقا وحقيقة عندما صعدت تاتشر وريغان للسلطة، وتبنيهما المطلق للسوق الحرة، ومعاداتهما لمفهوم الدولة المتدخلة، التي سادت منذ ثلاثينات القرن الماضي (بتنظير من ماينار كينز)، وإيمانهما برجال اقتصاد جدد من قبيل ملتون فريدمان وجون حاييك، لم يكن يجادلا في أن "الأسواق يمكن أن تفشل، بل وفشلت. إنما آمنا بأن السوق الحرة قادرة بشكل أفضل من الدولة على توزيع البضائع والخدمات، وأن محاولات الحكومة لمحاربة إخفاقات السوق تؤذي أكثر مما تفيد"، لا بل تولد البلادة والتواكل.

بالتالي، فقد تغيرت الأولويات. لم يعد دور الدولة إعادة توزيع الثروة، وتحددت معايير الفقر بالحاجة المطلقة وأضحى الجشع شيئا حسنا، وظهرت مقولة "الانسياب الخفيف"، التي بمقتضاها أن الأغنياء "إذا منحوا حوافز مثل الضرائب المخفضة، فإنهم بدورهم سيجدون حوافز للعمل كمقاولين، وهكذا سيعملون على ازدهار النمو وخلق الوظائف، أو إذا حولت صناعات الخدمة العامة إلى القطاع الخاص، فإنها ستسير بشكل أجود وستوفر وظائف أكثر لأناس، ستبدأ أعدادهم في التناقص من سجلات المعونة الاجتماعية".

وهي المقولة (مقولة الانسياب الخفيف) التي سرعان ما انتشرت بالعالم كالنار في الهشيم بالدول المتقدمة، كما بالعديد من دول أمريكا اللاتينية، وآسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية، وأصبحت الرأسمالية هي الإيديولوجيا المهيمنة في العالم. هذه الأخيرة لم تعد، بعد انتهاء الحرب الباردة، قادرة على مقاومة نظام رأسمالي دولي، تنامت ثروته كثيرا عبر العقدين الماضيين.

مقابل ذلك، بدأت دول العالم الأول تسحب معوناتها التقليدية، التي كانت أداة تنمية لتتعادل، هذه المساعدات مع الاستثمار الأجنبي المباشر بالعام 1992، وليتجاوزها بالعام 1997، حيث كان مستوى الاستثمار الأجنبي المباشر 160 مليار دولار، في حين لم يتعد نصيب المساعدات ال 40 مليار، بسبب أساس: هو أن الدافع السياسي والإيديولوجي الذي كان خلف هذه المساعدات، لم يعد حاضرا بانتهاء الحرب بين المعسكرين، لا بل حتى الديموقراطيون "الجدد" (من أمثال بلير وكلنتون) بدأوا يؤكدون على مركزية التجارة والصناعة والاستثمار والتنافس والتجارة الحرة، بدل الاهتمام كما كان بالسابق بالعدالة الاجتماعية، على الرغم من أن هذا النموذج لم يتقاطع كثيرا مع ما كان سائدا بأوروبا، من أنظمة حماية، ورعاية اجتماعية وغيرها (جوسبان مثلا كان يفضل الحديث عن اقتصاد سوق لا عن مجتمع سوق).

وعلى الرغم من بعض الترددات هنا وهناك، تقول المؤلفة، فإن الأفكار سرعان ما بدأت تتلاقى، والعالم ينكمش والدولة تتراجع والسوق يحل محلها، ليس فقط بسبب ظهور منتوجات مالية وتجارية جديدة، ولكن أيضا بسبب الثورة التكنولوجية في المعلومات، التي خفضت تكاليف النقل والتواصل، وفسحت في المجال للرساميل كي تنتقل "بسرعة الصاروخ، من قبيل مستثمري مؤسسات وصناديق التوفير والجمعيات التعاونية" وغيرها.

أما الشركات، فلم تعد تفكر في "حل سلاسل إنتاجها ووضع الحلقات في العالم كله حيثما كان ذلك مجزيا، هي تصمم منتوجاتها في مكان، وتدخل في تحالفات إنتاجية في مكان آخر. تشتري عناصر المنتج من مكان ما، وتقوم بتصنيعها في مكان آخر. تشتري المدخلات وتأتي برأس المال وبالمواد الخام وحتى بالعمالة، من أي مكان تكون فيه تكاليف الإنتاج أقل، والإعفاءات أكثر والحصول على المواد الخام أو المهارات أرخص، والتسويق في مكان آخر".

