تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"جوجل هبة المجازفة والطموح"

"جوجل هبة المجازفة والطموح"

تقديم كتاب "جوجل" لزكريا سحنون

تقديم هذا الكتاب أمر هين ومتعذر في الآن ذاته. هين طالما معلوماته كثيفة وبعده البيداغوجي حاضر. ومتعذر لأن هذا الكتاب لا يمثل إلا اللبنة الأولى لمشروع بحثي، أزعم أن صاحبه لم يعمد هنا إلا إلى تحديد معالمه الأولية، ورسم توجهاته الكبرى، وإن باحتشام وتواضع كبيرين.

ليس هذا هو المهم. المهم برأيي، أن القارئ سيجد نفسه حقا بإزاء كتاب غني بمعلوماته، سلس في قراءته، مرتب في أفكاره، موثق في مراجعه، ومنظوم برؤية تؤطر له السياق والخلفية. ولهذا السبب، فلن أنتظر لحين الانتهاء من هذا التقديم للقول بأن هذا الكتاب مهم للغاية، ليس فقط من زاوية أنه أماط اللثام عن محرك بحث بالويب، تحول إلى شركة عملاقة في أقل من عقدين من الزمن، ولكن أيضا لأنه يؤكد بقوة أن ظاهرة جوجل إنما تعبر عن تموجات الرأسمالية وانتقالها من رأسمالية صناعية، مرتكزة على السلع والخدمات المادية، إلى رأسمالية معلوماتية، معرفية وإدراكية، تتأتى القيمة المضافة بداخلها من البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، ومن السمو بمقام الكفاءات وقيم المجازفة والطموح.

وهو ما يبدو للكاتب جوهريا، وإلا لما كان له أن يركز في بحثه على الأصول البحثية، بالجامعات والمختبرات وبمراكز البحوث، والتي نقلت شبكة الإنترنيت من فضائها/الأم بظل المؤسسة العسكرية، إلى شبكة نخبوية بين الباحثين والأكاديميين، ثم إلى شبكة جماهيرية، لا مندوحة عنها اليوم للحصول على المعلومات وتبادلها، ولا سبل لتجاوزها في اتصال البشر والتواصل فيما بين بعضهم البعض.

إن تركيز الكاتب على التراكمات النظرية والتطبيقية التي واكبت الإنترنيت وتكنولوجيا الويب بوجه عام، بالموازاة مع الانفجار المعلوماتي وازدياد الحاجة إلى البيانات بين الأفراد والجماعات، إنما مرده التطلع إلى مصادر للمعلومات مفهرسة، مرتبة، سهلة التخزين والاسترداد، ثم التداول والشيوع والبلوغ إليها بيسر.

التحدي الأساس بهذه النقطة، لا يبدو محصورا في حجم المعلومات المتزايد، ولا في الحصول على المراد ضمنها، بل أضحى متمحورا حول السبيل للنفاذ إليها مباشرة، واستردادها دون تيه أو عناء في التصفيف أو التصنيف. فظهرت تكنولوجيا البحث مع اختراع الويب، وأضحت محركات البحث العنصر الفيصل الذي على أساسه بتنا نعرف ما قبل الويب، ونستشرف ما قد يأتي بعده.

لقد فصل زكريا سحنون في هذا الجانب كثيرا، وعمد إلى تبسيط المصطلحات والمفاهيم واللوغاريتمات، ولكأني به يوجه كتابه إلى متواضعي المعرفة بالشبكة وتفرعاتها، عوض أن يذهب بنا مذاهب تقنية، قد لا يدرك تعقيداتها ودهاليزها إلا "أهل العلم" من التقنيين والمهندسين ومصممي البرامج. وأزعم هنا أن القارئ لن يمل من مسايرة فصول الكتاب وفروعه، حتى وإن بدت له لأول وهلة، مستعصية في شكلها أو في مضمونها.

ليس في الأمر مصادفة. فالكاتب هو بالبداية وبالمحصلة، صحفي بأحد المنابر المكتوبة، ولذلك فلغته تنهل من هذا المجال، مجال الصحافة، حيث المفروض أن يكون التوصيف مباشرا، والتحليل واضحا، واللغة "مقدور عليها"، والأسلوب سلس، "خفيف على القلب".

وليس في الأمر سرا أيضا، فالكاتب، وهو خريج جامعة محمد الخامس شعبة الاقتصاد، هو المشرف العام على موقع جريدة التجديد بشبكة الإنترنيت، وهو القائم على تحيين مواده، وانتقاء بعض المضامين المختارة لتمريرها به. التقنية في تكوين  ومواصفات المؤلف غائبة، لكنه استثمر وأبحر فيها بقوة، فتعلم لغة الحاسوب وبرمجياته، حتى ليخلو لك وأنت تحدثه بهذا الجانب، ولكأنه حقا مهندس معلومات.

