كنا على قناعة تامة، قبل العشرين من مارس من العام 2003، وإلى حين دخول بغداد بالتاسع من أبريل من العام ذاته، بأن غزو العراق واحتلاله، لن يأخذ من الجيش الأمريكي كثير مدى، ليس فقط باعتباره الأقوى عدة والأعتى عتادا، ولكن أيضا بالقياس إلى تواضع عدة غريمه العراقي، وقلة عتاده كما وبالنوع.
على خلفية من القناعة ذاتها، تأتى إلحاح "حكام العراق الجدد" في أن يصطحبوا الدبابات القادمة، أو يأتوا تباعا في ركبها، إدراكا منهم بأن النظام القائم آيل للسقوط حتما، والبلاد مقدمة على "التحرير" لا محالة، والتواجد بالأرض وبالمباشر الحي، ضروري وحاسم بجهة "ملء فراغ سلطة" بدأت مفاصلها تتهاوى منذ اليوم الأول، وقدر القائمين عليها بات محصورا بين القتل بالميدان، أو السجن والثأر بالإعدام، أو التخفي عن الأنظار خشية من هذا المصير المحتم أو ذاك.
كنا ندرك أن كل ما ستطاله يد الأمريكان (جنودا وقادة) سيكون مباحا لهم ومتاحا، وأن كل ما ستمتد إليه أيديهم سيكون حلالا عليهم ولهم، وأن كل ما سيستهدفونه، بشرا أو حجرا أو سبايا، سيكون من بين ظهرانيهم مغنمة حرب.
وكنا ندرك أيضا، أن الأمريكان سيتحولون حتما مع الزمن إلى قوة احتلال (هم الذين وعدوا بالرحيل بمجرد "التحرير")، وأنهم لن يرحلوا عن بلاد الرافدين دونما تحقيق الحد الأدنى مما جاؤوا من أجله...وقد جاؤوا لأجل تحقيق أكثر من غرض، بالعراق مباشرة، كما بالخليج، كما بالمحيط الإقليمي المباشر، كما بالدولي الواسع.
وكنا ندرك، فضلا عن كل هذا وذاك، أن الذين أتوا من على ظهور الدبابات الأمريكية والبريطانية، أو التحقوا بهم تباعا من "ديار المنفى القسري"، القريب منه كما البعيد، لم ولن يكونوا حمالي مشروع "تحرير وخلاص"، سيعمدوا لإعمال بنوده بغرض خلق "عراق جديد خال من أسلحة الدمار الشامل"، "محترم" لجيرانه، ديموقراطي، يأخذ برأي الشعب ويحتكم إلى دولة الحق والقانون، بل سيكونوا حمالي مشروع فتنة، سيدشنوه قطعا بمطاردة قادة النظام السابق، وبأخذهم الثأر من طائفة سنية، "استأثرت بالحكم دون وجه حق"، ولعقود طويلة من الزمن، ولربما لقرون يزعم البعض، وسيوزعون بمقتضى كل ذلك، غنيمة السلطة والثروة على طوائفهم وعشائرهم وأبناء مذاهبهم، ولن يتوانوا في رد الجميل لمن "حررهم"، أو آواهم، أو تكرم بتجنيس عائلاتهم، أو أغدق عليهم العطايا، عندما كانت الترتيبات على قدم وساق لدخول العراق.
من الطبيعي، والحالة هاته، أن تكون القسمة المستتبعة للاحتلال (من مجلس حكم، وانتخابات، وحكومة، ودستور وما سوى ذلك) محكومة بناظم طائفي ومذهبي خالص، أضمره الاحتلال بقرارة نفسه، مهد له بالهمس، وانتهى بإجهاره عندما اطمأن إلى توافر القابلية لدى كل الملل والنحل، نحت مجتمعة (ومنذ الوهلة الأولى) بالطائفة لأن تنتظم في سياق نعرة طائفية، ثم احتقان طائفي، ثم اقتتال طائفي أضحى الكل بموجبه مع الكل ضد الكل.
