في أواسط صيف السنة الماضية انطلق إرسال "راديو سوا" الأمريكي على الأمواج القصيرة القوية (دونما إعلان مسبق عن ذلك أو حملة تحسيسية بالحدث)، انطلق بالعديد من دول المنطقة العربية مازجا في أداة تبليغه بين اللغة العربية الفصيحة وبين ما تم له اعتماده من لهجات محلية. والواقع أن توقيت إطلاق الإذاعة إياها في أعقاب العدوان الأنجلو/أمريكي على العراق ووضعه تحت الاحتلال المباشر إنما تأتى في اعتقادنا من اعتبارين اثنين:
+ الأول ويتمثل في الصورة الكريهة التي تكونت لدى المواطن العربي من سلوك إدارة أمريكية يمينية، متطرفة وصهيونية التوجه إثر غزوها للعراق وتدميرها لمعالمه وإخضاع أرضه وشعبه للاحتلال المباشر في زمن اعتقد المرء معه أن زمن الاحتلال ولى إلى ما لا نهاية.
لم تكن صورة أمريكا، قبل احتلالها للعراق، حسنة ولا كان للمواطن العربي أن يستلطفها (سيما مع مماهاة سياساتها وسياسة إسرائيل العنصرية)، بل كان ذات الاحتلال البرهان الأكبر والحاسم لدولة انتظر المرء من تفوقها في الاقتصاد والمال، في العلم والتكنولوجيا، انتظر منها الخير قبل الشر ولم يكن يخطر بباله انتهاجها سبيل القراصنة وقطاع الطرق وإهانة الدول والشعوب (حكاما ومحكومين) وتمريغ كرامتهم وكبريائهم ومن خلالهم الملايين من أبناء طينتهم ودينهم.
لا يدخل قرار إنشاء محطة سوا، بناء على ما سبق، على أساس خلفية تبرير ذات السلوك ولا تفسير أبعاده وتبعاته (وإن بسبل النفاق المضمر)، بقدر ما أتى لتجاوزه عبر طمسه وإذابة ما ترتب ويترتب عنه في خضم صخب من الموسيقى الهابطة والأغاني الشاذة والأخبار المجانبة لصواب الأمور.
+ أما الاعتبار الثاني فيكمن، فيما نتصور، في العجز الإعلامي الكبير الذي بدأت تستشعره الإدارة الأمريكية ليس فقط في إبلاغ تصورها لمستجدات الأحداث (بالعراق كما بإزاء القضية الفلسطينية كما بإزاء نواياها بسوريا أو بإيران أو بمنطقة الخليج)، بل وأيضا بإزاء "المنظومة العقدية" (الثقافية والدينية والأخلاقية) التي تدفع بها شكلا ولا تتوانى في دفع الحكومات العربية لاعتمادها في المضامين والمحتويات.
لا تروج، على هذا الأساس، إذاعة سوا (وقناة سوا التلفزية قريبا دون شك) لمستجدات عابرة أو أحداث محددة، بل تعمل أيضا وبالأساس ضمن ذلك وفي خضمه على إقحام مواد وبرامج تمجد "النموذج" الأمريكي وتبشر ب" فضائله" على واقع المواطن العربي ومستقبله.
ومعنى هذا أن فلسفة الإذاعة لا تتمثل في البلوغ المباشر للهدف (مما قد يقلل من مفعوله بحكم مناعة المواطن العربي إزاء الإيديولوجية الإعلامية الأمريكية)، بقدر ما تكمن في تذويب ذات الهدف (والإيديولوجيا أيضا) بطريقة ملتوية تموسط الأغنية السريعة والحوار القصير والخبر العابر لبلوغ ذلك حتى وإن كان المفعول المرجو طويل المدى.
+ الاعتبار الثالث ومفاده أن التجربة علمت الإدارة الأمريكية أن مخاطبة الجماهير العربية بالقنوات المعتمدة إلى حين عهد قريب (صوت أمريكا، س.ن.ن وغيرها) لم يعد له المفعول المرجو ولا الجدوى المطلوبة.
