طبع تفويت 35 بالمائة من رأسمال اتصالات المغرب لمجموعة فيفاندي الفرنسية ردود فعل مختلفة كما خلف عدة تساؤلات حول طريقة التفويت وخلفياتها الاقتصادية والسياسية والمالية.
مرت الآن قرابة شهرين على عملية التفويت التي تمت في 20 دجنبر 2000 ولعلها كافية لإعادة فتح نقاش هادئ وحقيقي. في هذا الصدد، التقينا بأحد الأطر الشابة باتصالات المغرب، يحيى اليحياوي، وهو مهتم ومتتبع لقطاع الاتصالات وله عدة مساهمات في هذا الميدان.
س: الأستاذ اليحياوي، باعتباركم باحثا مهتما بالإعلام والاتصال وتزاولون مهامكم بشركة اتصالات المغرب، كيف تقيمون عملية تفويت 35 بالمائة من رأسمال الشركة التي تنتمون إليها خاصة وأن هذا الموضوع أثار نقاشا حادا ومواقف وردود أفعال تتأرجح بين مدافع عن سلامة الصفقة وبين مشكك في ذلك؟
يحيى اليحياوي: أعتقد أن تقييم العملية برمتها هو الذي من شأنه أن يزيح الغموض والالتباس اللذين أحاطا بالعملية منذ بداياتها الأولى (أي منذ المصادقة على قانون 24-96) وإلى تاريخ تنازل الدولة على 35 بالمائة من شركة "اتصالات المغرب" لفائدة فاعل خاص أجنبي.
هذا أمر لم يتم، وإن تم فلن يكون ذلك بطريقة موضوعية. وحتى وإن تم بطريقة موضوعية فلن يضطلع الرأي العام على مضمونه من باب التنوير.
أعتقد جازما أن عملية التفويت هاته ما كان أن تثير حولها هذه الزوبعة من المواقف والمواقف المضادة وبهذه الحدة لو أنها تمت بطريقة سليمة.
هناك مجموعة أمور تجعل التشكيك في خلفية العملية وفي شكلها وفي الطريقة التي عولجت بها أمرا حقيقيا:
+ أولا هناك تضارب كبير فيما يخص تقييم رأسمال الشركة. هناك أرقام 50 مليار درهم وهناك 54 مليار درهم وهناك 58 مليار درهم، وهناك رقم 10 مليار دولار راج قبل هذه الأرقام وأكده مسؤول في إحدى الأسبوعيات مؤخرا. لو سلمنا بهذا الرقم الأخير (وهو تقييم لمؤسسة دولية) سنلاحظ أن الدولة أضاعت على الأقل 10 مليار درهم وهو رقم ضخم (يساوي للتذكير رخصة الخط الثاني للهاتف النقال).
القول بأن بيوت خبرة ذات مصداقية عالمية وسمعة طيبة هي التي قامت بذلك هو قول مردود، لأن هذه البيوت لا تبني مصداقيتها من عمليات كهاته. هي تبنيها في الدول الكبرى حيث الخبرات المضادة متوفرة والرقابة الداخلية متمكنة من معطياتها ولا سبيل لديها في المجازفة. وعلى هذا الأساس فبيوت الخبرة والتدقيق التي تشتغل ببلدنا، وبدول العالم الثالث عموما، لا تأخذ الأمور مأخذ الجدية ما دامت تعرف أن البعد الخبراتي لا يعدو كونه عنصرا بسيطا في عملية صنع القرار.
+ ثانيا، إدراج الصفقة في ميزانية 2001، نسبة وحجما، حال دون إمكانية المراوغة من لدن الحكومة. فالحكومة صاغت قانونها المالي وعرضته على البرلمان متضمنا لحجم الصفقة، وثبتت عجزها المالي ونسبة تضخمها على أساس ذلك. بالتالي فلم يعد بإمكانها الرجوع إلى الوراء، أي إعادة طرح العروض في حالة الانسحاب المحتمل لمرشح أو أكثر. أستطيع القول بأن الحكومة كانت مستعدة للبيع بأقل من 2.3 مليار دولار في حالة مزايدة المرشح الأخير وهو أمر سيكون طبيعيا ما دامت الدولة في ورطة من ماليتها.
+ ثالثا، العملية بدأت بعروض أثمان دولي التزمت الدولة بمبدئه، لكنه سرعان ما تحول في نهاية المطاف إلى عرض شبه مباشر. وهو أمر غير سليم، إذ القاعدة هو أن يعاد طرح عروض الأثمان إلى حين توفر الظروف للاختيار. وهو ما لم يتم، لأن الحكومة كما قلت كانت أمام النفق المسدود من الناحية المالية.