كانت نتيجة كل ذلك مرضية إلى حد ما، تقول الكاتبة. إذ ارتفع ببريطانيا مثلا، عدد من صاروا يملكون بيوتا إلى الثلثين، بينما لم يكن ذلك  يتعدى نصف السكان، قبل وصول تاتشر إلى السلطة. وازدادت مبيعات التلفاز والثلاجات والسيارات وغيرها. كما وصلت البطالة أدنى مستوياتها منذ بداية الثمانينات، وتراجع التضخم عما كان عليه بالسبعينات، وبدأ العديد من البريطانيين يقضون عطلهم دون إكراه كبير...وهكذا.

وبناء عليه تقول الكاتبة، ف"يبدو أن حرية عمل الرأسمالية قد انتصرت. ولعل تسليم الاقتصاد للسوق كان هو الخيار الصحيح. ويبدو أن كل هذا يبدو عظيما عند أول نظرة. ولكن كما يقولون، ليس هناك شيء بلا ثمن".

+ الفكرة الثانية وتتمثل بنظر الكاتبة، في أن "الليبرالية الجديدة...لم تعط لكل واحد منا النتائج التي وعدنا بها، والتي توقعناها أو رغبنا فيها. والمعايير التقليدية للتنمية الاقتصادية مثل إجمالي الناتج المحلي بالنسبة إلى الفرد أو معدل نمو إجمالي الناتج المحلي، تعتم على الحقيقة".

فالتحول الذي طرأ على السياسة باتجاه الليبرالية الجديدة، "كان يفترض فيه كما قال أنصاره، التقاء مستويات الأمم الأغنى والأمم الأفقر. ولكن هذا لم يحدث قط. إذ ترى غالبية الاقتصاديات النامية والانتقالية، أن فجوات الدخل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، هي اليوم أوسع مما كانت عليه من قبل".

وبالدول (كالشيلي مثلا) التي اعتمدت الليبرالية الجديدة في أعلى صورها، فإن المال الذي تم كسبه، لم يوزع على الشعب، ولم تستفد من المكتسبات إلا فئة قليلة، بل إن العديد من الدول عمدت إلى تحديد التنظيم، أو إلغائه وتخفيض الأجور، والاقتطاع من الرعاية الاجتماعية، والسماح "بصمت للشركات الكبرى لإحداث تغييرات اجتماعية ضخمة"، فيما تم إسكات المنظمات "المشاغبة"، وحلت الاتحادات العمالية، أو اغتيل قادتها، أو دفع بهم (كما في الصين) إلى معسكرات العمل القاسية.

لم تستفد الشركات الكبرى فحسب من هذه الإجراءات، بل وأيضا "الحكومات المضيفة والموظفين الفاسدين، وممن أسعدهم الحظ بالعمل مع شركات أجنبية"، تعمل في محيط من التخلف الاقتصادي وغياب المؤسسات الديموقراطية.

وبالغرب ذاته، تزايدت الفوارق بين الفقراء والأغنياء، حيث أن "97 بالمائة من الزيادة في الدخل، ذهبت لأغنى 20 بالمائة من العائلات، خلال العشرين سنة الأخيرة". وكان نصيب الفقراء ببريطانيا  قطعة صغيرة من الكعكة، وارتفع عدد الأسر، التي هي تحت خط الفقر، بمعدل 60 بالمائة في الثمانينات، وتراجعت مكانة العمال غير المهرة، كونهم لا يشتغلون كجماعة، سيما في الصناعات المتقدمة التي تدار من لدن عمال عاليي التكوين.

ولما كانت الشركات المتعددة الجنسيات "تدرك مقدار القوة التي في يدها، فإنها تلعب بالدول وبالساسة في محاربة بعضهم بعضا، مستفيدة من ذلك بتحصيل شروط أفضل وأيسر...وتقرر بنفسها أين تستثمر وتنتج، وأين تدفع الضرائب...وتترك محاولة إيقاف التدفق لرجال السياسة بتقديم المغريات لهذه الشركات، للإبقاء على مصانعها للتقليل من التكلفة السياسية والاجتماعية لإغلاق هذه المصانع، ولكن دون أي ضمانات بعيدة المدى بعدم نقل هذه الشركات في النهاية. وتبدو الحكومة الوطنية عاجزة وبشكل متزايد، أمام الشركات العملاقة التي تجاوزت الحدود الوطنية منذ زمن بعيد"، والتي لا تجد غضاضة في نقل استثماراتها إلى مكان آخر، إذا لم ترضها سياسة هذه الدولة أو تلك.

