تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السلطة الرابعة بالمغرب بين.. انصراف القراء وهشاشة المحتوى

عشرات من الجرائد تحاصر نظرك يوميا، مئات من الأخبار والمعلومات والأحداث، ملايين من الكلمات التي تغطي بياض الصحف سواء كانت مستقلة أم حزبية، تظهر صحف وتختفي أخرى، وبين كل ذلك رسائل يبحث عنها القارئ، إما ليشبع فضوله المعرفي، أو ليتسلى بملء كلمات مسَهمة أو متقاطعة، أو يتتبع أخبار الحوادث....، تتنوع رغبة كل واحد إذن من اقتناء الجريدة بتنوع الزاوية المعرفية والإيديولوجية. لكن ما معدل القراءة بالمغرب، في ظل الحديث عن أزمة خانقة أصابت المجتمع المغربي القارئ؟

وما هي طبيعة هذه الأزمة و ما مصدرها؟ هل المواد المعروضة لم تعد تلائم تطلعات القارئ، أم أن عوامل أخرى تقف وراء عزوف المغاربة عن قراءة جرائدهم؟ وماذا أعددنا لمواجهة هذا العزوف الرهيب الذي أصبح نحسا يطاردنا في معظم المجالات الحية؟

 هذه الأسئلة وغيرها سنحاول ملامستها، بمشاركة مختصين ومهتمين بالموضوع، دون أن نغفل آراء المواطن المغربي باعتباره المستهدف من كل عملية تواصلية.

أزمة قراءة

تعتبر القراءة حاجة ماسة لكل واحد لينمي قدراته المعرفية، ومهاراته التواصلية، إنه فعل قائم على إعمال الذاكرة والتركيز من أجل التحصيل الجاد والهادف، فهي تختلف إذن بين قراءة عابرة، وأخرى متفحصة ومتأنية. تختلف طرق الحصول على الخبر والمعلومة، بين فئة ارتضت لنفسها هجران القراءة والاكتفاء بوسائط تواصلية متنوعة، و أخرى تعزف على أوتار وطقوس معرفية من أجل الحصول على الخبر أهمها ثقافة السمع.

من هنا تطرح العديد من التساؤلات عن الأسباب التي تحول دون انتشار ثقافة القراءة، وبالتالي محاولة معرفة الوسائل القمينة بالخروج من الأزمة. وهي أزمة لا تخص المغرب فقط بل أصبح صداها يتردد في شتى بقاع المعمور وإن بدرجات مختلفة، وتزداد استفحالا في الدول المتخلفة، وهكذا كلما تم الحديث عن إشكالية القراءة بالمغرب، إلا وتم ربط هذه الأزمة بـ ''سوق القراءة'' في حجمه وفي بنياته وفي طبيعة الفاعلين فيه، كتابة أو استثمارا أو تلقيا نهائيا لما يفرزه ذات السوق''، كما يرى يحيى اليحياوي، مختص في قضايا الإعلام وتكنولوجيا الاتصال.

ولايسلم حقل الصحافة المغربية من هذه الأزمة، فمختلف المعطيات تشي بما لا يدع مجالا للشك أن هناك الكثير ممن لا يقتنون جريدة إلا في القليل النادر، وفي هذا الصدد خلصت دراسة أكاديمية إلى أن عدد الذين لا يقرؤون جرائد بلغ 30% من عدد المستجوبين، وبلغت نسبة من يقرؤون جريدة مرة واحدة في الأسبوع حوالي 15%، بينما لم يتجاوز18% من يطلعون على مضامين جريدة مرتين في الأسبوع، ووصلت نسبة الذين يقرؤون الجرائد أربع مرات 7%، أما من يطالعون الجرائد خمس مرات فقد حددت في 5%، وتجاوزت نسبة من يدمنون قراءتها طوال الأسبوع 30%. وقد همت الدراسة، التي أنجزها المركز الدولي للدراسات الإستراتجية والحكامة الشاملة بتعاون مع مؤسسات أخرى بالمغرب، 1457 شخصا, 58 بالمائة من الذكور و42 بالمائة من الإناث.

