تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"حوار الحضارات" أو في الحوار كفضيلة كونية

news-details

لم تبرز أطروحة "حوار الحضارات"، كرد فعل آني وعفوي على أطروحة "صراع الحضارات"، بل كانت سلوكا معتمدا، ومطلبا سابقا عليها في الزمن والمكان، ثم استمر ذات المطلب بعد بروز وانتشار أطروحة الصراع، لكن بوتيرة أقوى وبوهج أشد، ولربما أيضا بحماسة لا توازيها إلا الحماسة التي واكبت أطروحة الصراع إياها.

ومع أن العديد، بالشرق تحديدا، ولها بالغرب روادا كبارا دون شك، يرى بأن الفكرة، إنما هي مجرد تعبير عن موقف تكتيكي مؤقت، تقتضيه طبيعة إدارة الصراع في المرحلة الحالية، حيث اشتد الصراع، وازداد التطرف وتقوى الغلو، فإن العديد أيضا، بالغرب كما بالشرق، إنما رأوا في الحوار مسألة مبدئية، لا يجب التخلي عنها، وإلا فترك المجال أكثر سعة لسلوك التطرف والغلو ورفض الآخر، وما سوى ذلك.  

تنطلق فكرة "حوار الحضارات" بين الغرب والأمم الأخرى (على الأقل الأمم التي تحدث عنها هنتنغتون، بخلفية قراءة دينية، وعلى أساس منظومات القيم القائمة) تنطلق من مسلمة أن الحضارات، كل الحضارات الكونية، لا تتصارع بالأصل، بقدر ما تتواصل وتتحاور، وأنه لو كان ثمة قطيعة ما، بزمن ما، في ذوات الحوار والتواصل، فمرده إلى الحسابات السياسية والجيوستراتيجية والاقتصادية، وليس مرده استعصاء ما، من طينة ما، من لدن هذه الحضارة أو تلك، لرفض الحوار، أو إبداء التمنع للذهاب به إلى أقصى مدى ممكن.

إن الحوار بين الحضارات من هنا، إنما هو بالبداية وبالمحصلة، حوار بين جماعات ومجتمعات وثقافات من بين ظهراني هذه الحضارات، موضوعته الأساس "ليس هويتي وهويتك، وقيمي وقيم الآخر، ولكن مشكلات مشتركة، اقتصادية وسياسية وثقافية، بما في ذلك قيمية، أو مشكلات لا تحل إلا بصورة مشتركة وعالمية".

ثم إن هدف هذا الحوار "ليس الوصول إلى إضعاف الاختلافات الثقافية والحضارية، ولا إلى إيجاد تسوية بين القيم المختلفة التي تميزها، ولكن العمل فيما وراء الثقافات الخصوصية، لإيجاد قاسم مشترك أعظم من القيم، التي تؤسس لإجماع إنساني تاريخي"، يتم على أساسه إعادة نسج العلاقات بين الدول والأقوام والشعوب، على قواعد جلية وواضحة.

وهو (أي الحوار)، فضلا عن ذلك، لا يتم فقط من خلال محاولة التقريب بين قيم وتمثلات ورموز كل حضارة، ولا بإضعاف ما يمثل خصوصيتها وتميزها وتمايزها، بل وأيضا "من خلال توسيع دائرة مشاركتها في مرجعيات إضافية، وتحريرها من ثمة، من حتمية الاعتماد المطلق والأحادي على مرجعياتها الثقافية التاريخية... وهذا يعني إيجاد فرص أكبر لتنويع هذه المرجعيات، بحيث يبدو الانفتاح على الآخر إثراء للنفس، لا إفقارا لها".

ثمة ثلاثة توجهات كبرى، من بين أضلع أطروحة حوار الحضارات، تتميز عن بعضها البعض، ليس فقط في درجة إيمانها بذات الأطروحة، ولكن أيضا من زاوية الأهداف التي يتغيؤها الدافعون بكل طرح على حدة، الثاوون خلف ترويجه، على أساس من هذه الخلفية أو تلك:

+ الأول ويكمن في الاعتقاد بأن حوار الحضارات إنما هو سنة كونية، تستوجب من الأمم والشعوب، من الثقافات والمرجعيات ومنظومات القيم، الاتصال والتواصل، إذا لم يكن بغاية درء المفاسد وتعظيم الفوائد والمصالح، فعلى الأقل ضمان الحد الأدنى من التعارف بين الناس، إعمالا لقوله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

حوار الحضارات، بناء على ذلك، ليس خيارا أو مرادا، ولا هو من باب الاختيار الطوعي، بقدر ما هو مبتغى إنسانيا، تتطلع الأمم والشعوب لنهجه، بغية إعمال مبدأ أخلاقي وديني، مبدأ التعارف بين الحضارات، أيا تكن مرتبتها في "سلاليم التقييم" المعتمدة.

