تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"نحــن والآخــر: دراسة في بعض الثنائيات المتداولة في الفكر العربي الحديث والمعاصر"

محمد راتب الحلاق‏، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1996، 236 ص.

1- بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف: 'لقد كان لقرب الوطن العربي من أوروبا، نتائج متعددة، سلبية وإيجابية. ومن تلك النتائج، أن التفاعل بينهما ظل مستمرا عبر التاريخ، بالوسائل السلمية حينا، وبالحديد والنار أحايين كثيرة. وكانت كل جهة من جهتي التفاعل تتأثر بحدة بما يجري في الجهة الأخرى. وقد تحملت الجهة الأضعف تبعات هذا التفاعل، ودفعت راضية أو صاغرة ضريبته... ومنذ إقامة أوروبا، مع بدايات ما سمي بالعصور الحديثة، وصنعها ما صار يعرف بالحضارة الغربية، أو النموذج الغربي للحضارة، والوطن العربي هو الجهة الأضعف، لاسيما بعد أن أتت الحضارة الغربية أكلها المادية، على الصعيد التكنولوجي، الناجم عن التقدم في العلوم الطبيعية، وانعكاسات ذلك كله على الصعيد العسكري، والاقتصادي... ومن ثم الاجتماعي.. ومن يومها ترتب على الوطن العربي أن يدفع ضريبة هذا التفاعل ، وأن يكون مجالا لممارسة النفوذ، وأن يصبر على تجاوزات الغرب".

إن العالم اليوم، يقول الكاتب، يعيش ما يمكن أن نسميه زمن المواجهة الحاسمة بين الحضارات، حيث تعمل الحضارة الغربية، ونموذجها الأمريكي الصارخ، بصفتها الحضارة المسيطرة والمستبدة، على الإطاحة بالحضارات المغايرة، ومحاولة استيعابها، ومحاصرتها، والعمل على إفنائها، وتبديدها إن أمكن.‏
بالتالي، فإن السؤال اليوم هو: ما مدى قدرتنا على ضبط مسار آلية الاحتكاك والتفاعل مع هذه الحضارة المسيطرة بما يخدم خصوصية الوجود الحضاري العربي؟

 إن موقف التفاعل يجب أن يكون من موقع التميز والاختلاف والاستقلال، لا من موقع الالتحاق والتماهي. وفي هذا التفاعل "يجب أن يتم التمييز بين ما هو مشترك وعام إنساني، وبين الخصوصيات الثقافية والحضارية. في الحالة الأولى لا تتغير الحقائق والقوانين بتغير المعتقدات، وتبدل القيم والتراث، أما في الحالة الثانية فقد تكون المتغيرات محدودة الحجم، إلا إنها تمتلك مفاعيل خاصة متميزة، قادرة على تمييز حضارة من أخرى، وشعب من آخر".

2- بالباب الأول ("الشرق والغرب في عصر النهضة العربية")، يلاحظ المؤلف أن ثنائية "الشرق/ الغرب"، من أكثر العبارات تداولا في الخطاب العربي الحديث والمعاصر، وإن نابت عنها ثنائيات أخرى مثل: الأصالة/ المعاصرة، نحن/ الآخر، الداخل/ الخارج وما سواها.‏

والمقصود بالشرق هنا غالبا هو"الشرق الأصلي"، التقليدي والقديم، الذي كان الجار والمنافس لأوروبا اليونانية والرومانية، ثم لأوروبا المسيحية، وتحول بعد ذلك إلى مشارق (شرق أدنى، شرق أوسط...الخ).

إن هذه التسمية ليست نابعة من خصائص طبيعية للمنطقة، ولا من خصائص اجتماعية أو بشرية...أو اقتصادية... بل "هي تسمية سياسية غربيه رأسمالية، تستقطب دولا غير عربية، وتستبعد دولا عربية، ولا تجد حرجا بعد ذلك من أن تمنح بطاقة عضوية" لإسرائيل"، لتكون أحد أعضاء نادي الشرق الأوسط الفاعلين".‏

الشرق والغرب، بالمعنى المتداول لهما، مصطلحان لا
يعنيان شيئا من الناحية الجغرافية، إذ لا الوطن العربي يقع شرق أوروبا، ولا أوروبا تقع غرب الوطن العربي. الشرق والغرب في نهاية المطاف مصطلحان جغرافيان، يراد بهما أشياء غير جغرافية.