ضعف المضمون

الأرقام المذكورة سلفا متباينة وتستحق أكثر من قراءة وتشخيص، فيحيى اليحياوي، في تصريح لـ''التجديد''، عزا عزوف المغاربة عن قراءة الصحف إلى عوامل ذاتية تتمثل بالأساس في غياب مضمون يغري القارئ باقتناء الجرائد، ذلك أن ما يتوفر من إنتاجات ''إذا لم تكن رديئة ومكررة فهي بالقطع متواضعة ولا ترقى إلى ما يطلبه القارئ منها''، ضاربا المثل مثالا بالجرائد الحزبية التي تراجعت مبيعاتها بشكل ملفت للنظر لأنها لم تعد تلامس قضايا المواطن.

رأي اليحياوي يؤيده يونس مجاهد، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، الذي اعتبر غياب الجودة المطلوبة، التي تمكن الجرائد من تقديم نظرة شاملة على كافة الأحداث، من أكبر الإكراهات التي تحول دون توسيع دائرة القراءة.

ع العزيز، (متقاعد) بدوره يطالب بتوفير جرائد تحقق السبق الصحفي، ''لا جرائد حزبية لا مصداقية لها ''، على حد قوله، وعبر سعيد (40 سنة) من جهته، عن أسفه للمستوى الذي وصل إليه هذا النوع من الجرائد قائلا: ''الناس تبحث عن الخبر (الحقيقة)، أما الجرائد التي تعبر عن آراء الحزب فلا خير فيها''، مضيفا بنبرة ساخرة ''فلتوزع الجرائد الحزبية بضاعتها على مناضليها''.

 ضعف المحتوى لا يقتصر فقط على الجرائد الحزبية بل يتعدى ذلك إلى الصحف الخاصة (المستقلة)، هذه الأخيرة، حسب اليحياوي، لا تحمل من الصفة إلا الاسم لأنها ''تدور في فلك جهة معينة من الجهات، المال أو السلطة، لكن رغم ذلك أصبحت تلامس قضايا كبرى كانت إلى عهد قريب طابو يصعب دخوله''.

ضعف المضمون هذا حاول ملامسته، سعيد يقطين، أستاذ السيميائيات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية محمد الخامس بالرباط،، عبر وصفه بـ''ضيق الأفق المعرفي، بحيث تكون الصحافة عاكسة للشارع، وتعمل بالتالي عما يضمن ارتفاع المبيعات، فتكون الاستجابة لما يتوقع أن الجمهور يقدم عليه، ولو على حساب الجودة''، حسب تصريح يقطين لـ''التجديد''.

وهذا ما حاولت مريم، تلميذة 16 سنة، الإشارة إليه بقولها ''أنا لا أقرأ الجرائد لأنها تحاول تضخيم الأمور كثيرا، ولها أهداف تجارية محضة دون مراعاة المضمون''.

انتشار ثقافة السمع

إلى جانب غياب المضمون، هناك إحساس تولد لدى القارئ بأنه لا جدوى ولا نفع يمكن أن يجنيهما من القراءة، كما أن الثقافة الشفوية السائدة قد تحول دون توسيع دائرة المتلقين، فالقارئ، يقول اليحياوي، ينفر مما هو مقروء لأنه يجعل مسافة بين القارئ والخبر مما يسبب التعب ويتطلب التفكير والتركيز أكثر .

بالإضافة إلى أن هناك عاملا آخر يتمثل في الانفجار التلفزيوني والرقمي، الذي أغرى المواطن باكتشاف هذا العالم الجديد، مما أغناه عن ركوب دروب القراءة الوعرة ومنحدراتها المُشْكلِة.

كما أن غلاء ثمن الجرائد مقارنة مع دول أخرى يساهم بدوره في تفشي الأزمة خصوصا أمام تدني القدرة الشرائية وتعطل الدورة الاقتصادية ومحدودية السوق الداخلي، التي لازالت تضرب أطنابها بقوة، وهي وفق هذه الرؤية، أزمة تستنبط مصدرها من أزمة القارئ حسب إدريس الوالي، رئيس الجمعية المغربية للصحافة الجهوية، دون أن يغفل تفشي الأمية، وضعف التوزيع في كثير من المناطق النائية مما يحرم فئة كبيرة من سكان العالم القروي من الإطلاع على جرائدهم الوطنية.

الأفق النقدي

ضعف الأفق النقدي هذا حاول سعيد يقطين تناوله بالحديث عن نمط من الصحف تحاول الاهتمام بالهموم الحقيقية للمجتمع، فتعكس أنماط الوعي، وتعمل على الرفع من مستوى الوعي بالواقع . وهي حالة، يضيف يقطين، لا يمكن أن تتحقق بدون أفق معرفي وثقافي وتخطيط معقلن، وفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر، واتخاذ المباردة الحية التي من شأنها أن تجدد في أبواب الجريدة وموادها، وتجعل من كل جريدة متميزة تميزا حقيقيا عما عداها، وتجعلها فعلا صحافة تقرأ ويحتفظ بها، لا أن تتصفح في دقائق ويلقى بها .