إن أنظمة الضرائب يتعرض للتخريب تقول الكاتبة، مما سيكون من شأنه عدم قدرة الحكومات على تلبية مطالب مواطنيها من الخدمات العامة، اللهم إلا إذا عمدت الحكومات إياها إلى زيادة العبء الملقى على عاتق الأفراد لتعويض النقص. لا بل إن الحكومات مطالبة فضلا عن ذلك، بتوفير الرعاية الاجتماعية للقطاع الخاص، حيث تبلغ المساعدات للتجارة والصناعة بأمريكا مثلا، إلى ما يناهز ال 75 مليار دولار.

وتخلص المؤلفة، بهذا الجانب، إلى أن الأسلوب الأنجلو-أمريكي للرأسمالية نظام إيجابي للأغنياء، كونه يضع الربح فوق كل شيء. لكنه يرهن الحكومات ومنظومتها برمتها، ويعميها عن مناقشة حدود هذا النظام، مخافة أن يثير ذلك الشركات الكبرى والأغنياء.

+ الفكرة الثالثة، وتتحدث فيها الكاتبة عن منظومة التجسس التي ترتبت عن إنشاء نظام إيشلون، التي تشترك فيه الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزلندا وبريطانيا، وكانت بالأصل مخصصة للتجسس على المنظومة السوفياتية.

هذا النظام، بعد انتهاء الحرب الباردة، لم يعد يستخدم "للتجسس السياسي والعسكري ضد الديكتاتوريات التي هددت العالم الحر، وإنما صار يستخدم لمراقبة النشاطات التجارية اليومية، لشركات تنتمي إلى بعض حلفاء أمريكا وبريطانيا الخلص"، كونه بات بمقدوره "التقاط كل كلمة تنقل عبر الهاتف أو الفاكس أو البريد الألكتروني عن طريق الأقمار الصناعية، في أي مكان في العالم". وهذا أمر مفزع، تقول المؤلفة، سيما وأنه موجه أيضا للتجسس على الأفراد والجماعات.

وقد أكدت العديد من التقارير، أن ثمة حالات تم توظيف النظام فيها للتجسس على صفقات أوروبية (مع دول بآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها) انتهت لفائدة شركات أمريكية أو بريطانية، في كليتها أو في جزء منها.

وتؤكد الكاتبة أن الحكومات بدأت تتجسس لفائدة شركاتها، على اعتبار أنه في "عصر حرية عمل الرأسمالية الدولية، صارت الاهتمامات التجارية والاقتصادية تحل محل جميع الاهتمامات الوطنية الأخرى...لقد أصبح علم الاقتصاد هو السياسة الجديدة، وصارت التجارة هي المسيطرة. وأعادت الحكومات تحديد دورها من دور المشرع إلى دور الحكم، ومن دور الحارس إلى دور نصير الشركة".

إن الحكومات، تقول المؤلفة، باتت تقيم التجارة وحقوق الإنسان (والعقوبات أيضا) وفق منطق اقتصادي خالص، بدلا من أن تقيمها على أسس أخلاقية، فتتنكر بالتالي لأماني الكثيرين من مواطنيها، وما سواهم من مواطني العالم.

من البديهي، تؤكد الكاتبة، أن تنزل الديموقراطية إلى أدنى المراتب أمام المصالح التجارية، لدرجة باتت الديموقراطية خلف الرأسمالية على الرغم من الزعم بالعكس. ولم يعد القادة الأمريكيون يتبنون مقولة إنهم يبنون سياستهم الخارجية من أجل نشر الديموقراطية، بل لإقامة "نظام عالمي يقوم على احتياجات رأي المال الخاص، بما في ذلك الملكية الخاصة، والانفتاح على الأسواق".

بالتالي، فعندما تتحدث الولايات المتحدة عن نشر الديموقراطية، فإنها تقصد نشر ما يروق لها من الديموقراطية الليبرالية، أي الديموقراطية التي تستبعد المشاركة الجماهيرية والمجتمع المدني النشيط، والانتخابات المنتظمة...إن "الأمريكيين يصنعون السياسة من المال"، تؤكد المؤلفة، والسيادة الوطنية التي يتحدثون عنها ليست من "أجل مصلحة عالمية  أكبر، وإنما من أجل مصلحة خاصة جدا، هي مصلحة الشركات المتعددة الجنسيات".

وعلى هذا الأساس، فإن حضور الشركات الكبرى للمؤتمرات الدولية (في إطار ملتقيات دافوس، أو اجتماعات المنظمة التجارية العالمية، أو مؤسستي بروتن وودز وغيرها)، إنما الغاية منه لقاء رؤساء الدول والوفود لتمرير مشاريعها ومقترحاتها، سواء كان هؤلاء القادة من اليمين أو من اليسار، والذين أضحوا "كالذباب الذي وقع في شبكة السوق المعقدة".

