تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الإعلام والجهة"

news-details

1- إشكالية العلاقة بين الجهة والإعلام والاتصال

الحديث في علاقة الإعلام بالجهة (بجد ليتهما أعني) يحيل في تصوري على مسألتين أساسيتين اثنتين أعتقد أنهما أساسيتين:

+ الأولى هي مسألة التوزيع الجغرافي للمواد وللموارد الإعلامية باعتبارها مضامينا ومحتويات. أقصد بهذه المسألة من ينتج المادة الإعلامية، من يرتبها، من يوزعها وما حصة كل جهة من ذلك وأيضا وجهة تنقل هذه المادة.

+ الثانية هي مسألة البنى التحتية، البنى المادية، القنوات أو الشبكات. بمعنى ما هي القاعدة المادية التي تعمل على توزيع الموارد الإعلامية، وفق أي نسق شبكي وعلى أية خلفية وما نصيب كل جهة من هذه القاعدة أو البنية التحتية.

الثابت نظريا وبالتجربة أيضا أن هذين المستويين يؤثران بعمق في هيكلة الجهة لا كفضاء قار ومستقل ولكن كجزء من عملية إنتاج وإعادة إنتاج الفضاء أو التراب الوطني. بالتالي فهيكلة التراب عبر عملية تغطية شاملة وعلى خلفية من إعداد دقيق للتراب هو الذي من شأنه أن يحول الجهة من فضاء ساكن إلى فضاء فاعل.

المطلوب إذن هو مقاربة جهوية لتكنولوجيا الإعلام والاتصال من منطلق إقامتها وتملكها على الوحدات الجهوية.

2- من الذي من واجبه إدخال الشبكات الإعلامية والاتصالاتية بالجهة

أنا أتصور أن إقامة البنى التحتية للإعلام والاتصال هو من مسؤولية ثلاث وحدات قد نختلف في ترتيبها:

+ هناك بداية الدولة بما هي القائمة على تصور التنمية المبتغاة وصاحبة سياسات إعداد الفضاء الترابي وأيضا الضامنة لمبادئ المرفق العام، والتجربة تبين أن الشبكات الكبرى في العالم هي غالبا ما كانت من وظيفة الدولة. أما وأن دور الدولة يتراجع فالسؤال مطروح وسيبقى مطروحا على هذا المستوى.

+ ثم هناك ثانية الجهة بما هي "مالكة" الفضاء الذي ستقام عليه الشبكات وصاحبة جزء من الموارد الجهوية المطالبة باستثمارها في البنية التحتية ولها السلطة التقديرية أيضا في ربط تحالفات بين الجهات لتمويل أو لتشييد هذه البنى.

+ وهناك الخواص: هم مطالبون بالمساهمة ليس فقط كونهم هم المستفيدون من هذه البنى ولكن أيضا لأنهم هم الممثلون الافتراضيون للسياسة الاقتصادية على مستوى الجهة (عبر الاستثمار والتشغيل وما إلى ذلك).

هذه الوحدات الثلاث هي التي من الواجب مساءلتها على عطائها الجهوي ولنا أن نسائل تجربة مثل تجربة "سوفيا أنتبوليس" وغيرها.

3- التحديات أمام الصحفي الجهوي زمن الانترنيت

هناك ثلاثة معطيات تكنولوجية ومؤسساتية كبرى:

+ تطور تكنولوجي كبير يرفع من قوة الوسائط التقنية واشتغالها على خلفية الأنجع شكلا ومضمونا.

+ التميز والفردانية التي تميز طرائق استهلاك الخبر والمعلومات.

+ تداخل المصالح والاستراتيجيات بين الفاعلين.

بالتالي فوسائط الاتصال هاته بدأت تتوجه باتجاه الجماهيرية عوض النخبوية المعاصرة .

في هذا الخضم، الصحفي (جهويا وغير جهوي) مطالب بأن يكون مختصا في الميدان المعلوماتي وكذلك ضابطا لاشتغال الشبكات.

بالتالي هو مطالب بأن يكون محيطا بأنظمة التوثيق، أن يكون صحفيا- ناشرا أو صحفي الصورة أو غيره.

المقصود هو أن الانترنيت أنهى وحدانية المصدر (إذاعة، تلفزة، وكالات الأنباء...الخ) وبالتالي " نموذج الصحفي" المتعارف عليه. من هنا وجب على الصحفي، أكثر من أي وقت مضى، أن يشتغل بطريقة جماعية لأنه هو الذي سيحدد مستقبل العمل الصحفي.

بناء على ذلك فتوفر إمكانيات العمل عن بعد (لاحظ واجهة الجهة هنا) هو من الأمور الضرورية للصحفي اليوم: نحن إزاء ثورة في الممارسة الصحفية، أي أن الصحافة المتعددة الأقطاب ستركن إلى جانب طرق الاشتغال السابقة.

4- الانترنيت والصحافة والجهة

يجب توضيح أن شبكة الانترنيت مكنت تباعا: المراسلة الإلكترونية، المحاورات الجماعية، المواقع ثم الإشهار ثم المتاجرة (للتذكير فالمواقع العشرة الأولى بالشبكة هي حاليا أمريكية وللمتاجرة).

بالتالي فللصحفي إمكانية توظيف المراسلات الإلكترونية والمحاورات والمواقع للحصول على المستجدات الإعلامية وتفاصيلها بسرعة أكبر وبدقة أكبر ولربما بكلفة أقل (قياسا إلى الهاتف أو التلكس أو الفاكس).

لكن هذا يتطلب توفر البنية التحتية وضمان تكوين العاملين بالحقل الإعلامي وتزويدهم بالأعتدة الضرورية والحواسيب وظروف العمل الأخرى.

