تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي: "إشهار القروض يعبر عن أزمة، وليس عن نمو أو تطور"

لست متأكدا من أن الذي نراه أو نسمعه أو نقرأه بوسائل الإعلام المختلفة (أو يعترضنا بالشوارع والمحلات التجارية) هو حقا إشهار. يبدو لي أننا بإزاء إعلانات ومناشير إخبارية ولائحات لإعلام الناس، كل الناس، بوجود مؤسسات أو مواد أو خدمات أو ما سواها.

الإعلان يختلف عن الإشهار في الطبيعة والوظيفة والغاية. فالإعلان عمودي التوجه، أحادي الخطاب، يغلب جانب المرسل على حساب المرسل إليه، ويكون محدود المدة بحكم مضمون الرسالة الإخبارية الصرفة. في حين أن الإشهار يضمر بعضا من التفاعلية، يخاطب شرائح محددة ومرتجاة (إما احتكاما إلى مستوى دخلها أو بالارتكاز على حاجاتها وتطلعاتها)، ويبقى ساري المفعول طالما اعتقد المعلن أن الرسالة لم تصل بعد لغايتها.

ثم الإشهار غالبا ما يكون تعبيرا عن مستوى نمو اقتصادي وحركية استهلاكية، تستوجب توسيع إناء الاقتناء كي لا تختنق الآلة الإنتاجية، أو تتعثر أو تتراجع وتيرتها. وهو الحال بسوق السيارات مثلا أو بمواد الزينة أو بالإعلانات السياحية ذات التوجه الإغرائي (بالأسعار أو بجودة الخدمات) أو ما سواها.  

الإشهار يستوجب إذن منظومة مرتكزة على اقتصاد سوق قوي، ويستند على توفر سوق استهلاكي بالإمكان توسيع نوعيته أو تمطيط حجمه. ولهذا السبب، كان الإشهار دوما مرتبطا بالمنظومة الاقتصادية الرأسمالية وانفتاح السوق والاحتكام إليه، في حين كان مجاله مغيبا بالمرة في المنظومات الاشتراكية أو المتبنية لرأسمالية الدولة وما سواها.

من هنا، فالحديث عن صناعة إشهارية دون وجود مقومات صناعية، أو بنية متكاملة إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا، هو أمر غير دقيق أو يعتمد بالتجاوز ليس إلا.  

أزعم فيما يخص المغرب، أنه في غياب اقتصاد قوي (مرتكز على العرض والطلب والمنافسة الحرة)، وفي غياب مجتمع استهلاك قوي، فإن ما يمرر من وصلات إشهارية/إخبارية هنا وهناك لا يخرج كثيرا عن منطق الإعلان أو الإعلام بوجود شيء ما.

هذا الشيء قد يكون مؤسسة عمومية تتطلع لإعلام الجماهير بطبيعة وأهمية ما تقدم من خدمات أو ما أحرزته من "إنجازات". الجانب الثاني في هذه المعادلة، هو الطاغي عموما بحكم اندغام المؤسسة في شخص مديرها العام، الذي يتطلع إلى إبراز "عبقريته وقدرته على التسيير والتدبير" وما سوى ذلك... وغالبا ما يكون في ذلك نصيب من الكذب وتحريف للإحصاءات وللأرقام أيضا.

 الكل هنا محكوم بأطروحة "أنا أشهر إذن أنا موجود"...بالتالي، فالمؤسسة والسلعة تنبريان ضمنيا أمام "السيد المدير العام".

وقد يكون (الشيء المراد الإعلان عنه) مؤسسة طاولها الفساد والارتشاء والمحسوبية والزبونية وانفضح أمرها، فيريد "الأبطال الجدد" تبييض بعض من سمعتها. ولك حالات المؤسسات العمومية الضخمة التي لا ندري مآل ملفاتها المعروضة أمام المحاكم...والتي تقدم إعلانات هنا وهناك، للقول بأنها أضحت بين "أياد أمينة"، وهو أمر غير مؤكد بالمرة على اعتبار أن الفساد ملة، وليس طقسا عابرا.   