وبالنظر إلى الصحافة العالمية، التي تطورت وحاولت معانقة آفاق تواصلية أخرى، وفي ظل تقدم الوسائط المتفاعلة التي ساهمت في تطوير وتيرة العمل الصحفي، نجد أن الصحافة المغربية ما زالت بعيدة عن تطلعات الجمهور ومسايرة الركب.

لنقارن بين '' لومٌند '' الورقية والإلكترونية، مع أي جريدة مغربية ورقيا وإلكترونيا، سنقف حتما، يقول يقطين، على الفرق بين التطور والجمود، وبين سعة الأفق وضيقه .

حٌلم يقطين بدخول الجرائد الوطنية سوق المنافسة العالمية جعله يتساءل عن السبب في غياب جريدة مغربية دولية ؟ هل السبب في غياب الإمكانات أم الكفاءات ؟ أم لانعدام الخيال الصحفي المبدع؟ لماذا لم تتطور الصحف الوطنية والمحلية ؟ ولم تظهر عندنا بعد الصحف المجانية ؟ أبسبب الأمية ؟ أم لضيق ذات اليد ؟ أم بسبب غياب تقاليد الصحافة العريقة ؟ لماذا ما تزال معظم الصحافة المغربية تتعامل مع كتابها كمتطوعين يساهمون فيها بدون مقابل ؟ أبسبب عدم مطالبة هؤلاء الكتاب بحقوقهم ؟ أم بسبب ذهنية ترى أن الكاتب المغربي مناضل يكتفي بنشر اسمه على الورق ، وفي هذا دعاية له ، وهي فوق كل مكافأة ؟ لماذا لا تتوقف الجريدة، مثلا، وقفة نقدية، وتبين أنها ستتخذ لها خطا جديدا، وتسلك سبيلا غير السبيل بسبب تغيرات وتحولات؟.

هشاشة المشروع الثقافي والتنموي

لعل من مظاهر التقدم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للدول هو مدى التزامها بمخطط معين وإستراتجية واضحة، تسعى لتحقيق غايات معينة، أولاها خدمة الإنسان باعتباره محور كل تنمية، والفلك الذي تدور حوله كال المشاريع. وما دام محور حديثنا عن القراءة، فهل استطاعت الجهات المسؤولة أن تقدم مشروعا واضحا من أجل تشجيعها وجعلها نقطة مركزية ومحورية لكل تقدم.

ففي ما يتعلق بقراءة الجرائد بالمغرب، الأرقام تقول أن عدد سحب الجرائد لم يتجاوز 650 ألف نسخة على أقصى تقدير.  وهكذا إذا وُزع العدد على عدد السكان القادرين على القراءة، فلا يتجاوز ربع صفحة لكل مواطن.

فماذا أعد المغرب لمواجهة هذا العزوف الرهيب الذي أصبح نحسا يطاردنا في معظم المجالات الحية؟.غير بعيد عنا نجد في مصر حملة قوية لتشجيع القراءة بشتى ألوانها، عن طريق إعادة طبع الكتب وتوزيعها بثمن زهيد على المواطنين، كما يتم توزيع العديد من المنابر مجانا و تعويض النقص الحاصل في المداخيل عن طريق الإشهار.

فهل منظومتنا التعليمية تركز على القراءة كفعل تغييري تهذيبي من شأنه أن يساهم في تأهيل كفاءات، وتوفير المهارات القادرة على الانسجام مع متطلبات السوق، وذلك عن طريق تشجيع القراءة بشتى تلاوينها، وخصوصا قراءة الجرائد في القطاعات التلاميذية والطلابية، وجعلها كاستراتجية وطنية؟.

فضاء الديمقراطية

من الاكرهات التي تواجه الصحافة المغربية عدم قدرتها على تقوية البناء الديمقراطي عبر توفير فضاءات، ذات مصداقية لممارسة الاختلاف ومقارعة الحجة بالحجة وإغناء النقاش السياسي بشكل جدي ومسؤول وتطوير حرية الفكر والعقل النقدي، كما جاء في التقرير السنوي الأخير للنقابة الوطنية للصحافة المغربية حول ''حرية الصحافة والإعلام بالمغرب''.