+ التوجه الثاني وينطلق من القول بأنه إذا سلم المرء بأن الحوار بين الحضارات هو سنة كونية قائمة، وفضيلة إنسانية ثابتة، فإنه وبالآن ذاته، مدخل أساس لإدراك مصالح البشر المباشرة والعملية، المادية منها كما اللامادية سواء بسواء.

قد تكون ذوات المصالح ذات طبيعة اقتصادية أو تجارية أو سياسية، الهدف لإدراكها ربط وشائج الاتصال والتواصل، أو بغرض فتح السبل لتسهيل تبادل السلع والخدمات والرساميل وغيرها. وقد تكون من طينة ثقافية صرفة، كنهها التمهيد لتبادل مخرجات المعلومات والعلوم والمعارف وبنوك المعطيات. وقد تكون بالسياق ذاته، محكومة برغبة في تعضيد مرتكزات الملك الكوني المشترك، سيما بزاوية صيانة اللهجات واللغات المحلية المهددة، أو الحفاظ على التنوع الثقافي والحضاري القائم، أو الحيلولة دون اندثار الموروثات الشعبية التي تكتنزها هذه الحضارة أو تلك، وقد يكون ما سوى ذلك.

+ أما التوجه الثالث (ويدفع به مفكرو الغرب تحديدا)، فمفاده القول بأن الحوار بين الحضارات لا يجب أن يكون هدفا في حد ذاته، أو غاية محددة الأفق، بقدر ما يجب أن يكون أداة ووسيلة، هدفها الأساس تكسير منظومة تنامي العداء للغرب، من قبل شعوب "بربرية"، تعيش و"تقتات" على التطرف والغلو، ومعاداة الحضارة المادية الغربية.

بالمقابل، وعلى النقيض من ذلك، ينبه ذات التوجه إلى مكامن الخطر التي بدأت تحملها بعض من الطروحات الممتطية لناصية تقسيم العالم إلى محاور في الخير والشر، سواء من لدن بعض المفكرين والسياسيين الغربيين، أو من لدن بعض الجماعات والأقلام، بالعالم الإسلامي تحديدا، التي تنظر وما فتئت تنظر إلى الغرب بعيون اختزالية، أو بالبناء على ترسبات تاريخية، أو انطلاقا من أحكام ومواقف مسبقة.

هي ثلاثة توجهات كبرى، تعتمل بداخل أطروحة حوار الحضارات، نجد لها العديد من الروافد بالغرب، ومن بين ظهراني الحضارات الأخرى أيضا، وفي مقدمتها الحضارة العربية/الإسلامية، التي غالبا ما يشار إليها بالأصبع بهذا الشكل أو ذاك، منذ ظهور أطروحة صراع الحضارات (ولربما قبل ذلك بكثير) وإلى اليوم. لكنها، فرادى أو مجتمعة، تتقاطع في تأكيدها على ضرورة توافر ثلاثة مقومات كبرى، لا يمكن لأي حوار بدونها أن يقوم، فما بالك أن يستقيم بغيابها، أو بالتجاوز على أحد من عناصرها:

°°- الأول ويكمن في مقوم الندية في التواصل والحوار، ليس فقط من باب التكافؤ، لحدود التماهي والتساوق، ولكن أيضا من باب استبعاد عامل الاستكبار لدرجة التكبر، والتطلع بالتالي لإعمال سلوك الاختراق اللين، المحيل على الهيمنة الخشنة، التي غالبا ما تستتبع ذات الاختراق في حله وترحاله. والغاية من الدفع بمقوم الندية هنا، إنما مدعاته الخروج من نسقية في الفكر الرائج، والإعلام المروج له، والتي مؤداها أن الحضارة الغربية إنما هي مركز التكنولوجيا والعلم والمعرفة، وأن الليبيرالية بأبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية، هي قلب هذه الحضارة، وأنها هي الوحيدة القادرة على تحقيق حرية الأفراد والجماعات على حد سواء، وضمان تكريس ثنائية الحق والواجب، الذي لا مواطنة بدونه تذكر.

والغاية منه أيضا (من مقوم الندية في الحوار أعني)، إنما تقويض مسلمات أن الحضارات غير الغربية، إنما هي حضارات بربرية، متطرفة، مجبولة على العنف، كما كان الحال زمن المواجهة الصليبية، التي استحالت في ظلها سبل الحوار بين المسيحيين من جهة، والمسلمين واليهود من جهة أخرى، تماما كاستحالة الحوار بين العبد والسيد في أي زمن من الأزمان.

