تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل مهد تقرير التنمية الإنسانية العربية لمشروع "الشرق الأوسط الكبير؟"

news-details

ترتب عن نشر تقريري الأمم المتحدة عن التنمية الإنسانية العربية للعامين 2002 و 2003 ردود أفعال قوية من لدن أنظمة الحكم كما من لدن النخب المثقفة تماما كما ثارت ثائرتهم مجتمعين عقب صدور وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" ونشر مسودتها الأولى بمنابر الإعلام كما بالعديد من مواقع الإنترنيت.

والواقع أن الذي جر التحامل الأعظم على التقريرين وصب جام الغضب على الوثيقة إنما أمران مركزيان اثنان من غير الموضوعي التحايل عليهما:

+ أما الأول فلكون التقريرين وضعا اليد بدقة لا بأس بها على مكامن الخلل بالمنطقة العربية عبر وقائع واستشهادات ومعطيات إحصائية (بإشراف من خبراء عرب) تجعل من المنطقة إياها وبكل المقاييس في مؤخرة أمم وشعوب الأرض: فمعظم سكان المنطقة أميون وعاطلون ومحرومون من أبسط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومعظمهم محرومون من الاستفادة من أدنى معيار للحرية والحق في التعبير، ناهيك عن شتى ضروب استصدار مكامن السيادة من بين ظهرانيهم من لدن حكام متسلطين أوصلوا بلدانهم إلى أقصى النفق المسدود.

+ أما الثاني فلأن الوثيقة (بناء على معطيات التقريرين فيما يبدو) حملت لواء الإصلاح ودفعت به إلى حد الحتمية في وجه العديد من نظم الحكم التي(تقول الوثيقة) إذا لم تنتهج سبيل الإصلاح فإن في ذلك "تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة وللمصالح المشتركة لأعضاء مجموعة الثمان" الكبار.

بالتالي، فلم تتأت ردود الفعل فقط من "جرأة" التقريرين ووضعهما لأنظمة الحكم العربية في المحك، ولا فقط من وثيقة زكتهما شكلا ومضمونا لتحدد مفاصل الإصلاحات المطلوبة، بل وأيضا لأن التقريرين كما الوثيقة حملوا أفكارا ومشروع إصلاح جعلوا الحكام العرب (بمختلف عناوينهم وألقابهم ومسمياتهم الشكلية) في حل أو يكادوا من سلوك اعتادوه وممارسات أطنبوا في اعتمادها:

- فالتقريرين كما الوثيقة أبرزوا بما لا يدع مجالا للمزايدة، غياب الديموقراطية والحرية وانتفاء مبادئ حقوق الإنسان من بين أضلع الحكام العرب واستتباب الحكم الفاسد بالاقتصاد كما بالإدارة كما بمختلف مرافق حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما بغيرها.

وعلى هذا الأساس (تقول الوثيقة كما يشير إلى ذلك التقريران) فإن "أولويات الإصلاح...هي السبيل إلى تنمية المنطقة. فالديموقراطية والحكم الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق داخله التنمية، والأفراد الذين يتمتعون بتعليم جيد هم أدوات التنمية، والمبادرة في مجال الأعمال هي ماكينة التنمية".

لا مناص إذن، وفق ما سبق، من تشجيع الديموقراطية وإقامة الحكم الصالح.

- والتقريران (سيما تقرير السنة 2003) كما الوثيقة سواء بسواء، يقرون صراحة أن "منطقة الشرق الأوسط الكبير" قد أخفقت كثيرا في "مواكبة العالم الحالي ذي التوجه المعرفي" العميق والذي قوامه البحث العلمي والإبداع التكنولوجي في شتى مناحي العلوم والتكنولوجيا.