نفس الشيء بالنسبة للعمل الإعلامي داخل الجهة وبين الجهات فيما بينها وبينها وبين مواقع الشبكة العالمية الأخرى (توظيف نفس إمكانات الانترنيت).

من الثابت أن الإعلام أصبح عامل تنافسية لا بالنسبة للاقتصاد الوطني ولكن أيضا للجهة: كلما كانت الجهة معروفة وإمكاناتها مقيمة ومشاريعها واضحة، كلما سهل الاستثمار وتوفرت سبل الشغل وفرص التنمية الجهوية.

بالتالي فالإعلام القوي يقوي من الجهة ويسهل وظيفتها كأداة للسياسة الاقتصادية. من هنا وجب على مسئولي الجهات أن يعوا رهانات الإعلام على مستوى الجهة وضرورة عملها على الدفع بالبنى التحتية والشبكات داخلها: تكنولوجيا الإعلام والاتصال رافد من روافد سياسة التراب الوطني...ليست السياسة إياها.

5- هل الانترنيت منافس للعمل الإعلامي؟

قد يجوز مادام المرتبط بالشبكة بإمكانه ولوجها وولوج بنوك معطياتها ويحصل على المعلومة دونما حاجة إلى موسطة الصحفي. لكن بمجرد ولوجه سيكون بازاء نفس الجرائد لكن بصورة إلكترونية على اعتبار أن كبريات الصحف والمجلات والموسوعات لها مواقع بالانترنيت. بالتالي فالمتصفح سيجد نفسه إزاء الجريدة لكن بطريقة مغايرة هذه المرة أعني في صورتها الإلكترونية.

أعتقد أن الانترنيت هو مكمل ومسهل لعمل الصحفي على اعتبار  إمكانية " توزيع" جريدته على نطاق واسع وعلى اعتبار تحديث صورته إلكترونيا، لكن المضمون واحد.

الثابت أيضا أن الشبكات المتطورة فرضت على الإعلامي تحديات جديدة: فهو مضطر للرفع من وتيرة اشتغاله والسرعة في الانتقال لمكان الحدث، لصياغة تقارير من عين المكان وتزويد قناته أو جريدته بالخبر في وقت واقعي. بالتالي فهو مطالب بضرورة تبنيه ثقافة إعلامية جديدة ميزتها العمل عن قرب وتدقيق المعطيات المحصل عليها والاشتغال عن بعد (لاحظ أن كل القنوات التلفزية الكبرى تحتكم حاليا إلى مراسلين دوليين وأيضا مراسلين جهويين، على اعتبار أن الجهة هي أيضا صانعا للخبر وللمعلومة وإن كان الخبر ليس هدفا في حد ذاته).

6- الإعلام والشبكات والديموقراطية المحلية

هذا سؤال محوري لأن التطورات التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال بوجه خاص غالبا ما كانت السلطة المركزية تتطلع إليها لتقوية سلطانها. الملاحظ في التطورات الأخيرة أنها تساهم كثيرا في تقويض السلطة المركزية وإضعافها من خلال دفع هذه التطورات بمبدأ اللامركزية: نلاحظ أنه ليس هناك مركز للانترنيت ولا فضاء للبث التلفزي ولا إمكانات تحديد مكان الأفراد عبر الهاتف النقال.

الشبكات الكبرى في العالم (الانترنيت حاليا) يعتبر أنه من وسائل تصالح المواطنين مع منتخبيهم الجهويين على اعتبار الموسطة الجديدة التي حملتها هذه الشبكات. نحن بعيدون عن ذلك حاليا لكن الثابت أن تقوية الإعلام على مستوى الجهة هو من تقوية الديموقراطية المحلية ومن تقوية إمكانات المحاسبة والمراقبة ومن إمكانات تقوية العملية الديموقراطية برمتها (ما دامت هذه الأخيرة هي أولا ونهاية المطاف شكلا من أشكال تنظيم المجتمع).

7- ما المطلوب من العمل الإعلامي على مستوى الجهة؟

مطلوب منه أن يوظف الشبكات الإعلامية والاتصالاتية لتعميق الجهوية كرافد من روافد التنمية الشاملة ( يقيم إمكانات الجهة ويوسع من سبل نشرها).

أن يعمل على توطين التقنيات الجديدة على مستوى الجهة مع الاجتهاد في تغيير الذهنية الورقية الطاغية إلى حين عهد قريب.

أن يعمل على تبيان أهمية توظيف هذه التقنيات بالجهة على مستوى التعليم والتربية ومحاربة الأمية (مكتبات جهوية مثلا) وفك العزلة عن مناطق نائية ومقصية.

أن يدفع بسبل إنشاء أقطاب تكنولوجية بالجهة (عبر التعريف بمقومات الجهة وامتيازاتها...الخ).

لكن قبل كل هذا وذاك يجب تحديد: ماذا نريد من الجهة؟ وفق أي تصور نريد أن تقوم عليه؟ وعلى أساس أ ي مشروع مجتمعي؟ ووفق أية رؤية؟ وبأي نخب محلية سيما لو علمنا بأن معظمها أمي...بالتالي  فلا يكفي أن نملك...بل يجب أن نتملك.

مداخلة بندوة "الإعلام والجهة" على هامش اليوم الوطني للإعلام، إذاعة وجدة، 15 نونبر 1999

* "الإعلام والصحافة الجهوية"، نقاش جهوي على هامش اليوم الوطني للإعلام، إذاعة وجدة، 15 نونبر 1999. جريدة سايس أخبار، أسبوعية، العدد 51.50 مكناس دجنبر 2004.

يمكنكم مشاركة هذا المقال