وأزعم، من ناحية أخرى، أن اهتمامه بجوجل كمحرك بحث، لم تمله عليه انشغالاته كباحث شاب، بل أملته عليه مهمته كصحفي أيضا، هوسه الأول والأخير البحث عن المعلومة، ثم الاشتغال عليها، ثم توزيعها ونشرها، ارتكازا على هذا الحامل الإعلامي أو ذاك.

لم أكتب هذه السطور مجاملة لشخص له في نفسي معزة خاصة. ولم أكتبها لأثني على مناقب فيه طيبة، يعلمها كل من جالسه أو عاشره أو استشاره في أمر. ليس هذا هو الغرض المقصود هنا.  إني أكتبتها لأن صاحب الكتاب قد اجتهد حقا لإخراج هذا العمل، واجتهد أكثر لتبسيط موضوع يتداخل بصلبه البعد التقني بالاقتصادي بالمؤسساتي بالتنظيمي بما سواهم، ناهيك عن بعد المحيط الحاضن الذي يرفع مبدأ التحدي مقامات، ويجعل من المجازفة قيمة إيجابية دافعة، مجندة، وليس مخاطرة ينصح بتجنب ركوبها.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأن جوجل كانت مجازفة بكل المقاييس، لكنها لقيت الصدر الحاضن، فانطلقت دونما تردد أو خشية:

+ فمؤسساها التقيا صدفة بإحدى الدورات التوجيهية بجامعة ستاندفورد في العام 1995، ولم يستلطفا بعضهما البعض، وكانت نقاشاتهما حادة، لكنهما كانا يتقاسمان نفس الرؤية بخصوص البحث عن المعلومات بقواعد المعطيات الكثيرة والمتنوعة.

فكان مشروعهما حول محركات البحث (باكغروب) حيث هدفا إلى منافسة المحرك الشهير ألطافيسطا، من خلال تنظيم المعلومات على نطاق عالمي، بغرض جعلها سهلة الولوج والاستعمال من لدن الجمهور. فكان لهما ذلك، إذ استطاعا بناء شركة ضخمة بدأت ب 39 عامل في العام 1998، وانتهت اليوم إلى ما يزيد عن 20 ألف.

+ ومؤسساها جازفا بإنشاء شركة لم يكونا يملكان التمويل الضروري لقيامها، فتدبرا بعضا من المال هنا وهناك، واستأجرا مرأب سيارات في "منلو بارك" بكاليفورنيا. فكدا واجتهدا وثابرا، حتى بنوا شركة يبلغ رقم معاملاتها اليوم مئات الملايين من الدولارات، بعدما انتقلوا إلى بالو ألطو ثم إلى "مونطين فيو"، حيث كبريات شركات المعلومات الأمريكية والعالمية.

+ ثم إن مؤسسا جوجل بدءا بنشاط أصلي متواضع حول البحث بالإنترنيت، ثم توسعا إلى الخدمات فالتكنولوجيا، ليصبحا تدريجيا من كبار مصممي برامج البحث في الإنترنيت، ومن كبار واضعي براءات الاختراع. إن عمل هذين الشابين ومثابرتهما هي التي جعلت رسملة الشركة نهاية العام 2010، تصل إلى حوالي 185 مليار دولار، بفضل مئات الملايير من الوثائق المفرهسة، وبفضل محرك بحث يمكن استعماله من لدن أكثر من 112 لغة، ويسيطر على 68 بالمائة من السوق العالمي لمحركات البحث.

+ ثم إن الشابين استطاعا خلق بيئة عمل راقية نستطيع تسميتها دون مبالغة ب"بيئة جوجل"، حيث توفر الشركة كل سبل العمل والراحة لموظفيها. فالأكل بالشركة مجاني، ومرافق الرياضة والترفيه والتسلية متوفرة، واصطحاب الموظفين لحيواناتهم المفضلة متاح، وتعويض البحوث الشخصية قائم، وتعويض من يستقطب الكفاءات لفائدة الشركة مغري، وقس على ذلك.

إنها ثقافة المقاولة الناجحة بامتياز. لذلك، فعندما يتحدث زكريا سحنون عن البيئة الحاضنة انطلاقا من الجامعة ووصولا إلى السوق، مرورا بالبنيات الوسيطة، فإنه يبعث لنا جميعا برسالة واضحة مفادها: أن رأس المال في مجال البحث العلمي والإبداع التكنولوجي ضروري دون شك، لكنه بالقطع غير كاف لضمان النجاح، إذا لم نوفر لذلك الفضاء الحاضن، الذي يشجع المبادرة ويدفع بها للأمام، عوض العمل على طردها أو خنقها أو التحامل عليها لهذا الاعتبار أو ذاك.

الرباط، 5 يوليوز 2013

يمكنكم مشاركة هذا المقال