ولما كانت المعرفة هي "الطريق إلى التنمية والانعتاق، خصوصا في عالم يتسم بعولمة مكثفة"، فإن التقريرين كما الوثيقة يطالبون بضرورة " بناء مجتمع معرفي" يبدأ بمحو الأمية وتقليصها بين الرجال والنساء وصولا إلى تشجيع التعليم عبر الإنترنيت والعمل على "تدريس إدارة الأعمال" مرورا بإصلاح كل مكونات التعليم الوسيطة التي تتطلب المعالجة. لا مفر إذن، بناء على ذلك، من التوجه "نحو إقامة مجتمع المعرفة".

- والتقريران (والوثيقة أيضا) يلاحظون ضيق الفرص الاقتصادية بالمنطقة العربية جراء سياسات قائمة "تخنق" القطاع الخاص ولا تدع له مجال المبادرة حتى يكون من شأن ذلك إفراز "طبقة متمرسة في مجال الأعمال".

بالتالي، فالمطلوب والمطالب به إنما ضرورة عمل النظم والحكومات على " توسيع دائرة الفرص الاقتصادية" لأن نمو الطبقة إياها هو "عنصر مهم لنمو الديموقراطية والحرية" والرفاه العام.

إلا أنه على الرغم من الرجة الكبرى التي استتبعت نشر التقريرين وتحفظ معظم الأنظمة العربية على "جرأته الزائدة" و"تدخله في شؤون الدول الداخلية"، فإن ذات الرجة سرعان ما خفت بإعلان القائمين عليهما بأن الذي أنجزوه إنما هو بحث علمي وجهد ميداني وليس بأي حال من الأحوال تهجما على هذا النظام أو ذاك، تدخلا في سيادة هذه الدولة أو تلك، ناهيك عن أن يكون برنامج عمل للتطبيق المباشر.

لم تلق وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" التفهم ذاته ولا عناوين التخفيف التي شفعت للتقريرين تجاوز بعض الحدود أو احتضان بعض المؤسسات لحملة إطلاقهما:

+ فهي اعتبرت من البدء "إملاء خارجيا" صاغته الإدارة الأمريكية وتبنته مجموعة الثمان الكبار وأضحى مهيئا للتنفيذ بمنطقة لم يستشر القائمون على الشأن العام بها ولا تسنى لهم إبداء الرأي في ذلك شكلا أو جوهرا أو جدول تنفيذ.

بالتالي، فهم لم يطعنوا في خلفية الوثيقة كونها تعلي راية الإصلاح، بل طعنوا فيها جهارة كونها " تفرض الإصلاح من الخارج" في حين، يقول هؤلاء، إن الإصلاح منبعه الداخل " وفقا لخصوصية كل بلد وطبيعة كل أمة وشعب".

+ وهي اعتبرت من البدء (ضمنيا بالأساس) بأنها "صنيعة" إدارة أمريكية متطرفة لم يعد من مصلحتها تحديد فضاء نفوذها، فأضحت (على خلفية من إيديولوجيا الإرهاب التي استنبتتها أحداث الحادي عشر من شتنبر) تملي تصورها على العالم أجمع وضمنه تحديدا منطقة الشرق الأوسط حيث النفط و"منابع الإرهاب" والحليف الاستراتيجي الأول.

+ وهي اعتبرت، منذ تسريبها وإلى حين تداولها في العلن، اعتبرت (وإن بالتلميح المضمر) تشتيتا للمنطقة العربية (سيما بعد احتلال العراق)  وإقحاما قسريا لأجسام غريبة (كإسرائيل) لا يمكن لنظام حكم أن يصرف لمحكوميه الغاية من القبول بها أو المصلحة القائمة في ذلك بالجملة والتفصيل.

يبدو الأمر، بناء على ما سبق، أن "التحامل" على الوثيقة (وإلى حد ما على التقريرين) لم يطل مضامينها وجوهرها، بقدر ما طال نبرتها "وعنف" الأجرأة التي تضمنتها.

ومعنى هذا أن معظم الدول العربية التي وجه لها التقريرين تحديدا (بالإسم في التقرير الأول، بالتلميح في الثاني) لم تعترض على مبدأ الإصلاح (بل ادعت أنها تسعى إليه وتنهجه تحت هذا المسمى أو ذاك)، بقدر ما انتفضت على "نبرة الوعيد" المتضمنة بالتقريرين كما بالوثيقة سواء بسواء.