 و أشار التقرير إلى أن مفهوم حرية الصحافة والإعلام لا يمكن حصره في المقاربة القانونية فقط، أو الاكتفاء بتسجيل الخروقات التي مورست للتضييق على هذه الحرية أو قمعها، بل هناك أشكال أخرى من التضييق على الحرية مثل احتكار الصحافة والإعلام من طرف مجموعات مالية وقوى اقتصادية لها ارتباطات بالسلطة السياسية، تتحكم في الأسواق المالية وفي المؤسسات الاقتصادية وبالتالي في التمويل والإشهار.

مما سيساهم في تضييق حرية الصحافة والإعلام، إذ قد يؤدي التحالف السياسي/ الاقتصادي إلى غلبة الرأي الوحيد، وبالتالي فإنه يقضي على التعددية والاختلاف، وعلى حق المواطن في متابعة مجريات الشأن العام عبر وسائل إعلام وصحافة غير خاضعة للتوجيهات المفروضة من طرف هذه التحالفات والمجموعات الضاغطة، كذلك فإن المفهوم الشمولي، لحرية الصحافة والإعلام يقتضي أن يكون الصحافيون قادرين على ممارسة عملهم ضمن قواعد وشروط تمكنهم من القيام بالبحث والتقصي في الوقائع والأخبار وإصدار تعليقات وتحليلات مبنية على معطيات موضوعية.

أما النظام التمويلي للجرائد، حسب التقرير، فلازالت تعتريه شوائب كثيرة تجعله بعيدا عن المساهمة في توسيع مجال حرية الإعلام بل يقلص منه بشكل موضوعي. فأمام غياب آليات حقيقية تهدف لتشجيع المقاولة الإعلامية المغربية، يجعل التدابير في المجال المقاولتي لا تميز بين المقاولة الإعلامية وغيرها.

كما تمثل بنود الورق والطباعة مجالات ثقيلة للصرف بالنسبة لصناعة النشر الصحافي عامة، وهي في بلادنا من بين أسباب اختناق المؤسسات وتوقفها عن النشاط. كما أن الإجراءات الحالية، يضيف التقرير، سواء الضريبية والجمركية أو إجراءات الدعم المباشر المتخذة غير كافية للمساعدة على مواجهة الضغط الذي يمارسه هذا الباب على حرية النشر بالبلاد.


أخلاقيات المهنة

وإلى جانب ذلك كله، تطرح إشكالية أخرى متعلقة بمدى التزام الصحافيين بأخلاقيات المهنة ومراعاتهم الضمير المهني في كل رسالة يبدعونها، خصوصا وأن بعض الصحافيين لا هم لهم إلا اصطياد عيوب الناس، وهذا ما يسيء للصحافة، ويجعل المواطن يفقد ثقته بجرائده.

الموقف إذن يتطلب التعامل مع المواد المعروضة بمهنية حضارية، والابتعاد عن كل تجريح أو نقد أساسه حسابات شخصية، فالمهنة أخلاق قبل أي شيء آخر. نحن في حاجة، يقول اليحياوي، إلى صحافيين مهنيين للتعامل مع الخبر كخبر والتعليق كتعليق، الخبر الذي نكون واثقين منه، ومتيقنين من صلابته.

هي وجهات نظر تنطلق كل منها من زاوية رؤية محددة لإضاءة جانب من جوانب الإشكالية المطروحة، لكنها تغفل باقي الجوانب أو يعتبرها عناصر ثانوية لا تؤثر كثيرا في الطرح.

ومعنى هذا أن العناصر هاته لم تستطع أن تنصهر في منظومة واحدة وفي قالب نظري واحد يكون بمقدوره تبيان مكامن الخلل، يحدد المسؤوليات ويطرح تصورا للحل أو للحلول، بالتالي فالماثل، بحسب اليحياوي، هو أن أزمة القراءة بالمغرب (كما بالمنطقة العربية) إنما جزء من أزمة '' نماذج التنمية'' التي تم اعتمادها منذ ستينات القرن الماضي والتي لم تفرز إلا التخلف والمديونية والاستبداد وضياع المرجعية والأفق وما سواها. ولما كان الأمر كذلك فإن هذه النماذج لم تنجح في إقامة أسس مجتمعات معرفية أو مجتمعات مبنية على العلم وعلى المعرفة


جريدة التجديد، 28 شتنبر 2012 (استقى التصريح: خالد الهلالي)

يمكنكم مشاركة هذا المقال