تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"مطاردة الساحرات"

news-details

طلب وزير الداخلية المغربي، بداية هذا الشهر، شهر غشت من العام 2011، طلب من زميله في العدل، أن يباشر تحرياته فيما روجه بعض الصحفيين بأسبوعيتي "المشعل" و"الأسبوع الصحفي"، عن كون بعض عمال وولاة الأقاليم، ثووا بانتخابات سابقة، خلف نجاح بعض النواب بالبرلمان، محسوبين على جهات محددة، بتزكية من لدنهم مباشرة، أو بغضهم الطرف عن سلوكات مشينة، اعتمدت أمام أعين السلطة لبلوغ قبة البرلمان، من قبل أكثر من مرشح.

لم يأت المنبران على ذكر شخوص بعينهم، نوابا أو عمالا أو وولاة، لكنهم بنوا على استقصاءاتهم ومصادرهم الخاصة في الحصول على الخبر، للتأكيد على أن أكثر من عامل ووالي، كانت له يد ما، في إنجاح أو تسهيل نجاح هذا المرشح المحسوب على هذا الحزب أو ذاك، على هذا الشخص النافذ أو ذاك.

لم يتأخر رد وزير العدل كثيرا، بل سارع مباشرة إلى الأمر باستنطاق المنبرين، لاستكشاف حقيقة "زعمهم"، واستجلاء جوانب الصحة فيما ذهبا إليه، وفسح المجال بذلك فيما قد يترتب عنه من ملاحقات ومتابعات أمام القضاء.

ومع أننا لا نعلم حقا، بل ولا حق لنا في معرفة من أين تسنى للمنبرين استقاء معطياتهما، ومدى جدية ومصداقية ما نشراه، فإننا نرى أنه بقدر جلل الخبر، بقدر جلل واقع إسراع الحكومة إلى مساءلة الأسبوعيتين، ولربما متابعتهما أمام المحاكم، بتهمة "ترويج خبر زائف"، بناء على هذا القانون أو ذاك، وضمنه قانون الصحافة بالاستثناء الوارد لا بالقاعدة الثابتة.

إن المحك في مساءلة المنبرين لن يخرج كثيرا عن مطالبتهما بالإفصاح عن الجهة المسربة للمعلومات، وعن الطريقة التي تم تحصيلها بها، وعن الدواعي خلف نشرها بفترة يتطلع المغرب خلالها، وقد اعتمد دستورا جديدا، إلى بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات.

ومع أن القانون يحفط للصحفيين الطابع السري لمصادر معلوماتهم، وإلا لبارت المهنة، فإننا نزعم ولا نستبعد، بناء على حالات سابقة، أن تعمد جهة التحقيق إلى إعمال مبدأي الضغط والابتزاز، حتى تحصل على مصدر المعلومة والجهة المسربة لها.

وعلى الرغم من سمو الدستور الجديد بمبدأ النفاذ للمعلومات والحصول على المعطيات إلى حق دستوري، فإن المحققين لن يعيروه كبير اهتمام، إذا ما تسنى لهم اعتبار المعلومات المروجة، مسا بالأمن العام، أو بسلامة الدولة، أو تبين لهم أنها جاءت نتيجة اختراق ما، لمصادر معلومات تطاولها السرية بقطعية النص.

إذا ثبت ما نزعم هنا من قول، فإن ذلك سيكون ليس فقط مؤشرا حقيقيا على دوس الدولة لمبدأ سرية المصدر، بل إيذانا مباشرا من لدنها بخرق بند في الدستور واضح وصريح.

 وبصرف النظر عن هذا الحق أو ذاك، عن طبيعة هذه المساءلة أو تلك، فإننا لا يمكن إلا أن نتبنى ما ذهب إليه المنبران معا، سيما عندما يؤكدان أن حزبا محددا، حزب الأصالة والمعاصرة تحديدا، هو الثاوي خلف تعيينات هؤلاء العمال والولاة:

+ فالعمال والولاة هم عين السلطة بالمناطق والجهات، لا بل هم ممثلها الأسمى هناك، إذا رضيت السلطة عن هذا رضوا عنه، وإن غضبت منه، غضبوا منه بالجملة والتفصيل، وبصوة تلقائية لا مجال للاجتهاد من لدنهم بخصوصها.

ولما كانت الداخلية هي مهندسة العملية الانتخابية بامتياز، تقطيعا جغرافيا، وتنظيما إداريا، وتسييرا لأطوار العملية برمتها، فإن ترجمة حساباتها السياسية غالبا ما توكل للعمال والولاة، فيتصرفوا تبعا لذلك، وفق ترتيبات المركز، للدفع بهذا الوجه أو العمل على استبعاد ذاك. هذا أمر عهدناه من مدد طويلة، ولا نعتقد أن ثمة من يكابر ويدافع عن العكس.

+ ثم إن العمال والولاة باتوا من مدة يعينون من أطياف سياسية مختلفة، لا بل ومن قياداتهم المتقدمة، فيكون الولاء لذات الأطياف أولا، قبلما يكون للداخلية أو للدولة حتى. كيف بعامل أو والي، والحالة هاته، ألا يتعاطف مع رفيق له بالحزب مرشح، أو لا يميزه عما سواه من مرشحين، أو لا يحشد له الإمكانات، ليسهل له عملية الفوز أو استقطاب الجماهير؟ هذا أمر بديهي، لا بل ومن طبيعة الفعل السياسي بالمغرب وبجل دول العالم الثالث.

+ ثم إن العمال والولاة هم في حل تام من المحاسبة أو المساءلة، ليس فقط لأنهم يمثلون رأس الدولة، ولكن أيضا لأن لا عهدة انتخابية في عنقهم، ولا سبيل لهذا الشخص أو ذاك، أن يقاضيهم فيثبت مظلوميته وينصف.

الحاصل إذن أننا إنما بإزاء مفارقة حقيقية لا يبدو لنا أن الدستور الجديد سيسهم في حل عقدتها: عمال وولاة محزبون ومسيسون، وبالتالي غير محايدين من جهة، ثم من جهة أخرى، صحفيون وإعلاميون يخضعون للمتابعة والمساءلة، إن هم تجرأوا على قول ذلك، أو عمدوا إلى فضح سلوكات يحرمها القانون لدرجة التجريم.

* "مطاردة الساحراتهسبريس، 11 غشت 2011. تيفاوت، 12 غشت 2011. التجديد العربي، 12 غشت 2011. جريدة العرب لندن، 14 غشت 2011. أخبار اليوم، 18 غشت 2011. سايس أخبار، العدد 213، شتنبر 2011.

يمكنكم مشاركة هذا المقال