وقد يكون هذا الشيء مؤسسة خاصة (وغالبا ما تكون كبيرة) تروج لمنتوجاتها أو لخدماتها، أو تعاود الإعلان لما تم لها تسويقه. هي أيضا لا تخرج عن النطاق المؤسساتي، ليبقى الجانب التجاري في العملية جزءا من العملية ليس إلا. المؤسسات من هذا القبيل تعمل بالمغرب بالقطاعات الخدماتية تحديدا، أو بالصناعات الغذائية الأولية، أو تروج بالوكالة لسلع أجنبية هي ممثلها بالمغرب، وقيمتها المضافة ضعيفة نسبيا بحكم طبيعة نشاطها. 

هذا إلى جانب حالة شركتي الاتصالات التي تمطراننا منذ مدة طويلة، بإعلانات كثيفة وبكل الأوقات قل نظيرها في فضاءات أخرى، لدرجة يتعذر معها على المرء معرفة الغاية من كل ذلك في سوق (سوق المحمول تحديدا) بات مشبعا لدرجة التخمة.

 المفروض أن يكون "الإشهار" هنا موسميا موسمية السلعة أو الخدمة، تخف وتيرته عندما يبلغ السوق الإشباع، في حين أن العكس هو السائد، أي الإشهار إلى ما لا نهاية بغاية محددة أو دونما غاية موضوعية في حالات عدة...المال متوفر لحد التخمة فلم لا صرفه. وهذا أمر يستاهل دراسة بحد ذاته.

وهناك أخيرا، المؤسسات (وهي الغالبية العظمى من النسيج الاقتصادي المغربي) التي لا قدرة لديها بالمرة على ولوج الإعلام السمعي/ البصري، أو المجازفة بمواردها الضعيفة أصلا في سوق يحتكره الكبار بامتياز، فتعمد إلى وسائلها البسيطة الخاصة أو تتغاضى عن الأمر جملة وتفصيلا.

من جهة أخرى، يتساءل المرء حقا عن مكانة الإشهار في بلد كالمغرب طحنت طبقته المتوسطة طحنا، وهي المفروض أن تكون رافعة الاستهلاك بكل روافده، البدائي كما الترفيهي سواء بسواء. فضلا عن ذلك، فالإغراء الوحيد المتاح أمامها هو إغراء القروض بمختلف تلاوينها. وانتشار القرض كما هو معروف، يعبر عن واقع أزمة وليس معطى نمو أو تطور كما قد يظن البعض.

كل البنوك وبيوت الإقراض أضحت تقدم "تسهيلات"، قد تبدأ باقتناء منزل للسكن لحين اقتناء خروف العيد، أو اقتناء أدوات الدخول المدرسي، أو كساء الأطفال ايام العيد أو "مساعدة" أوليائهم على ضمان المخيمات لهم أو عطلة الصيف... وهذا يبين مستوى الأزمة التي بلغناها حقيقة. 

المفارقة أن ما تبقى من الطبقة المتوسطة منهك بقروض السكن الطويلة المدى (والقروض المنزلية المتوسطة الأجل) ولم تعد لديها القدرة على الاقتراض، بل قل إنها تقترض أساسا من أجل تسديد ما عليها من أقساط قروض بلغت آجالها. بهذه الحالة، فسواء تعلق الأمر بالإعلان أو بالإشهار، فإن القابلية قد بلغت حدها الأقصى، الذي لا يمكن التجاوز عليه وإلا فالسجن أو الانتحار. والحالات عديدة بهذه النقطة.

من زاوية أخرى وعلى الرغم من شح الدراسات والمعطيات الإحصائية، فإن السوق (سوق الإعلان بالمغرب) هش وضيق للغاية، إذ لا يتعدى ملياري درهم (0.5 إلى 0.6 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، في حين يتجاوز ال 2 بالمائة بالدول ذات التقاليد الإشهارية العريقة). وعلى ضعفه، فهو حكر على ثلة من المعلنين الكبار (خدماتيين وبنكيين ودور قرض)، وعلى عدد معروف من الوكالات الإعلانية أو الإشهارية (يقال 60 وكالة في حين أن 5 أو ستة منها هي التي تحتكر السوق). ومحكوم فضلا عن ذلك، باعتبارات لا علاقة لها بالسوق أو بالمنافسة أو بالتباري الحر. وغير مقنن تقنينا دقيقا (اللهم إلا ميثاق أخلاقيات بئيس ولا يحترم فضلا عن ذلك) ويخضع لموازين القوة خارج منطق السوق، أي داخل مجال الولاء الاقتصادي والسياسي. 

