وليد نمر دقة، الدار العربية للعلوم، مركز الجزيرة للدراسات، 87 ص، 2010.
1- هذا الكتاب صاغه مؤلفه من داخل سجن جلبوع بإسرائيل، حيث عاش لأكثر من ربع قرن من الزمن كمعتقل أحس منذ اليوم الأول من سجنه بأنه ليس جسد الأسير هو المستهدف، بل روحه وعقله. إن السياسات الإسرائيلية، يقول الكاتب، إنما "باتت تستهدف التدخل في تفكير الأفراد في عملية مسخ دماغي زاحف ومتدرج وممنهج، محاولة هندسة الجماعة السياسية للتدخل في العمليات الاجتماعية، والسيطرة عليها وعلى نتائجها".
إن الأسير الفلسطيني في السجون الإسرائيلية، يتابع الكاتب، إنما "يشعر بحالة من العجز، نابعة من صعوبة توصيف حالة القمع التي يعيشها منذ بداية الانتفاضة الحالية. فقد أصبح القمع والتعذيب مركبا حداثويا يتماشى مع خطاب حقوق الإنسان، إذ يحتاج هذا الأخير ومؤسساته إلى جهد خاص لإثبات بعض الخروقات التي تقدم غالبا، من القضاء والإعلام الإسرائيلي، على أنها استثناء في قاعدة الالتزام بحقوق الإنسان والأسرى. فيصبح الكشف تغطية، والشفافية تعتيما والحقائق إخفاء للحقيقة".
والقمع الحداثوي، برأي المؤلف، إنما هو القمع المخفي والمقدم على أنه استجابة لحقوق الإنسان. "هو قمع لا صورة له، ولا يمكن تحديده بمشهد. إنه مجموعة من مئات الإجراءات الصغيرة والمنفردة، وآلاف التفاصيل التي لا يمكن أن تدل مفردة على أدوات للتعذيب، إلا إذا تم إدراك الإطار الكلي والمنطق الذي يقف وراء هذه المنظومة".
من هنا، يرى المؤلف بأن القمع والتعذيب في السجون الإسرائيلية، لا يشبهان حالات القمع التي تصفها أدبيات السجون في العالم، "فلا حرمان فعليا من الطعام والدواء، ولا محرومون من الشمس ومدفونون تحت الأرض، ولا يكبل الأسرى كما في الروايات بسلاسل مشدودة لكتل حديدية طوال النهار. فلم يعد الأسير الفلسطيني في عصر ما بعد الحداثة هو المستهدف مباشرة، وإنما المستهدف هو الروح والعقل. والأسير الفلسطيني اليوم لا يواجه ما كان يواجهه المساجين في السجون الفاشية أو النازية، والوضع في السجون الإسرائيلية كذلك مختلف عن الوضع في سجن أبو زعبل أو سجن أبو غريب أو سجن غوانتانامو من حيث شروط الحياة. ففي كل هذه السجون يمكن معرفة المعذب وشكل التعذيب وأدواته المستخدمة. أما في السجون الإسرائيلية فثمة مواجهة تعذيب أشد وطأة بحضارته، يحول الحواس والعقل إلى أدوات تعذيب يومية، يأتي هادئا متسللا، ويعيش مع الأسير رفيق الزنزانة والزمن والباحة الشمسية والوفرة المادية النسبية".
ويؤكد المؤلف أن حالة فقدان القدرة على تفسير الواقع والإحساس بالعجز وفقدان الحيلة لا تقتصر على السجون، ولا هي من نصيب الأسرى لوحدهم، "وإنما هي حالة فلسطينية عامة، حيث تتطابق ظروف المواطنين في معازل جغرافية منفردة، كما الأسرى في أقسام وعنابر لا صلة بينها إلا بإرادة السجان، وإنما ثمة تشابه جوهري يتصل بالهدف الذي يريد سجانهم تحقيقه في كلا الحالتين. وهذا الهدف هو إعادة صياغة البشر وفق رؤية إسرائيلية عبر صهر وعيهم، لا سيما وعي النخبة المقاومة في السجون".
ويلاحظ الكاتب أن الشبه بين السجن الصغير والسجن الكبير لا ينتهي عند هذا الحد، بل ثمة "تشابه في القراءة الخاطئة، والمعالجات التقليدية العاجزة عن النهوض بالقضية الفلسطينية كما هو النهوض بقضية الأسرى. فالنماذج الحاضرة في أدبيات القوى السياسية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، أو قراءة سياساته، ما زالت نمطية تستمد شكلا ومضمونا من أدبيات التحرر وتجاربها التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وتشكلت في ظل الحرب الباردة، وفي مرحلة حضارية مختلفة عما نواجهه اليوم. فكما أن أدب السجون لا يعكس واقعها اليوم، فإن الأدبيات السياسية وفرضياتها عاجزة عن معالجة الواقع السياسي".