ثم القول بأن السوق الدولي للاتصالات كان غير مساعد، كونه شهد تقلبات على مستوى قيم الشركات الكبرى في البورصة، هو قول ضيق النظرة لأن هذا السوق يعرف تصحيحات على مستوى البورصة بانتظام، ينزل لكنه سرعان ما يعود إلى مستواه الطبيعي في ظرف وجيز.
+ رابعا، منح الصفقة لفاعل من قبيل فيفاندي يسائلنا كذلك على أكثر من مستوى. فالشركة ليست فاعلا في قطاع الاتصالات لا من جهة التصنيع ولا من جهة استغلال الشبكات ولا من جهة تطوير الأنظمة والبرامج الاتصالية.
هي صحيح فاعل كبير لكنها لا توجد لا ضمن العشرة الكبار الأوائل في القطاع ولا اندماجاتها تتم بطريقة عمودية كما هو الشأن بالنسبة لمؤسسات الاتصالات الكبرى.
وصحيح كذلك أنها تراقب "سيجستيل" ثاني مزود للاتصالات بفرنسا، لكن مهنتها الأصل ليست الاتصالات. ولنا أن نلاحظ أنها توجه نشاطها باتجاه الصناعة السمعية والبصرية والسينمائية من خلال "كنال بلوس" و"سيغرام" و"هافاس" وغيرها...وهي من هنا وبحق من كبريات الصناعة الإعلامية فيما يخص إنتاج البرامج وتوزيعها.
أية قيمة تكنولوجية جديدة ستحملها إذن "لاتصالات المغرب" على مستوى "القيمة التكنولوجية المضافة"؟ أتساءل...كما أتساءل عما ستحمله هذه الشركة على مستوى التسيير...؟ ألم يقل لنا ولا يزال بأن "اتصالات لمغرب" مسيرة بطريقة جيدة...؟
+ خامسا، ماذا بعد ال35 بالمائة؟ هناك من يقول إن الأغلبية في رأس المال ستبقى للدولة (65 أو 51 بالمائة)...وهناك من يقول (وزير المالية بالأساس) بأن عملية فتح رأس المال قد تمت وسندخل الآن مرحلة الخوصصة...لست أدري ماذا يعني هذا الكلام.
ماذا أردت قوله باختصار؟ أردت أن أقول بأن العملية اكتنفها الغموض وطبعها الالتباس ولم تكن بالتالي سليمة أو شفافة أو محكومة بتصور استراتيجي بقدر ما حكمتها إكراهات مختلفة أخرى.
س: في تقديركم، هل بقاء شركة" فيفاندي يونفرسال" لوحدها في آخر مراحل عملية التفويت، وانسحاب الشركات الأخرى التي كانت مشاركة في العرض تباعا، مرده إلى أن هناك اختلالات ما مرتبطة بطبيعة الاختيارات التكنولوجية المعتمدة من لدن "اتصالات المغرب" أم أن هناك اختلالات هيكلية في تسيير هذه الشركة؟ أم أن الأمر يتعلق بتآمر الشركات الغربية فيما بينها لتمر الصفقة بالشكل الذي لاحظناه؟ أم أن الأمر تم الحسم فيه سياسيا لاعتبارات تتداخل فيها مصالح "المركب المصالحي" الإداري والمالي المحلي مع مصالح وحسابات ذوي القرار الفعلي الممثلين في الدوائر المالية الدولية؟
يحيى اليحياوي: هذه التساؤلات تدخل بدورها في خانة الغموض والالتباس الذي رافق مرحلة "التصفيات" النهائية والذي تحدثت في جزء منه في السؤال السابق. فالمعلوم أنه كانت هناك شركات من إيطاليا والنرويج وفرانس تلكوم فيفاندي عبرت كلها عن اهتمامها باقتناء حصة ال35 بالمائة من رأسمال"اتصالات المغرب"، وانتقلت إلى عين المكان رفقة خبرائها لمعاينة ما تملكه الشركة والاطلاع على أنشطتها وماليتها وتسييرها ولربما أيضا خططها المستقبلية. والمعلوم كذلك أن هذه الشركات قد انسحبت بالتوالي تحت مسوغات مختلفة لتبقى " فيفاندي" نهاية المطاف كمرشح واحد ووحيد.
