شتان بين أن تحتفل إسرائيل، بالخامس عشر من ماي من كل سنة، بذكرى تأسيسها (الموافق لذكرى "استقلالها") وبين أن "يحتفل" الفلسطينيون، بالتوازي معها وبنفس التاريخ، بالنكبة الكبرى التي طاولتهم، استصدارا قسريا للأرض، وتنكيلا قل نظيره بالبشر، وتهجيرا ممنهجا للسكان الأصليين، أضحوا، من تاريخه ولأكثر من ستة عقود من الزمن، مشتتين داخل بلدهم/الأصل، ببلدان الجوار المباشر، وبكل أصقاع الأرض.
إسرائيل، بالذكرى الستين تحتفل بالبداية، بداية الوجود والتواجد على الأرض، ثم بداية الاعتراف بها كدولة قائمة الذات، في حين تقتصر "احتفالات" الفلسطينيين على استذكار بداية النهاية، نهاية تواجدهم بأرضهم ومدنهم وقراهم.
وعلى الرغم من نجاح الفلسطينيين في الإبقاء على قضيتهم حية بأرض فلسطين التاريخية كما ببلدان شتاتهم، فإنهم لم يتحصلوا من تاريخه على مكتسب معتبر، لا بالمقاومة المسلحة المباشرة، ولا بسبل السلم التي انتهجها رهط ضمنهم بتسعينات القرن الماضي، ولا يزال ذات الرهط يراهن عليها شكلا وبالمضمون:
+ فإسرائيل قضمت مجمل الأرض وركنت من بقي من الفلسطينيين بأعقاب النكبة، في غيتوهات بالضفة وغزة، مقطعة أوصال تواصل بعضهم ببعض، محكمة مداخل ذات الغيتوهات ومخارجها، رابطة اقتصادهم باقتصادها لدرجة الارتهان المطلق، وممعنة في إعطائهم الانطباع، بعد أوسلو، بأنهم باتوا قاب قوسين أو أدنى من الدولة، في حين أن لا حدا أدنى لمقومات ذات الدولة، متوفر على مستوى المظهر كما الجوهر.
+ وإسرائيل أغرت الفلسطينيين بانسحاب أحادي من لدنها من غزة، فإذا بهم يلتقطون الطعم المنصوب، فيتنازعوا ويقتتلوا وينصبوا العداء لبعضهم البعض، في حين أن رهان الاقتتال والاحتراب منتف أصلا، بسياق لإسرائيل بصلبه (على غزة تحديدا) الكلمة الفصل في تقرير الخبز والماء والدواء، ناهيك عن التنقل والانتقال.
+ وإسرائيل أوهمت الفلسطينيين بمفاوضات "الحل النهائي"، حول قضايا هي حسمتها بينها وبين نفسها دون رجعة، فأقرت القدس كاملة عاصمة لها، وفسحت في المجال واسعا أمام الاستيطان حيثما عن لها ذلك وبدا، وسنت الطبيعة اليهودية لدولتها، وجاهرت برفضها القاطع لحق العودة، وتنكرت لكل ما التزمت به، أو سنته ضدها قرارات الأمم المتحدة، ناهيك عما تفترضه الشرائع والأخلاق.
لم تكتف إسرائيل بفعل لها مباشر على الأرض، بل واكبته بسياسات مصاحبة تستهدف الأفئدة والعقول، فساوت مثلا (باستصدار قانون لفائدتها من لدن الكونغرس الأمريكي) بين اللاجئين الفلسطينيين و"لاجئيها" من شمال إفريقيا وإيران أواسط القرن الماضي، ودفعت بمبدأ التعويض لفائدة هؤلاء كما لأولئك على حد سواء، وأصرت على أن يعتمد اصطلاح النازحين عوض اللاجئين، لا بل ضجرت أيما يكن الضجر من تداول الرسميين الفلسطينيين لعبارة النكبة، بعدما حرفت الحقائق ببرامجها بالمدارس والجامعات وفضاءات الشحن الديني والإيديولوجي.
بمقابل كل ذلك، لم تبق إسرائيل للفلسطينيين وللعرب أجمعين، خيارا آخر غير خيار مجاراتها (وهي الذاهبة في تطرفها إلى أقصى حد) إما بمسوغ القبول بقليل الأمر الواقع، أو على خلفية من التذكير بأن القبول بالمتاح هو الحد الأدنى من المباح آنيا، وإلا فإن القادم لا يضمن ذات الحد بالجملة والتفصيل.