إن المحتل برأي المؤلف،يستمد أفكاره ونظرياته وأدواته القمعية من واقع حضاري ما بعد حداثوي، أما القوى السياسية الفلسطينية فتبدو "عاجزة عن تشخيص واقعها، وتقديم تفسيرات وحلول قادرة على استنهاض الجماهير، أو على الأقل منحها الإحساس باليقين، حتى وإن جاء هذا اليقين على شكل تفسير لكوارثها. فالأدوات والمفاهيم الفلسطينية عن الواقع غدت بحد ذاتها أدوات للقمع والتعذيب. وهي تقود على رغم التضحيات المتتالية إلى طريق مسدود. فتصبح حال الفلسطينيين كمن يواجه حربا نووية بسيف، فتصبح المسافة بيننا وبين أدوات تغييرنا للواقع والواقع ذاته شاسعة، بحجم المسافة بين التاريخ والمستقبل".
2- إن العنصرية التي يمارسها المحتل برأي الكاتب، هي أداة لتحقيق الهدف الأساسي الذي هو إعادة صهر الوعي الفلسطيني بما يتسق ومشروع الدولة العبرية. والعنصرية الإسرائيلية في هذا السياق، "ليست عنصرية إسرائيلية منفلتة وغير عاقلة كالعنصرية التي يمثلها المستوطنون، وإنما عنصرية منظمة، تقف وراءها كامل المؤسسة الإسرائيلية بمنطقها وتبريرها القانوني والأخلاقي. فقد أدركت إسرائيل أن المشكلة الحقيقية ليست مع القيادة الرسمية والمفاوض الفلسطيني، وإنما مع الشعب الفلسطيني الذي يرفض سقف الرؤية الإسرائيلية للحل، ويبدي استعدادا للمقاومة، بما يجعل رافد الفصائل المقاومة من المقاومين لا ينضب، ويحول أي تسوية مع المفاوض الفلسطيني خطوة مستحيلة التطبيق".
من جهة أخرى، يلاحظ الكاتب بأن الأسير/الجسد لم يعد هو المستهدف، ولا تعذيبه بالحرمان المادي والتجويع، وإنما الروح والعقل هما المستهدفان، والوفرة المادية هي إحدى وسائل التعذيب الحديث. بالتالي، "فقد بات من الضروري إعادة تعريف التعذيب والقهر والقمع والاضطهاد، وكشف تفاصيله الحداثوية المركبة. فالأسير يسحق ويعذب بين شكل الزمن الثابت في علب المكان داخل السجن، وبين محتوى الزمن الذي تحرر من أعباء المكان وأصبح في زمن ما بعد الحداثة بسرعة الإلكترون.
فالمتغيرات في واقع المكان والحضارة والناس، التي كانت تحدث خلال عام من الأسر قبل 20 عاما، هي أقل بكثير قياسا بما يتغير خلال عام في وقتنا الحاضر. وما يفقده الأسير من صلة بواقعه خارج الأسر خلال أشهر قليلة، ويجعله فاقد الصلة بالحضارة والناس وقيمهم وعلاقاتهم الاجتماعية، فيتحول خلال أعوام قليلة في السجن إلى متخلف قياسا بالواقع خارج السجن. هذا الفارق يحول، في زمن قياسي، الأسير الفلسطيني إلى فاقد صلة بالواقع، وهو ما يستغله الاحتلال بأجهزته كافة بما فيها إدارة السجون، لتكريسه وتعميقه لفصله كليا عن أي مشروع وطني أو تفكير جماعي، ويدفع به إلى الاغتراب كليا، فيصبح كافرا بالنضال، أو في أحسن الأحوال يحوله إلى عبء على شعبه وقضيته الوطنية".
من جهة أخرى، فإن المؤلف لا يخفي انتقاده للجان حقوق الإنسان وجمعيات الدفاع عن الأسرى بصورة عامة، والفلسطينية منها بصورة خاصة، "كونها ما زالت لا تقدم أي تفسير علمي جاد لهذه الممارسات الإسرائيلية التي تقرأها كإجراءات وأحداث منفصلة، لا يضبطها ضابط قانوني أو منطق سياسي، وتتواطأ في تعاملها مع الواقع كما هو، وفي أحسن الأحوال تنشر التقارير بشأن هذه الممارسات دون أن تقدم تفسيرا لها".
نافذة "قرأت لكم"، 7 أكتوبر 2010