+ الفكرة الرابعة، وتزعم المؤلفة فيها أنه في عالم السيطرة الصامتة، بات المواطنون يشعرون بأن "حكوماتهم ما عادت تلتفت إليهم. ولذا فإن كثيرين منهم يتولون وبشكل مطرد أمورهم بأنفسهم، عبر التكاتف والتهديد بالمقاطعة (مقاطعة شركات الغذاء المعدل وراثيا مثلا) والدعاية السلبية ضد الشركات، ليس فقط لدفعها إلى تغيير طرق عملها، بل وأيضا لإصلاح النظام برمته.

بالمقابل، لم يعد المواطنون يراهنون على السياسيين، لأن حكوماتهم "في حالة ضعف أمام هيمنة متعددة الجنسيات، وصاروا يشعرون بأن الدولة القومية لم تعد مركز السلطة في العالم، وأصبحوا يرون أن السياسيين ما غدوا يسيرون التجارة والأعمال التجارية، وإنما أمست التجارة هي التي تبين لهم ما يمكن أن يفعلوا".

بالتالي، وفي عالم السيطرة الصامتة "الذي أصبح العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب يزداد خلوا من المعنى، غدا الضغط الشعبي يحدث أثرا لا تقدر الحكومات على أن تأتي بمثله، أو هي غير راغبة في أن تفعل ذلك".

والضغط الشعبي، الذي تتحدث عنه الكاتبة، لا يقتصر على الحملات المركزة على الحكومات، بل بدأ يقتني وسائل الإعلام البديلة "في محاولة لتشكيل العواطف الجماهيرية، ومن ثم فرض المساءلة على الشركات"، في الوقت الذي تنحى السياسيون، ليفسحوا في المجال للحركات الاحتجاجية الجديدة.

+ بالفكرة الخامسة، وتتحدث المؤلفة عن دور أمبراطوريات الإعلام في تكريس توجه الليبيرالية الجديدة، وتوضح كيف أن روبرت مردوخ مثلا يوظف المعلومات لخدمة مصالحه التجارية. وكيف أنه أغمض عينيه على ممارسات الحكومة الصينية مثلا، فيما يخص مجال حقوق الإنسان ليظفر بصفقات معها.

وبصرف النظر عن مردوخ، فإن "قلة قليلة لا تتجاوز العشر من وسائل الإعلام العالمية تمارس الآن قوة هائلة"، وتعمل مع الشركات الكبرى الأخرى على تمويل العديد من برامج البحث العلمي والأكاديمي، التي تهمها أو تكون ضمن مجال اشتغالها...وهو ما يؤدي وفق المؤلفة، إلى التشكيك في نزاهة الباحثين، بدليل مثلا أن ثلاث شخصيات رئيسية في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، كانت مسؤولة عن اعتماد هرمون النمو البقري، لها علاقات مع شركة مونسونتو. بل إن واحدا منهم، كان باحثا علميا سابقا في شركة مونسانتو، وقد اشتغل بإجراء أبحاث على هرمون النمو البقري إبان عمله في الشركة.

إن ثمة أزمة ثقة حقيقية في العديد من مؤسسات البحث والتطوير، وقد أسهم في فضح هذه السلوكات انتشار وسائل الإعلام البديلة، من قبيل الإنترنيت، التي أتاحت سبل واسعة، ليس فقط للحصول على المعلومات، بل وكذلك في تجاوز وسائل الإعلام التقليدية، التي هي بملك أباطرة الإعلام. إذ بإمكان المستهلكين مثلا، أن يمارسوا الضغوطات على الشركات عبر الوسائل السياسية، التي تتمظهر من خلال وسائل الاتصال الجديدة. لكنهم مع ذلك بحاجة إلى الموارد التي تضمنها لهم المؤسسات الديموقراطية.

وتخلص الكاتبة، بهذه النقطة، إلى أن السلطة الصامتة لا تطاول الحكم لوحده، ولا زهد الحكومات في ضبط سلطان الشركات الكبرى، بل وتحيل على عجز الحكومات إياها على تقديم ما يحتاجه المستهلكون.