إن إسرائيل تدرك أيما يكن الإدراك بأن الفلسطينيين بغزة والضفة، (فما بالك بالشتات) إنما باتوا الحلقة الأضعف بالسلسلة، وبات الفعل من خلفهم ومن بين أيديهم عصيا مستعصيا، وأن مصر المراهن عليها أضحت تابعة، متواطئة، وأن العراق الممانع المتمنع بات بالمعادلة نسيا منسيا، وأن السياقات الإقليمية والدولية مواتية بكل المقاييس، لإعمال ما لم يكن ممكنا إعماله بسياقات سابقة مختلفة، وإلا فلما كان لها أن تجوع الفلسطينيين، وتعمد إلى تقتيلهم بالجملة، دونما رد فعل مستنكر من لدن هذه الدولة العربية والإسلامية أو تلك.
من الغباء حقا ألا تذهب إسرائيل بمخططاتها إلى أبعد حد، هي التي ضمنت ولاء الأمريكان واستسلام العرب، واقتتال الفلسطينيين فيما بينهم، ولامبالاة العالم بقضية طال أمدها، وتعقدت أوراقها، وتداخلت من بين ظهرانيها رهانات ومصالح الأغراب وذوي القربى، أبناء القضية أنفسهم. ومن الغباء أيضا (غباء حكام إسرائيل) ألا يبدعوا في الخطط والسياسات، وقد باتوا قوة اقتصادية وتكنولوجية ونووية، تبوئهم مراتب عليا بالعالم المتقدم، فما بالك بأقطار الجوار المباشر، حيث بات الخبز العادي معدنا نفيسا، محظوظ من يدركه بعد طول انتظار.
وإذا كان من الغباء من لدننا ألا ندرك ذلك، فإنه من شديد الغباء حقا، بعد ستين سنة على نكبة 48، أن نمني النفس بقرب زوال إسرائيل، بناء على إحصاءات الهجرة المعاكسة، أو بالارتكاز على مقولة لبن غوريون بحتمية نهاية إسرائيل، إن هي هزمت بأول حرب لها مع العرب...وقد هزمت بصيف العام 2006 دون منازع، وباعتراف صريح من خبرائها وساستها.
قد يكون ذات الاحتمال واردا بالاحتكام إلى الطبيعة اللقيطة لدولة إسرائيل (وخاصيتها الوظيفية أيضا) وبالرجوع للتوجهات التلمودية الأصل ذاتها. وقد يكون واردا أيضا قياسا إلى التصدعات البنيوية التي يعرفها مجتمع إسرائيل، وتراجع "القيم" الصهيونية بداخله.
قد يكون بكل ذلك بعض من الحقيقة. لكنها تنهل مجتمعة من ملاحظة الوقائع، لا من نبش موضوعي للسياق العام، سياق خلق إسرائيل، والدفع بها لأن تكون الأقوى بالمنطقة.
صحيح أن القول بزوال إسرائيل متأت من مفكرين عرب ويهود على حد سواء، لكن القصد المضمر لدى الطرفين يبقى متباينا أيما يكن التباين. القول بذلك من لدن العرب يرتكز على التمني الصرف، المرتكز على بعض معطيات واقع الحال، في حين أن القول بذلك من لدن بعض المفكرين اليهود ("المؤرخون الجدد" حصرا) هو من باب التظاهر بالضعف، والتخفي خلف الادعاء باستهداف الآخر، الدائم لهم.
إنهم يبتزون العالم بذلك، وإن لهم في ذلك غايات ومآرب لا يدركها إلا من عايشهم أو عاشرهم، أو كان له معهم بيع أو شراء.
قد تهون النكبة، نكبة 48، بأعين الفلسطينيين، وقد بات أمل العودة بمنظورهم مجرد سراب، لكن الذي لن يهون حقا عليهم وعلى الأجيال القادمة بالداخل كما بالشتات، إنما استنبات طروحات هي من قبيل رد الفعل لا الفعل، من منهل الهزيمة وانتفاء الحيلة، من صميم طمأنة النفس وتطييب الخواطر.
أخشى أن يأتي يوم يحتفل فيه العرب، كل العرب، بذكرى استقلال إسرائيل، لا بذكرى النكبة...على الأقل إلى حين أن يبعث الله في الأمة من يجدد بحق، في دينها ودنياها.
* "نكبات ما بعد النكبة"، شبكة الرافدين، 19 ماي 2008. التجديد العربي، 20 ماي 2008. التحالف الوطني العراقي، 20 ماي 2008. جريدة التجديد، الرباط، 26 ماي 2008.