ليس من المبالغة في شيء القول بأن جانب البحث العلمي والإبداع التكنولوجي بالوطن العربي، إنما يبدو الحلقة الأضعف في برامج "السياسات التكنولوجية" التي اعتمدتها جل الدول العربية، منذ مرحلة "الاستقلالات الوطنية" وإلى الوقت الراهن.
والحقيقة أن الواقع المتدني الذي يطاول مكانة البحث العلمي، لا تتمظهر تجلياته الكبرى فقط في العديد من المؤشرات المعتمدة لقياسه، ولا في حالة عدم التنسيق المؤسساتي الواضح بين العناصر المتداخلة في العملية إياها على المستويات القطرية، ولكن أيضا بجانب تغييب البعد القومي الذي من المفروض أن ينظم ذات العملية، ويفسح لها في مجال التشكل والتطور.
هناك، فيما نتصور، ثلاثة مؤشرات كبرى تدلل، بما لا يدع مجالا للمزايدة كبير، على تدني مكانة ومركز البحث العلمي، ضمن "السياسات التكنولوجية" التي تنهجها الدول العربية منذ أكثر من أربعة عقود:
+ المؤشر الأول ويرتبط بالنسبة الضئيلة التي تخصصها الدول العربية (مجتمعة وعلى المستويات القطرية) من نواتجها الداخلية الخام للبحث العلمي، إذ لا تتعدى في المتوسط 0.2 من الدخل الوطني الإجمالي، مع وجود تباين نسبي بين دولة عربية وأخرى...تباين في التخلف أقصد.
إن الدول العربية مجتمعة لم تخصص للبحث العلمي منذ بداية الألفية الجديدة، إلا ما يعادل 1.7 مليار دولار، أي ما نسبته 0.3 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي... في حين أن الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل مثلا (ما عدا البحث العسكري) تجاوز 2.6 بالمائة، من حجم إجمالي إنتاجها القومي في العام 1999، وقارب ال 5 بالمائة سنة 2004.
وعلى الرغم من التباين النسبي في مخصصات البحث العلمي بين دولة عربية وأخرى، فإن خاصية الضعف والتدني تبقى الخاصية المشتركة الكبرى فيما بين الأقطار مجتمعة، أي خاصية الدوران ما بين الصفر وما دون الواحد بالمائة.
ليس ثمة من شك إذن، أن الخاصية المشتركة للبلدان العربية، إنما تدني مستويات ما يرصد من الداخل الإجمالي الخام للبحث العلمي، ليس فقط بالقياس إلى الدول المتقدمة الكبرى، بل وأيضا بالاحتكام إلى معطيات دول العالم الثالث الناشئة، كالصين أو الهند أو البرازيل أو جنوب إفريقيا أو ما سواها.
+ أما المؤشر الثاني فيرتبط بعدد مراكز البحوث العلمية والتقنية بالبلدان العربية، وعدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير، بداخل ذات المراكز أو بالمؤسسات التي تدور في فلكها بهذا الشكل أو ذاك.
وعلى الرغم من توفر البلدان العربية على عدد لا بأس به من هذه المراكز، فإنها في معظمها ذات نشاط أكاديمي وتطبيقي صرف، ولا تداعيات وظيفية كبرى لها، ناهيك عن تعذر تحويل نواتج بحوثها إلى مشاريع عملية، بحكم غياب هذه التوجهات من غاياتها، أو " بسبب غياب المعارف والخبرات والإمكانات اللازمة، للقيام بالأنشطة الابتكارية المطلوبة، وهي تختلف بطبيعتها ومتطلباتها عن أنشطة البحث والتطوير المتعارف عليها ضمن المفاهيم السائدة حاليا".
أما العلماء والمهندسون العاملون بالبحث والتطوير، فإن عددهم ( قياسا إلى كل مليون من السكان) ضعيف عموما، ليس فقط بالقياس إلى الدول الكبرى، بل وأيضا إلى المتوسط العالمي المتداول حاليا.
+ أما المؤشر الثالث فيتعلق بالانخفاض الواضح لإنتاجية العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير، وكذا ضعف المردود العلمي والتكنولوجي المترتب عن ذلك، ناهيك عن التواضع الكبير في عدد براءات الاختراع المسجلة بالولايات المتحدة الأمريكية، أواخر تسعينات القرن الماضي.
والواقع أن عدد ذات البراءات، إنما هو من الضآلة مما يؤشر على الضعف البنيوي لمنظومات البحث والتطوير العربية، وتدني الإنتاجية، حيث تشير التقديرات إلى أن ما ينشر بالوطن العربي سنويا، لا يتعدى 15 ألف بحثا... لو قسناه إلى عدد هيئة التدريس البالغ 55 ألف، لتبين أن معدل الإنتاجية يبقى في حدود 0.3 وهو وضع متردي، إذ لا يمثل إلا 10 بالمائة من معدلات الإنتاجية بالدول المتقدمة... و 70 بالمائة من إنتاجية علماء إسرائيل (كانت النسبة 40 بالمائة سنة 1967).
قد لا تبدو المؤشرات أعلاه كافية في حد ذاتها، للوقوف عند الواقع المتدني للبحث العلمي والإبداع التكنولوجي بالوطن العربي، لكنها لا تكتمل إلا باستحضار عنصرين اثنين آخرين، لا يقلان عن المؤشرات إياها أهمية... ورمزية:
+ الأول ويتعلق بغلبة مصادر التمويل الحكومية على معظم برامج البحث والتطوير في البلدان العربية، لدرجة يجعلها السمة المشتركة الأبرز لذات البرامج، قياسا إلى ما سواها من مجموعات ودول أخرى، حيث مساهمة القطاع الخاص من ذات البرامج معتبرة وحيوية.
+ أما العنصر الثاني فيرتبط بالغياب شبه التام لثقافة التنسيق والتكامل، التي غالبا ما تحكم منظومات شبيهة لمنظومات البحث والتطوير:
+ فالحكومات العربية تعتبر نشاطات البحث العلمي والإبداع التكنولوجي إذا لم تكن ترفا، فعلى الأقل ضمن مؤخرة "الأولويات الضاغطة"، التي تستوجب بداية المطاف ضمان المأكل والمشرب والسكن والتطبيب والتعليم وغيرها، لشرائح من البشر في تزايد متسارع، وباحتياجات تزداد حجما ونوعا مع الزمن.
+ والعديد من الأساتذة المفروض اشتغالهم بقضايا البحث والتطوير بالوطن العربي، لا يتطلعون إلى ذلك إلا إذا كان يخدمهم في ترقياتهم الأكاديمية، أو يحسن من ظروف العيش لهم ولأبنائهم.
+ والقطاع الخاص لا يعتبر البحث والتطوير عامل إنتاجية وتنافسية، بقدر ما ينظر إليه كعامل تكلفة و يحول أمره، بالتالي، إلى الحكومات بحكم "عدم الاختصاص"... وقس على ذلك.
كل هذا لا يصب فقط في تقويض سبل التنسيق بين الحكومات ورجال الأعمال والمؤسسات الجامعية أو ذات الاختصاص، بل وأيضا في الحيلولة دون بروز لبنة علمية وتكنولوجية بالإمكان الانطلاق منها والبناء على أساسها...وهو أمر تسهل ملاحظته على المستويات القطرية، كما على المستوى القومي بوجه عام.
* "البحث العلمي والإبداع التكنولوجي بالوطن العربي"، 6 شتنبر 2010.