+ الفكرة السادسة وتعاود المؤلفة من خلالها، التأكيد على أن الاقتصاد قد أصبح السياسة الجديدة، وأن الاتجاه هو أن يتولى مقدمو المال أدوار السياسيين التقليدية. إن فئة رؤساء الشركات في طريقها "إلى أن تصبح طبقة من السياسيين غير المنتخبين، والسفراء والمحامين، الذين يحشدون الدعم الشعبي ويتحدون سياسة الحكومة، ويقدمون المال لمؤسسات متعددة القومية، ويقومون بدور الدبلوماسيين غير الرسميين، ويستخدمون قوتهم وأموالهم وتأثيرهم لإحداث تغيير سياسي واجتماعي، بدرجة لم يسبق لها مثيل".

وعلى هذا الأساس، ففي الوقت "الذي يهمل فيه السياسيون مسؤولياتهم الاجتماعية والبيئية، ويدعون إلى ممارسة ضغوط، أو تقييد للعولمة والمصالح الاقتصادية، تتسلم الشركات وبشكل متزايد هذا التفويض في معالجة قضايا العالم العالمية مباشرة".

والحقيقة، تقول الكاتبة، فإن "رجال الأعمال هم في كثير من الأحيان، أقدر على أن يفعلوا أكثر من الحكومات. فهم لا تقيدهم البيروقراطية، وفي استطاعتهم تجاوز المراسم واتخاذ القرارات منفردين، وتأثيرهم مباشر. إنهم قادرون على تخطي الحدود القومية، وتجاهل انتقاد المنظمات الدولية".

+ بالفكرة السابعة، تركز الكاتبة على ما تسميه "استرجاع الدولة"، من خلال تأطير عملية الاحتجاج، التي بدأت تطاول سلوك الشركات العالمية الكبرى، وارتهانها للسلطة السياسية التي كانت إلى حين عهد قريب في منأى عن نفوذها المباشر.

إن الحركات الاحتجاجية، على الرغم من اختلاف توجهاتها وتباين شعاراتها، لم تعد تثق في الوعود والتعهدات، بل تفضل التمسك بما هو تقليدي ضمن الليبرالية الجديدة، التي علمتهم أن الدولة لا تستطيع أن تحل مشاكلهم، وريبة كبيرة في الحكومة".

وتؤكد المؤلفة على أن "قلة حضور الناخبين للتصويت، وهبوط معدلات الثقة، وازدياد الفساد المكشوف، كل هذه أسهمت في انتشار إحساس بأن السياسة لا أهمية لها...ويؤمن هؤلاء المحتجون أن تجريب مبدأ ما هو صالح للتجارة والأعمال صالح لنا ولمجتمعاتنا، فيه مغامرة كبيرة تشمل الطعام الذي نأكله، والبيئة، والعملية الديموقراطية".

بالتالي، ف"إن حركة الاحتجاج تعطي صوتا للناس الذين حرموا من حق انتخاب حكوماتهم، كما تعطيه للناس الذين لم يعودوا يشعرون بأن ممثليهم يعملون نيابة عنهم". إنها تعمل كقوة موازية للسيطرة الصامتة.

لكن السؤال القائم بنظر الكاتبة إنما هو التالي: هل يستطيع الاحتجاج أن يضغط على الحكومات ويجعلها تضع مصالح الشعب أولا؟ هل يستطيع أن يجبر السياسيين على العودة إلى الديموقراطية الحقة، وأن يوفر حافزا لهم للتفكير في حوار حقيقي بين الأحزاب، وفي سياسة ستحشد الناخبين؟

وتجيب قائلة: "يوحي التاريخ بأن هذا ممكن...إذ تحتاج كل من الحكومات الديموقراطية والشركات الكبيرة، إلى تأييد ضخم لتستمر في الحياة. ويعطي هذا قوة ضخمة للشعب لفرض شروطه للتعاون".

 إن الوصول إلى عالم أفضل، تؤكد المؤلفة بالمحصلة، " شيء ممكن، عالم مساواة أكثر وعدالة أوفر وديموقراطية حقة أكبر". أما إذا بقينا "عالما يقترف مثل هذا التنافر في السلطة، وإذا استمر عدم المساواة في الزيادة بالمعدل الذي رأيناه خلال السنوات العشرين الماضية، ومأسسة الاحتجاج والسخط، ومعها اختفاء الديموقراطية نفسها، حتى عند تلك الأمم التي تفاخر بأنها ديموقراطية، وإذا لم تستعد الدولة الشعب، فإن الشعب لن يستعيد الدولة، وإذا لم توزع منافع العولمة على نطاق أوسع، فإن الشعب سيظل يثور ضد العولمة".

نافذة "قرأت لكم"، 29 مارس 2007.

يمكنكم مشاركة هذا المقال