ومعناه أيضا أن الذي أزعج نظم الحكم القائمة بالمنطقة العربية (بالوثيقة أساسا باعتبارها وثيقة رسمية أكثر من صفة التقريرين "الاستشارية") هو إفراغ ذات النظم من محتوياتها واعتبارها أدوات لمنظوم قائم. هم بالتأكيد أدواته لكنهم انزعجوا من إعمال مبدأ التشهير بذلك ووضعه بالفضاء العام.

لن نبالغ كثيرا لو قلنا إن تقريرا التنمية الإنسانية العربية كما وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" إنما يؤرخون مجتمعين لمرحلة من الانحطاط العربي غير مسبوقة ولعهد من الإهانة لا مجال للتبرم على واقعه:

+ فهما صيغا معا (على مستوى السياق) في ظرفية هيمن في ظلها اليمين المتطرف على دواليب السلطة بالولايات المتحدة وشرع من حينه في تنفيذ مشروع لديه قائم لم تعمل أحداث الحادي عشر من شتنبر إلا على تسريع وتيرته وتوسيع فضائه ليطال بالقوة أفغانستان والعراق وليطال ب "السلطة الناعمة" مناطق تراءت له "مولدة للإرهاب" لكنها تدخل في الأصل في استراتيجية كبرى لتحويل إسرائيل إلى مركز الإشعاع العلمي والتكنولوجي بالمنطقة.

التقريران، كما الوثيقة، ليسوا إذن بأي حال من الأحوال، براء من السياق الذي استنبتهما أو لنقل متحفظين من السياق الذي وفر لهم أرضية الصياغة والذيوع.

+ وهم صيغوا وتم الترويج لهم في محيط (الوطن العربي أعني) أضحت القابلية لديه قائمة لاستقبال هذا التصور الخارجي أو ذاك شريطة أن يخلصه من غياهب التخلف المزمن وواقع استصدار الرأي والفعل والقول الذي لا يزال مادته ومكمنه...بل غدا يتوارثه جيلا عن جيل دونما سبيل لتغيير واقع الحال.

بالتالي، فلم يستهجن الحكام فقط مضمون التقريرن ولا جوهر الوثيقة بقدر استهجانهم وحرجهم منهم معا كبرامج عمل  تضغط بجهة ضرورة الشروع في تنفيذها حالا أو على الأقل في المدى المنظور.

وعلى هذا الأساس، فتسليم أنظمة الحكم العربية بما جاء في التقريرين (على الأقل كواقع حال سوداوي المكامن)، لا يوازيه إلا استهجانهم لما ورد بوثيقة من بضع صفحات أماطت اللثام عن تقصيرهم وقصور النظر من بين ظهرانيهم في تقرير حاضر شعوبهم ومستقبلها.

لا يكمن جانب التقصير من لدنهم فقط في تحفظهم بالقبول بمواد التقريرين وفي استهجانهم لمطالب الوثيقة بل وبالأساس في جهلهم بأن هذه الأخيرة كما الأولين إنما هم وجهان لعملة واحدة:

+ فالتقريران صيغا ولكأنما استحضرا فلسفة ومطالب الوثيقة في جملتها كما في تفاصيلها الدقيقة.

+ والوثيقة صيغت بناء على ما أورده التقريران في رصد واقع الحال كما في "التوصيات" المترتبة عن ذلك.

إنهما توأمان لا ينفصلان في السياق الزمني كما في ردهات مكاتب تحصيل المعلومات وصياغتها، كما في خلفياتهم جميعا مشرفين عامين، كتاب أوراق خلفية، مستشاري التقريرين والوثيقة...إنهم مجتمعون صور بعضهم البعض لا تمايز بينهم إلا لون البشرة وما يتحصلون عليه من منافع ومزايا ورضا القوة الواحدة على سلوكهم.

جريدة العلم، 11 ماي 2004    

يمكنكم مشاركة هذا المقال