والذي يقرأ ما كتبه المستشرقون، لابد أن يلاحظ النرجسية والمركزية الأوربية الغربية، بغض النظر عن تاريخية الثقافة والحضارة العربية ثم العربية الإسلامية، وهي مسألة لا يمكن إنكارها. وقد اعتبرت المجتمعات الغربية، والحكومات الغربية، ومراكز صنع القرار، أن المستشرق خبير مطلق الصلاحية في شؤون " الشرق" الإسلامي... يجب الاستماع إلى ملاحظاته ومقترحاته.

ومن
"المضحك أن الحكومات الغربية، قد استعانت بأمثال هذا المستشرق الخبير، لإرشادها في قضايا معاصرة مثل: كيفية التعامل مع القبائل العربية، وإدارة المصالح الغربية في الشرق".

فإذا كان الغرب قد غزا " الشرق الإسلامي" عسكريا واقتصاديا، وفرض عليه مقولات ، وأنماط سلوك، وإيقاعات تنمية وإدارة، أدت فيما أدت إليه إلى التبعية السياسية والاقتصادية والفكرية...فإن الاستشراق قد رافق هذا الغزو، بل وتقدمه غالبا، ومهد له الطريق على الجبهة الثقافية والفكرية.

ومع ذلك، فللاستشراق فضله الكبير الذي لا يمكن نكرانه، فهو
"عرفنا على كثير من كنوز تراثنا، وعلى كثير من المفكرين (العرب والمسلمين) الذين ظلوا مبعدين عن دائرة الضوء. والأهم من ذلك أنه لفت انتباهنا إلى أساليب منتجة في البحث، وأمدنا بأدوات منهجية ساعدتنا على إعادة تقويم كثير من الأحداث والمواقف. شرط ألا تغيب عن بالنا الأهداف البعيدة للمستشرقين، التي لابد أن تصب أخيرا في طاحونة المصالح للجهات التي تمولهم".

بالمقابل، فإذا كان الغرب قد أنشأ مفهوم الشرق بعيدا عن معطيات الواقع والتاريخ، فإن الشرق في إنشائه لمفهوم الغرب كان أقل ابتعادا عن إحداثيات الواقع، وأقل ابتعادا عن وقائع التاريخ، وأكثر موضوعية. وربما كان "سر التمزق الذي واجهه الفكر العربي الإسلامي في علاقته مع الغرب: نريد قوته، ونرفض الاستلاب أمامه.

 لقد رفع اليابانيون شعار: " علوم الغرب وأخلاق الشرق". وأكد  رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي وسواهما، على أهمية العلوم " البرانية"، وضرورة الأخذ بها. أما أخلاقهم وقيمهم، وأنماط سلوكهم، فلم تكن مقبولة، بل كانت في كثير من الحالات مرذولة. ولكن هل يمكن الفصل بين العلوم " البرانية" وتطبيقاتها التكنولوجية، وبين القيم والمعايير الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية الناتجة عنها، والسائدة معها، أو السابقة عليها؟

عموما، يقر المؤلف، يمكن أن نلاحظ أن ثمة مواقف ثلاثة، اتخذها المفكرون العرب في ما سمي بعصر النهضة من العلاقة مع الغرب: موقف الإعجاب، وموقف التماهي، وموقف الممانعة والمقاومة الإيجابية، مع العلم أن الفكر المقاوم، الذي يرى خير أوروبا ويرى شرها، فيأخذ من خيرها، ويتجنب شرها ما استطاع ، هو أقرب المواقف إلى المنطق، وإلى الواقع.

3- بالبـاب الثـاني("عـن الـتراث والهوية")، يلاحظ المؤلف أن ثنائية التراث/ الهوية من الثنائيات المتداولة في الخطاب الفكري العربي الحديث والمعاصر، وهي تكاد تكافئ من حيث الدلالة ثنائيات متداولة أخرى مثل الشرق/ الغرب، الأصالة/ المعاصرة، نحن/ الآخر، الداخل / الخارج..... وما سوى ذلك من الثنائيات المكافئة.