 وإلا فما معنى أن يحتكر شخص لوحات الإشهار بالطريق العام في كبريات المدن دونما موجب حق؟ وما معنى أن تمنع منابر من الإعلانات عقابا لها على خطها التحريري أو مواقفها من هذا الشخص أو من هذه المؤسسة، فتبتز أو يتم الانتقام منها علانية؟ وما معنى أن يلجأ المسؤولون إلى أشخاص و"وجوه" لا لشيء إلا لأنها تستهويها غناء أو تمثيلا ومعظم هذه الوجوه تافهة بالمقاييس الفنية...ومنهم أجانب يتحصلون على الملايين للوصلة الواحدة؟

ما يزيد هذا المجال غموضا وضبابية وغياب الشفافية من بين ظهرانيه، كون الوكالات تتقاضى تعويضاتها من المعلنين ذاتهم، وليس من الوسائل التي مررت الإعلان. بالتالي، لا يدري المرء كم تقاضت هذه الوكالة ولا حجم ما تقاضاه هذا الشخص وقس على ذلك. 

صحيح أن بعض الوجوه تسترزق من ذلك في ظل رداءة مجال الفن والتمثيل، لكن هذا لا يعفي المعلن من المسؤولية، سيما عندما يتدخل مباشرة للتأثير في الرسالة أو فرض رؤيته الخاصة في جهل له مطبق في الغالب الأعم بالميدان، أو دراية من لدنه بأن الإعلان يقتل الإعلان، إذا بولغ في تمريره لدرجة القسر. وهو أمر يجد بعضا من تفسيره في أن معظم المدراء العامون "المغاربة" تلقوا تعليمهم بالغرب، فأضحت ثقافتهم غربية، فلا يعلمون مثلا مدى حساسية المجتمع لبعض الإشهار من قبيل فوطات نظافة النساء والعائلة مجتمعة على المائدة وهكذا.

هم، بهذا الجانب، لا يتطلعون إلى تحفيز الاستهلاك ولكن إلى تغيير نمط الاستهلاك، وهذا أمر فيه نظر في مجتمع محافظ كالمجتمع المغربي، وقد أسر لي بذلك أكثر من شخص.  

هناك إذن خلل بنيوي يطاول منظومة الاقتصاد والمجتمع (بجهة إنتاج وتوزيع الثروة)، ويطاول بالتالي باقي الروافد وضمنها الرافد الإعلاني. وهو رافد يحتاج إلى تقنين وإلى ميثاق سلوك، وإلى شفافية وإلى مراقبة. وهو أمر لا يمكن إدراكه بهوس الربح ومنطق السوق العشوائي الذي نعيش في ظله منذ مدة.

أعتقد أن آفاق القطاع يجب أن تطرح بهذه الزاوية، زاوية توسيع الوعاء الاقتصادي والاجتماعي (مع إعادة النظر في سياسات إضعاف الطبقات الوسطى)، وبزاوية تحديد قواعد اللعبة بين الفاعلين بالسوق الإعلاني، مع توضيح الغاية من العملية كلها (هل المراد التحفيز على الاستهلاك، أم خلخلة نمط الاستهلاك). حينها وحينها فقط، يمكن أن نضمن الانتقال من سوق للإعلان إلى سوق للإشهار.    

* "يحيى اليحياوي لمجلة الإنسان الجديد: إشهار القروض يعبر عن أزمة، وليس عن نمو أو تطور"، مجلة "الإنسان الجديد"، شهرية، العدد 16،15  فبراير 2007.

يمكنكم مشاركة هذا المقال