والسر في ذلك لا يكمن فقط في استقطاب المواطن العربي من لدن قنوات فضائية حديثة العهد يجد بها إذا لم يكن ذاته فعلى الأقل ضالته، ولكن أيضا وبالأساس كون القائمين على ذات الإذاعة أدركوا أن الوطن العربي ليس لحمة واحدة ولا تجمعه لغة واحدة (بل "مجموعة لهجات") ولا ارتباط يذكر بصلبه بين الفئات العمرية والأجيال.
بالتالي، فلم يكن تركيزها على اللهجات و"الفئات الشبابية" وغيرها وتشكيل شبكتها البرمجية بناء على ذلك، لم يكن تركيزا عفويا، بل مدروسا ومبنيا ومحدد الأبعاد والأهداف.
في هذا السياق وعلى أساس هذه الخلفيات نشأت إذاعة سوا بالعديد من الدول العربية وتموطنت بصلبها تارة باللغة العربية الفصحى، وتارات عدة باللهجات على خلفية من "نظرية القرب" و" بناء جسور التواصل".
لم يشد المغرب يوما عن خيارات أمريكا ولا عما تريده أو تبتغيه أو تفرضه أو تعمل على تنفيذه. فهو قاعدتها الضمنية والمعلنة في الخير كما في الشر سواء بسواء:
+ فالمغرب سمح لإذاعة سوا بالإرسال دونما أن يتوفر لذات "القرار" مسوغ قانوني يذكر أو مبرر سواه مقنع.
فتحرير المجال السمعي/البصري بالمغرب لم يعتمد بعد وعشرات الإذاعات لم يبث في طلباتها المقدمة، والهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري لم يتسن لها بعد تقديم الولاء الرسمي حتى يكون بمستطاعها الاجتماع والاشتغال...وهكذا.
+ والمغرب، على لسان وزير الاتصال، وجد لذات الترخيص المسوغ والمبرر في استغفال بليد من لدنه لدولة الحق والقانون التي ما فتأ يدافع عنها أو يبشر بحتمية قدومها. فهو يعتبر ذات السماح تارة جزءا من علاقات (مع الولايات المتحدة) استراتيجي وحاسم، وتارة يعتبره مدخلا لقانون تحرير المجال السمعي/البصري الذي من شأن اعتماده الترخيص الرسمي لذات الإذاعة في البث والإرسال.
+ والمغرب، على لسان وزير الاتصال، لا يخجل من ذات القرار بل يستبشر به خيرا ليس فقط في أفق توقيع اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة، بل وأيضا بوجود حالات كان لمركزية القرار بشأنها القول/الفصل فيما بين الدول (كما هو الحال مع ميدي 1) أو داخل الدولة المغربية فيما يتعلق بقرار إنشاء القناة الثانية بوجود نص في الاحتكار ساري المفعول لأكثر من ستة عقود من الزمن.
قد لا تنتاب المرء غضاضة كبرى لفهم السر وراء الترخيص لهذه القناة بمعظم دول الخليج (وجلها أضحت قواعد أمريكية بامتياز)، لكنه من المتعذر استساغة الآية من الترخيص لها بالمغرب لا تتعدى أهميته (منذ احتلال أمريكا للعراق) المرتبة الثانية في أحسن الأحوال.
إلا أن المغرب (والمغرب العربي عموما) له على الرغم من ذلك، في الاستراتيجية الأمريكية (المبنية على الحروب الوقائية والسياسات الاستباقية)، له فيها أكثر من هدف وأكثر من غاية:
+ فالمغرب (والمغرب العربي إجمالا) لا يستأثر بانتباه الإدارة الأمريكية بحكم جغرافيته أو مخزوناته الباطنية فحسب، بل وأيضا بحكم شريحة الشباب التي تكون الغالبية العظمى من ساكنة ذات الرقعة الجغرافية. بالتالي، ف " تنميط" ذات الشريحة وإغراءها واستيلابها من لدن "النموذج" الأمريكي لا يكون لذات النموذج صمام أمان في المستقبل بل وأساسا فصيلة من البشر تتماهى والنموذج إياه في الشكل كما في المضمون. وهو ما تعمده إذاعة سوا وتعمل على بلوغه وإن بالتدرج الممل والهدف غير المضمون.