إن كثرة الحديث عن ثنائية التراث/ الهوية، والثنائيات المكافئة، نتيجة من نتائج العلاقة الإشكالية مع الغرب، الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية حاليا... ومن الملاحظ أن طرح هذه الثنائيات يأخذ شكلا أكثر حدة عقب كل هزيمة، أو كل منازلة خاسرة، مع هذا الغرب.‏

ففي أوقات الأزمات، وبعد الانكسارات، وعند المنعطفات التاريخية الحاسمة، "تظهر تيارات فكرية، هدفها البحث عن الذات، ومراجعة ما حدث، بقصد إعادة تأهيل الأمة، لمواجهة المصير، بكفاءة عالية، وكفاية مناسبة. وغالبا ما يتم التركيز على المشتركات التي توحد الأمة ، وتجسد إمكاناتها .. وهذه المشتركات هي ما يحدد هوية الأمة، ويظهر تمايزها. لذلك يبدأ المفكرون في البحث في هوية الأمة، والبحث عن هوية الأمة، مع ملاحظة أن البحث في الهوية بحث معرفي، أما البحث عن الهوية فبحث أيديولوجي غالبا. البحث في الهوية بحث صنع لهذه الهوية، ومتابعة لصنعها باستمرار. أما البحث عنها، فيعني أن الهوية منجزة ولكنها ضائعة، يجب البحث عنها لاستردادها. البحث في الهوية بحث علمي له أبعاده الفلسفية، بحث في وحدة الانتماء، بحث عن العام والمشترك والكلي في هذا الذي يبدو وكأنه خاص وفردي وجزئي. بحث عن الوحدة في المتنوع، بحث عن كل ما يؤدي إلى التقارب والالتقاء عند نقاط مشتركة".

إن الأمر، ببساطة شديدة، يقول المؤلف، هو تأكيد للذات أكثر مما هو تحديد للهوية. وهذا بالضبط ما فعلته التيارات الفكرية العربية، بفصائلها المختلفة أثناء جوابها على سؤال: من نحن وما هويتنا؟ حيث أجاب كل تيار فكري بما يتناسب مع اختياره، ومع تركيبته الثقافية والأيديولوجية، ومع مصالحه، علما بأن تحديد الهوية أمر في غاية الأهمية، لنجاح المشروع النهضوي العربي، الذي ما زال يعاني من الإخفاقات المتلاحقة.

القضية الأساس، برأي الكاتب، هي الولاء لهوية قومية، و"طرح مشروع حضاري عربي عصري، ينبع من العقل، ويشد الوجدان، ويحرك الجماهير، لتعمل على إنجازه، دون أن نتوقع أو نتوهم، أن نجد في ماضينا حلولا سحرية لمشاكل حاضرنا، وتطلعات مستقبلنا، ودون أن ندير ظهورنا لتراثنا، معتبرين إياه مجرد حطام وركام، عفى عليه الزمن". ‏

إن المقصود بالتراث العربي، يزعم المؤلف:" الحضارة العربية الإسلامية بكل ما يحترم فيها من ممارسات وعمليات ومشروعات إدارية واقتصادية وزراعية وصناعية وعمرانية وفيزيائية ورياضية وفلكية وكيميائية وجغرافية.... إلى غير ذلك"، دون أن نقصره على النواحي الروحية والفكرية والفقهية واللغوية... على أهميتها، علما بأن التراث العربي، في الحالة الأخيرة، يتسع ليشمل كل المذاهب والفرق والملل والنحل، أصحاب المذاهب، وأصحاب البدع على حد سواء".

إن التراث ليس مجرد مخزون، بقدر ما هو حدث تاريخي تحتويه الأحداث اللاحقة، وتتفاعل معه، ولكن على أنحاء شتى، ومستويات متعددة: نحن، يقول الراحل محمد عابد الجابري، "نعتبر الماضي ملكا للجميع، ونرى أن صراعاته يجب أن تكون وراء الجميع، لامعهم ولا أمامهم".‏

إننا ندعو
، يقول الكاتب، إلى اعتماد كل الموروث، والعمل على فهمه واستيعابه، وتحريره من الفهم أحادي الجانب، ومن استلهامه، والاستفادة مما يمكن الاستفادة منه ، مع العمل على الكف عن الممارسات المعاكسة، التي تتمثل بالرجوع إلى ذلك الموروث من أبواب ايديولوجية، بقصد البحث عن شهادة حسن سلوك لهذا الموقف أو ذاك.

نافذة "قرأت لكم"، 17 يونيو 2010
 

يمكنكم مشاركة هذا المقال