ومن الطبيعي أيضا، أن يستند كل "حاكم جديد" على عرقه أو طائفته أو مذهبه، ليس فقط لتقوية مركزه المعنوي بالمؤسسات "الجديدة" (وزارات ومحافظات، كما بمناصب الداخلية والجيش)، أو لتعظيم مكاسبه المادية بالمناصب "السيادية" المستحدثة، ولكن أيضا لضمان موقع ما، قار وثابت، حينما يتسنى للاحتلال أن يغادر، وينكشف المستور، ولا يجد كل من له طائفة بدا من اللجوء إليها للاحتماء بها، أو لنشدان معاضدتها...
إننا بالعراق القائم (والقادم حتما) لسنا بإزاء أعراق ومذاهب وطوائف فحسب، بل بإزاء ملوك للطوائف جدد، لهم بمناطق نفوذهم مداخيل، وإتاوات، وجبايات، وميليشيات مسلحة، ولهم ب"مؤسسات الدولة المركزية ببغداد" غنائم أخرى، كل وفق ثقل موازينه الطائفية، أو تواضع ذات الثقل بالميزان:
+ ف"الطائفة" الكردية بالشمال (وهي ذات مرجعية عرقية بالأساس) استحدثت لنفسها حكومة وبرلمانا ونشيدا "وطنيا"، وحولت ميليشياها (ميليشيا البشمركة أقصد) إلى "جيش" قائم الذات، يدود عن حدود الإقليم، يحرس مداخله ومخارجه، ولا يتوانى في مؤازرة السلطة بالمركز، إن هي استدعت مؤازرته، أو استوجبت الحاجة اللجوء إليه للمعاضدة، كما الحال مع "خطة فرض القانون" مثلا.
هي طائفة ضمنت لنفسها سبل العيش المستقل (وسيتقوى لديها ذات المنحى أكثر، إن هي أدركت مسعاها بإلحاق كركوك بإقليمها) وأوكلت "لرئيس" في البلاد ولوزير في الخارجية (من أبنائها) مهمة تسويق مشروع الفيدرالية، المحيل حتما على الاستقلال عندما تسنح الظروف، وتتساوق معطيات المحيط مع ذلك.
+ و"الطائفة" الشيعية (وهي ذات خلفية مذهبية وعقدية طاغية) لا تجد أدنى غضاضة في المجاهرة بمطالبها "الطائفية" الصرفة، ليس فقط لمغازلة جماهير "ذاقت أقسى أنواع المظلومية" في زمن الرئيس/الشهيد صدام حسين (في زمن "النظام العفلقي" يقول منظروهم)، بل وأيضا للمطالبة بفيديرالية بالجنوب (على غرار إقليم الشمال) تعيد الاعتبار لشرائح من الشعب العراقي، لم تضف يوما الشرعية على النظام القائم في حينه إلا قسرا، وتحت طائلة الاغتيال والنفي...أو هكذا يقال.
لا تعدم الطائفة إياها الإمكانات (هي التي تتربع على جغرافيا مبطنة لملايير براميل النفط والغاز) ولا القوة الخشنة، هي التي برعت منظماتها (فيلق بدر، وجيش المهدي، وميليشيا الجلبي، وفيالق حزبي الدعوة والفضيلة، وما سواها) في القتل والتهجير، ولا تعدم الحلفاء من الخارج، استضافوا قياداتها لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وفتحوا لها، منذ اليوم الأول للاحتلال، سبل تحصيل مداخيل ما يتسنى لها تهريبه من نفط عبر حدودها، ولن يتأخروا عنها إن هي ارتمت في أحضانهم، بعدما تتكرس الفيدرالية وتفتح آفاق التحالفات... وهم قبل كل هذا وبعده، "حماة المرجعية العليا" أشخاصا ذاتيين، ومزارات على الأرض.
+ و"الطائفة" السنية (أو ما تبقى منها ببغداد والأنبار وديالى وغيرها) تجد نفسها بوسط البلاد بين فكين مكشرين على الأنياب، تتكالب عليها بالتوازي قوات الاحتلال وألوية الحكومة، وتطاردها الميليشيات من كل صوب وحدب، ليس فقط باعتبارها المتزعمة للمقاومة (المفسدة لكل الحسابات)، ولكن أيضا لأن في إضعافها "احتماء" ضد عودة نظام أقيمت لاجتثاثه هيئات ومنظمات، وأوكل للجلبي أمر التكفل بتصفية إرثه جملة وبالتفصيل.