+ والمغرب (والمغرب العربي عبره) يتفاخر بالتقارب مع أمريكا ولا عقدة لديه تذكر عما تمارسه بهذا القطر العربي أو ذاك، بل يكتفي ببعض من التنديد المجامل وبكثير من الصمت المطبق وفي أحيان كثيرة "بالدعوة إلى التسامح والحوار".
بالتالي، فاعتماد موقف من ذات المواقف (حتى "المتطرف" منها) لا يتعذر فقط اختراقه أو التبرير على أساسه، بل يعتمد أداة ضغط وابتزاز بحكم تواطؤه وغياب الحسم والوضوح من بين ظهرانيه.
وعلى هذا الأساس، فلن تجد إذاعة سوا عسرا كبيرا للتموطن من بين ظهراني النخب الحاكمة بهذا البلد (من المغرب العربي) أو ذاك مادامت تسير كلها على هدي أمريكا وهداها.
ليس لدينا أدنى شك، بناء على ما سبق، أن إذاعة سوا لا تتغيأ إطلاقا " تفسير سياسات الولايات المتحدة بالمنطقة على المدى الطويل" أو تبرير سلوكها بهذه الطريقة أو تلك، بقدر ما تتكرس لدينا القناعة يوما بعد يوم بأن الذي تستهدفه ذات الإذاعة إنما اختراق "المنظومة الإعلامية" العربية والبناء على أنقاضها قلبا وفي القالب:
+ فتوقيت إرسالها إنما جاء عقب إهانة (لن تندمل آثارها على المدى المتوسط والطويل) طاولت العرب والمسلمين بفلسطين كما بأفغانستان كما بالعراق كما بليبيا كما بالسودان كما بغيرهم...، كانت في جلها بغير موجب حق وترتب عنها كسوف مطلق لمبادئ الحرية والديموقراطية التي لطالما تفاخرت بها الأجيال بأمريكا.
لن تستطيع إذاعة سوا (ولا قناتها التلفزية) الإصلاح بالكلمة والصورة ما كسره الساسة بالفعل والممارسة.
بالتالي، فإن المراهنة على الإذاعة إياها لتحسين صورة لا تزداد مع مرور الزمن إلا قبحا إنما هو من المراهنة على معطى موضوعي قار لا مجال لتغيير منعطفه بالكلمة أو بالصورة. إذ السلوك الأمريكي إزاء العرب، كما إزاء المسلمين إنما كان خلف إفراز حالات من الرفض لا يرهنها أداء هذه الإذاعة (أو التلفزة) أو تلك بقدر ما هي مرهونة بتغيير السلوك إياه في شكله وفي المضمون.
+ وطبيعة " برامجها" كما الشريحة الاجتماعية المستهدفة لا تشي، فيما نتصور، بعملها على إصلاح ما أفسده الساسة، بقدر ما توحي بأن لا شيء بالمنطقة يستاهل التقييم أو التحليل أمام طقوس الغناء والطرب والرقص و"المتعة الفنية" وما سواها.
يبدو الأمر إذن بالاستماع السريع لإذاعة سوا ولكأن الإشكال مع الإدارة الأمريكية إنما هو إشكال تواصل وحوار و"مد جسور التعارف أكثر" في حين أن ذات الإذاعة إنما تتغيأ التخذير المستمر لشريحة بالمجتمع قد تبدو استمالتها أمر غير متعذر كثيرا.
إنها قناة عدوانية بامتياز. كيف لا وهي صنيعة إدارة عدوانية لا تتوانى في إهانة البشر والحضارة والحجر في الغالب الأعم دون موجب حق يذكر؟
بالتالي، فلا سبيل يبدو لنا لمحاربتها سوى مقاطعتها والتحريض على مقاطعتها.
والوسيلة الأساسية في ذلك لا تكمن فقط في تجاهلها وتوعية الشباب بضرورة تجاهلها، بل وأيضا بالعمل على فضح خلفياتها والفلسفة الثاوية خلف إنشائها وخلف "خطها التحريري".
* "إذاعة سوا "العربية" بالمغرب"، جريدة العلم، 17 فبراير 2004. القدس العربي، 5 مارس 2004.