في خمسينات القرن التاسع عشر، اصدر ألكسيس دو توكفيل كتابا "عن الديموقراطية بامريكا" قد يعتبره البعض اليوم من كلاسيكيات الفكر السياسي وقد يعتبره البعض الآخر ملاحظات (لمفكر فرنسي شغوف بالتجوال) لا تخرج كثيرا عن أدب التأملات (أدب الرحلة يقول البعض) الذي كان شائعا وسائدا في حينه.
والحقيقة أن ما كتبه دو توكفيل في العام 1840 (وإن كان لا يخرج عن الكلاسيكيات إياها ولا عن تأملات الرحالة تلك) إنما هو من قوة الراهنية والدقة في البصيرة ما لا يمكن لناظر في السلوك الأمريكي، بداية هذا القرن، أن يغفله.
يقول دو توكفيل: "بعدما تسنى له تدريجيا القبض على الفرد والإمساك به بيدين من قوة، يعمد الأمير إلى مد يديه لكل المجتمع حيث يغطي واجهته بشبكات من القواعد الصغيرة المعقدة، الدقيقة والموحدة لا تستطيع حتى الأذهان الذكية الخارقة معها الاستنبات لتتجاوز الجماعة. الأمير لا يكسر العزائم بل يلينها، يطوعها ويوجهها. إنه لا يجبر على الحركة، لكنه يعترض على أن نتحرك. إنه لا يحطم، إنه يمنع النشأة. إنه لا يطغى، إنه يزعج، يقوض، يزرع القلق. إنه يطفئ وينمط ويختزل كل الأمة في قطيع من الحيوانات الطيعة الأليفة حيث الحكومة هي الراعي".
ولئن كان دو توكفيل (اثناء صياغته للكتاب) محكوما بواقع حال سائد عمد إلى وصفه وسرد أحداثه وحاول أن يجد لذلك السياق (وهو من هنا مؤرخا للأحداث السياسية وليس مفكرا في علم الاجتماع السياسي) ، فإنه في الآن ذاته قد استطاع (دون دراية من لدنه ربما) استشراف مستقبل ما سيؤول إليه النظام السياسي الأمريكي في شكله كما في الفلسفة الثاوية خلفه تنظيرا وتأطيرا وسلوكا.
قد يكون المؤلف قد عايش في حينه كيف تصاغ القوانين ولفائدة من. وقد يكون مدركا لمستوى التوظيف الذي كان يطاول "الشكل السياسي" للديموقراطية الأمريكية. وقد يكون شاهد عيان على تحايل السياسيين وأصحاب المال والنفوذ والحضوة، لكنه لم يكن ليدرك أن كل ذلك سيغدو (بعد أكثر من قرن ونصف من الزمن) لعبة كبرى تطاول الكون برمته بهذا الشكل الخشن كما بذاك اللين.
العبرة هنا بالدرجة على وجه التحديد، إذ طبيعة النظام لم يمسسها التحول كثيرا اللهم إلا ما استوجبه "الفضاء الأمبراطوري" الذي سنته أمريكا لنفسها مذ سقوط المعسكر الشرقي وبروز سلوكها في غزو الدول وإخضاعها للاحتلال المباشر كما في حالتي أفغانستان والعراق عقب إعلانها "الحرب على الإرهاب" الذي استتبع ضربتي نيويورك وواشنطن.
وإذا كانت الولايات المتحدة لا تجد صعوبة كبرى (ولا رادعا أخلاقيا يذكر) في كسب حروبها النظامية باعتبارها القوة العسكرية الأكبر، فإنها لم تستطع منذ أعلنت حربها على الإرهاب تحديد مجال التحارب ولا رصد مواقع الأعداء المفترضين المواجهين لها ولا رسم الاستراتيجيات القمينة بذلك جملة وبالتفصيل.
ولما تزامنت حروب أمريكا الكبرى (سيما بأفغانستان والعراق) وسياساتها في "القضاء على الإرهاب" مع طفرة في الإعلام والاتصال ندر مثيلا لها بالتاريخ، فإنها غدت كما لو أنها مطالبة ب " كسب الحرب على الإرهاب" من على ساحات القتال كما من على المنابر والصحف والشبكات الألكترونية وما سواها سيما إذا كانت هذه الأخيرة عنصر " تشويش" أو عامل " ممانعة" أو " دخيلا" لا يعرف دقة الحسابات القائمة والقادمة.