°°- المقوم الثاني ويتمثل في مبدأ المساواة في الحوار، والذي من المفروض أن يؤسس لبنية وبنيان ذات الحوار، في شكله كما في مضمونه، يوجه محاوره الكبرى، ويحول دون زوغانه عن إدراك الأهداف المبتغاة من إقامته، من لدن هذا الطرف في الحوار كما من لدن ذاك، أو من لدنهما معا، إن تقاطعت الغايات وتماهت التطلعات، والتقت الدوافع والمبتغيات.

ومقوم المساواة، الملمح إليه في هذا المقام، لا يحيل فقط على بديهية احترام قيم وثقافات ورموز وتمثلات كل حضارة طرفا في ذات الحوار، بل وأيضا على بديهية الاعتراف بحقها في الاختلاف والتباين، واعتبار ذلك عنصر تنوع حضاري مثري، لا عنصرا من عناصر الفرقة والاختصام، المفضية للتنازع، ولربما بالمحصلة للتصادم.

إن فلسفة الحوار لا يمكن أن تقوم إلا بين طرفين أو أكثر، ندين، معترف بعضها بالبعض الآخر، يتمتعان بنفس الحقوق، لهما نفس الأولويات، يعلنان جهارة أن ثمة اختلافات بينهما يجب تبسيطها، أو التفاهم بشأنها، على أساس من الاتفاق على قاعدة مشتركة، على أجندة مشتركة، مصاغة بلغة مشتركة واضحة، لا تقبل عميق اجتهاد لفك تلابيبها، أو كبير تأويل لفهمها واستساغتها والتعاطي معها.

ومعنى ذلك عمليا، أنه يجب على كل حضارة أن تعترف بمقدس ما سواها من حضارات، وإلا فستنتفي سبل الحوار من البدء، ويبدو اللقاء بالتالي، أي لقاء للحوار، مصدر متاهات ومزايدات، لا جدوى من الاستمرار فيه. فإذا رفض البعض مثلا، بالمقياس الديني الصرف، إذا رفض معطى أن المسيح لم يبعث في اليوم الثالث، ورفض البعض الآخر واقعة أن ألواح القانون لم تنزل على موسى، ورفض فريق ثالث حقيقة أن محمد (ص) لم يتلق الرسالة من جبريل عليه السلام، إذا كان المناخ مناخ رفض متبادل بامتياز، قصدا أو بجهالة، فإنه من الاستحالة حقا الجلوس جماعة، في ظل إطار معين، فما بالك إعمال مبدأ الحوار، للتداول في المختلف حوله...أعني في الذي ينفع الضرع والزرع، حالا واستقبالا.

ليست المساواة هنا حكما قيميا من لدننا، على تراتبية ما بين الحضارات، بل المقصود هو من القول بأن كل الحضارات متساوية بهذا الشكل أو ذاك، ومن القول أيضا بأن "هيمنة" إحداها في زمن ما، وبفضاء جغرافي ما، هو من الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الحاملة لها، المعاضدة لها، لا من قوة ذاتية خاصة متأتية من صلبها، أو تميز ما، يعطيها صفة التفوق والسمو على ما سواها من حضارات.

°°- أما المقوم الثالث لبناء أي حوار حضاري حقيقي، فكامن في ضرورة استبعاد كل أشكال الأحكام المسبقة، أو المبنية على خلفيات إيديولوجية، أو المرتكنة إلى حسابات جيو ستراتيجية، أو المرتكزة على سلوك استثنائي، قد يصدر تلقائيا عن هذه الجهة أو منها، فتعتبره الجهة الأخرى سلوكا عاما، أي من بنية ذات الحضارة، لا عارضا من أعراضها، لا يجب القياس عليه، أو الاعتداد به، أو إصدار الأحكام على أساس من استحضاره في الحوار.

هذه المقومات الثلاثة هي التي غالبا ما تشترط وتفترض لأجل إذا لم يكن إنجاح أي حوار بين الحضارات، فعلى الأقل ضمان إقامته بما يسهل سبل الاتصال والتواصل، المحيلين صوبا على التحاور.

إنها، دون شك مقومات ضرورية وأساس، لكنها تبقى مع ذلك قاصرة وغير كافية، إن هي لم تكن مسبوقة باطلاع واف من لدن كل حضارة على الحضارات الأخرى، أي إذا لم تكن مسبوقة بتوافر القابلية على التعرف، أي بتوافر النية والاستعداد القبليان للتعرف على المحاور، أعني للتقرب منه... للتعارف معه بالخطاب العام.

* "حوار الحضارات أو في الحوار كفضيلة كونية"، شبكة الرافدين، 10 مارس 2010. التجديد العربي، 11 مارس 2010. التحالف الوطني العراقي، 12 مارس 2010.

يمكنكم مشاركة هذا المقال