صحيح أن الطائفة السنية هي رائدة المقاومة المسلحة، وهي الرافضة في غالبيتها العظمى للعملية السياسية (دعك من بعض النكرات الانتهازية هنا وهناك)، وهي الحاملة لشعار وحدة العراق، والمعارضة بتحصيل حاصل، للطروحات الفيديرالية المحيلة على التقسيم، لكنها، شأنها في ذلك شأن باقي الطوائف، تحتمي بأهلها ودويها (بمواجهة "التغول الشيعي" يقول أبناؤها) حتى وإن لم ترفع جهارة شعار الطائفية، أو تتبنى مبدأ اعتماد محاصصة السلطة والثروة على ذات الأساس.
إن منظومة الطوائف المعتمدة بالعراق المحتل (ومنذ اليوم الأول) لا تحتكم فقط إلى ما أوتيت هذه الطائفة أو تلك من قوة وجلد، أو ما تسنى لها إدراكه بأرض الواقع بحكم موازينا هشة من نفوذ أو سلطة، بل وأيضا إلى مدى قربها وتواطؤها مع الاحتلال، لدرجة المماهاة التامة معه في بعض منها، تماما كما كان الحال بالقرن الخامس الهجري، عندما سقطت الخلافة الأموية بالأندلس، وسارع كل أمير لبناء دويلة منفصلة، وأسرة حاكمة من أهله وذويه، يدفعون الجزية للملك ألفونسو السادس، ويحتمون به أفرادا وجماعات، عندما يشتد الاحتراب فيما بينهم.
هي منظومة عمدت كل مكوناتها إلى اختزال العراق في ذاتها، فاستوظفت مطالبها (بصرف النظر عن مشروعية بعضها) لتنازع فضاء جغرافي، أو لتغيير تركيبة سكانية، أو لمعاودة التوكيد على تواجد تاريخي ما، لكنها بذلك، عن دراية بالقطع، إنما تتساوق (في معظمها) في التآمر على بلد أضحت وحدته مدعاة تناحر، وتوحده من جديد مثار مزايدة واحتراب...
هي بذلك، تدري عن إدراك أو تتغافل عن جهالة، بأن ما تعمد إليه إنما يتقاطع مع احتلال لا تتوافق أجندته مع مطالبها إلا في المظهر القصير المدى، في حين أنهما متباينان لدرجة الممانعة المطلقة في الجوهر البعيد الأجل...وأن التقاطع في الآني المباشر، ليس بالضرورة تقاطعا في الغايات القصوى، ولا في الترتيبات الخفية، المضمرة بالنفوس.
من هنا، فتقاطع الطائفية بالعراق مع الاحتلال ليس بالقطع تقاطع غايات، بقدر ما هو تقاطع مصالح عابرة، سرعان ما ستنفجر عندما تنفضح سياقات هذا كما ذاك.
إن الذي قصدنا قوله، مما سبق من حديث، هو التالي: إذا كنا نسلم بأن العراق طوائف ومذاهب وأعراق، فإننا سنسلم بالآن ذاته بأنها كانت منذ قدم العصور، مصدر تعايش وتوافق ووفاق ومصاهرة...لم يتحول ذلك يوما إلى نعرات طائفية أو مذهبية أو عرقية أو ما سواها...هي نعرات أتت مع الدبابات محملة كالسلعة مع أصحابها... وأن الدفع بها لأقصى مدى، هو من الدفع بالعراق إلى حروب هوجاء ستأتي حتما على ما تبقى من الأخضر واليابس، سواء بقي العراق موحدا أم جرفته، لا قدر الله، نعرة التفتيت.
* "ملوك الطوائف الجدد"، التجديد العربي، 21 ماي 2007. شبكة الرافدين، 21 ماي 2007. موقع التحالف الوطني العراقي، 21 ماي 2007. موقع شباب المغرب، 25 ماي 2007. جريدة التجديد، الرباط، 25 ماي 2007. القدس العربي، 8 يونيو 2007. التحالف الوطني العراقي، 8 يونيو 2007.