وعلى هذا الأساس، فإن تصريح وزير الدفاع الأمريكي بإعلان "الحرب على الإرهاب بالإعلام" إنما يدخل في هذا السياق، سياق ما تحدث عنه دو توكفيل من تليين وتطويع وتوجيه وإزعاج ومضايقة وما سواها... لكنه يتعدى في حالة مشروع رامسفيلد ذلك ويتجاوزه:
+ فهو (اي المشروع) لا يضمر التليين والتطويع والتوجيه أو الإزعاج والمضايقة في تعامله مع الإعلام، بل يعلنها حربا حقيقية عليه تدار معه كما تدار الحروب بأرض المعارك فيترتب عنها قتلى وجرحى ومعوقين ومفقودين وما سواهم.
وهو سلوك انتهجه بأفغانستان كما بالعراق حيث اغتيل الصحفيون وقصفت مقرات الفضائيات وهدد المصورون واختطف التقنيون وزج ببعض من شغوفي الكاميرا بدهاليز غوانتنامو.
+ وهو لا يخفي التذمر، تذمره من هذه الفضائية أو تلك، فينعت هاته ب"التمرير للإرهابيين" وينعت تلك " بالتحريض على الجنود الأمريكان" وينعت أخريات ب " سلوك إعلامي عدواني ومعادي" وهكذا.
إذا لم يكن الأمر كذلك فلم العمد إلى إغلاق مكاتب الجزيرة بأفغانستان والعراق وتعمد اغتيال صحفييها أو سجنهم بمحاكمة (صورية بإسبانيا) أو دونما محاكمة بغوانتانامو كما هو حال سامي الحاج؟
+ وهو (كما رئيسه) لم يعمدا فقط إلى إنكار عزمهما قصف مقر قناة الجزيرة المركزي، بل وعملا على التعتيم على وثيقة إدانتهما وحالا (مع بلير) دون إنشاء لجنة تحقيق في ذلك باعتبار القضية مصنفة ضمن أسرار الدولة.
+ وهو لم يعز فقط باغتيال صحفيين (أطوار بهجت وزملاؤها بالعراق) يفترض وبلدهم تحت الاحتلال أن يضمن لهم هذا الأخير الحماية وحرية التحرك، بل أوعز إلى حلفاء له بالأردن كما بتونس كما بالمغرب كما بدول الخليج إلى لجم الإعلاميين بالمحاكمات المزيفة يترتب عنها السجن أو يعمد إلى تغريم أصحابها مبالغ دونهم ودونها السجن أو الإفلاس... ويعمد في أحسن الحالات (حالات الترغيب) إلى إرشاء الصحفيين (كما بالعراق) للتمرير لخطابه ولتجفيف منابع الانتقاد الموجهة إلى بلاده.
وعلى هذا الأساس، فإن الذي أفرزته "الحرب على الإرهاب" المترتبة عن أحداث الحادي عشر من شتنبر:
+ إنما حرب ضروس على دول وشعوب خطيئتها الكبرى أنها أوت هذا الشخص أو ذاك أو كونها تمنعت في تنفيذ " سياسة الأمبراطورية" أو أبدت ممانعة كبرى في القبول بهذا المعطى أو ذاك (الاعتراف بإسرائيل في حالة الرئيس العراقي صدام حسين مثلا).
+ وهي حرب ضروس على الإعلام (المكتوب منه كما المسموع كما المرئي كما الألكتروني سواء بسواء) إما بسبب عصيه أو على اعتبار تمنعه من الاصطفاف في "الحرب العالمية على الإرهاب".
لم يقتصر الأمر على ذلك (وقد استنفذت الحالتين دورهما) بل تعداه من لدن رامسفيلد إلى خلق مكتب للتضليل الإعلامي ملحق بوزارته يزود الأعداء كما الأصدقاء (بل حتى المواطنين الأمريكان) بالمعلومات الخاطئة والمعطيات المتجاوزة والبيانات العارية عن الصحة ضدا على "انفتاح النظام الأمريكي وشفافيته" ومعاكسة "للحق في الإعلام الحر وغير المقيد" الذي يضمنه الدستور ويحميه.
لا يمكن للمرء أن ينتابه أدنى شك في أن الذي يدفع به رامسفيلد (والمحافظون الجدد من حوله ومن حول رئيسه) إنما هو إعلان للحرب على الكل مع الكل ضد الكل...إنه إعلان حرب على تنظيمات شبح من تلاوين مختلفة لا يمكن الإمساك بها... وحرب على الكلمة والصوت والصورة تتناهى رموزها بالشبكات دونما سبيل لاعتراضها.
إن الذي يعمده المحافظون الجدد اليوم (ومن خلالهم رامسفيلد) إنما هو إعلان للحرب على كل ما ضمن لأمريكا القوة والنفوذ والثروة... إنهم يعلنون الحرب على بلادهم عن دراية أو دونما دراية من لدنهم.
* "رامسفيلد و'الحرب على الإرهاب بالإعلام' "، التجديد العربي، 4 مارس 2004.