تبعية دول العالم الثالث (والوطن العربي ضمنها بكل المقاييس) ليست ملازمة لتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال أو حصرا عليها، بل هي مزمنة (وبكل التكنولوجيات "المستوردة")، يمكن من خلالها قراءة تاريخ بناء المنشآت الصناعية والنفطية والتجهيزات العسكرية والطرق والموانئ والسدود وما سواها بهذه الدولة كما بتلك.
التبعية هنا قد لا تكون قصرا على جانب التمويل، لكنها بالتأكيد مرتبطة بالتصميم والإنشاء والمراقبة والصيانة وما سواها... وهي في معظمها من فعل الخبراء الأجانب، إما بعين المكان، أو من خلال "التوجيه عن بعد"، أي بالتعليمات من الخارج وعبر الشبكات.
خاصية التبعية بتكنولوجيا الصدارة (كما هو الحال مع تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال) إنما مصدرها الأساس، كثافة المعرفة المتضمنة بهذه التكنولوجيا، والمستوى شديد التعقد الذي يطبع برامجها، ونظم التحكم الثاوية خلفها.
ولما كانت الدول الكبرى (وشركاتها المتعددة الجنسيات) هي المتحكمة في السوق، بحثا علميا وإبداعا تكنولوجيا وتصميما هندسيا وتصنيعا، فإنها بالتأكيد ستفرض شروطها على الدول الراغبة في الاقتناء، فتبقيها بالتالي في فلكها بهذا الشكل أو ذاك.
ما يزيد التبعية التكنولوجية بهذا المجال تعمقا، ضعف البنى التحتية المستقبلة وهشاشتها، وتدني القدرة لديها على موطنة هذه التكنولوجيا، على تبيئتها، وعلى دمجها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي القائم، أو المراد له أن يقوم.
لا يقتصر الأمر على مسألة الموطنة والتبيئة، بل يتعداه بتحصيل الحاصل، إلى التعذر البنيوي لذات التكنولوجيا على تملكها من لدن الأفراد كما من لدن الجماعات. وهو ما يجعلها منفصمة عن المنظومة الثقافية والقيمية، التي من المفروض أن تفسح لها في المجال للسريان والتموطن.
ما يعضد ظاهرة التبعية (تبعية الوطن العربي حصرا) أن التكنولوجيا عموما وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال تحديدا، أضحت مكمن رهانات كونية كبرى، من المتعذر تفكيك عناصر الظاهرة إياها دون الوعي بها:
+ فهي مكمن رهان اقتصادي كبير، بحكم ضخامة السوق العالمي المحيل عليها، وقوة الشركات الفاعلة به، بجهة البحث والتطوير، كما بجهة الإبداع التكنولوجي، كما بجهة التصنيع والمتاجرة (تتعدى أرقام معاملاتها، في العديد من الشركات، المداخيل الإجمالية الخام للعديد من الدول مجتمعة).
+ وهي مكمن رهان جيوستراتيجي قوي، على اعتبار أن من يملك المعلومة والشبكات المنتجة والموزعة لها، هو الذي يملك السلطة الحقيقية في علاقاته الاقتصادية، كما في العلاقات العسكرية والدبلوماسية ( حال منظومة إيشلون الأمريكي مثلا، الذي يحسب على العالم حركاته وسكناته، خير دليل على ذلك).
+ وهي مكمن رهان اجتماعي وثقافي وتربوي لا جدال فيه، بحكم الروافد المعرفية والتربوية التي تعد بها التطبيقات التكنولوجية، على مستوى التربية والتكوين واللغة وما سواها.
التبعية التكنولوجية بالوطن العربي أضحت إذن، منظومة كاملة ومتكاملة، تطاول مرافق الاقتصاد والمجتمع والثقافة، ولا يبدو لنا من فكاك قريب منها، في ظل استمرار السياسات التكنولوجية السائدة من بين ظهراني هذا البلد العربي أو ذاك.
لماذا سقنا هذه الكلمات عن المعرفة والتكنولوجيا والتبعية والارتهان؟
إننا سقناها هنا للتوكيد على حقيقة أننا ما دمنا لا ننتج التكنولوجيا بكل روافدها (أو على الأقل تلك الحمالة للرهانات الكبرى)، ولم ولا نستطع توليدها وتوفير البيئة لاستنباتها، وإذا كنا نكتفي باستجلاب ما استجد منها شبكات وبنى تحتية، وإذا كنا غير قادرين على موطنتها وتملك ناصية ما يستجلب منها...إذا كان كل ذلك غير ممكن، فإننا لا نستطيع، بتحصيل حاصل، توظيفها التوظيف الأمثل، ولا دمجها في البنى الاقتصادية والاجتماعية القائمة، أو تبيئتها بالذهنيات الثقافية، لتغدو جزءا من المنظومة السائدة، وعنصرا من عناصر النهضة والتقدم.
إن التكنولوجيا التي نتحدث فيها هنا، هي تكنولوجيا معرفية بامتياز، وهي تكنولوجية محملة بالرموز، ومتشبعة بمنظومات القيم الثاوية خلفها. ولما كان الأمر كذلك، فإن دمجها بالاقتصاد والمجتمع والثقافة من لدننا، واندغامها معهم من بين ظهرانينا، لا يمكن أن يتم إلا إذا خضعت لعملية تطويع جوهرية من لدننا، تكون نقطة البداية فيها تعريب برامجها، ونظمها، وطرائق اشتغالها، وأشكال ارتباطها، وعناصرها الضمنية، اللين منها كما الصلب على حد سواء.
وهو تطلع لا يزال يراوح مكانه في حالة شبكة الإنترنيت، كما في حالات ما سواه من شبكات وتكنولوجيا.
الرباط، 23 غشت 2010