كل تساؤلاتك معقولة وقد نبحث على أجوبة ولو عامة في غياب المعطيات الدقيقة حول سير العملية وتسييرها. لكني أعتقد أن هناك ثلاث حقائق لا بد من تقديمها:
+ الحقيقة الأولى، أن العملية كانت خاضعة منذ البدء لاعتبارات متداخلة. المالي دون أدنى شك، لكن أيضا السياسي والأمني والإيديولوجي وكذلك لإكراهات خارجية (ضغوط البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وقد اعترف المسؤولون بذلك) وداخلية من قبيل اللولبيات، لوبيات المصالح التي تجد في العملية سبيلا للريع سيما إذا ما تحول جزء من رأسمال الشركة إلى البورصة. هذه الحقيقة استقيناها من وقائع أخرى كان خطاب التحرير والخوصصة يدفع بها، لكن واقع الحال أثبت أن اللوبيات كانت تعرف ماذا تريد (نموذج أكشاك الاتصالات وغيره عديد).
+ الحقيقة الثانية هو أن انسحاب الشركات جاء نتيجة غياب المصداقية ودون أدنى شك جراء الاختلالات وغياب الاستراتيجية لدى القائمين على" اتصالات المغرب".
أستطيع الجزم بأن فرانس تلكوم لم يكن لها أن تنسحب لو كان الحد الأدنى من المصداقية متوفرا وهي التي جازفت بالملايير في ظروف مغايرة كما هو الشأن بلبنان غداة انتهاء الحرب.
ثم هي دفعت بمسوغ المديونية التي لديها كمسوغ لتبرير الانسحاب في حين هي صرحت بنيتها في شراء جزء من رأس مال "إكوانت" ب 4 مليار دولار. وللتذكير فهذه الشركة الموجودة بأمستردام تتوفر على نظام ضخم للمعطيات بإمكانه توفير خدمات الاتصالات المتخصصة لحوالي 3700 من الزبناء الكبار ثلثاهم ضمن المائة شركة الكبرى في العالم. الحاصل أن فرانس تلكوم اضطلعت على الشبكة ونظام الفوترة وسياسة الشركة وتأكد لها بالمعاينة الدقيقة أن مساحيق العطار سرعان ما ستزول قياسا إلى حجم السوق والقدرة الشرائية وسواها.
+ الحقيقة الثالثة وتتعلق بما أسميته "المركب المصالحي". أنا لا أختلف معك كثيرا في هذه التسمية لكنني ألاحظ اتساع الفاعلين فيه لدرجة يصعب التمييز بين موزاييك "الأفكار" التي تميزه. وقد حكى لي بعض الأصدقاء أنه شاهد بالتلفزة مسؤولا بكنفدرالية رجال الأعمال يقدم التهنئة والتزكية لوزير المالية. وسمع هذا الأخير يدافع عن البورصة أكثر مما يدافع عنها أشرس الليبراليين. وشاهد مسؤولا بإحدى الجمعيات التعاونية مشهود له بالرجعية وضعف المعرفة يتحدث عن وجود لوبيات كبيرة بالمغرب...كل هذا في يوم واحد. لا غرابة إذن إذا تشابكت الأمور...ففي تشابكها تنجح "الصفقات".
س: يبرز وزير المالية والاقتصاد والخوصصة والسياحة كون العملية تمت في مختلف مراحلها بما يلزم من الشفافية والنزاهة وباحترام تام لمقتضيات القانون.
يحيى اليحياوي: لم أفاجأ بحديث وزير المالية عن الشفافية والنزاهة، فهو خصم في العملية وحكم ، بالتالي لا يمكنه أن يعتمد خطابا غير هذا. من الثابت أن الصفقات الكبرى التي تتم بين الشركات العالمية وحكومات العالم الثالث لا تخضع بحكم طبيعتها للشفافية إما لارتشاء النخب الحاكمة أو تواطؤها أو معرفتها الجزئية بقطاعاتها الاستراتيجية. ما بالك إذن بخطاب الشفافية والنزاهة بالمغرب حيث الرشوة أصبحت نمط إنتاج والمؤسسات العمومية ملكا خاصا وللذين تركوها وماليتها متسيبة...الخ. وانظر إلى الفضائح المعروضة أمام المحاكم وتهريب الأموال والأرواح إلى الخارج. هذه ملاحظة أولى.
الملاحظة الثانية هو أن عرض الأثمان في الصفقات الكبرى هو القاعدة على حد علمي وباقي أشكال العروض هو الاستثناء ولا وسيلة للمفاضلة في حال فشل عروض الأثمان. وهو ما رأينا عكسه بكل أسف في حالة "اتصالات المغرب" إذ كان من المفروض إعادة طرح عروض الأثمان في غياب المتبارين عوض اللجوء إلى الشكلين الآخرين والمباشر (وجها لوجه) في هذه الحالة. الضغط المالي والإكراهات قصيرة المدى ومن دون شك الحسابات السياسية هي التي حالت دون استنفاذ الطريق الأول واللجوء إلى السبيل الثاني وهو الأسهل على أية حال.
الأخطر من ذلك، حسب بعض الجرائد الأسبوعية، "أن إيطاليا تلكوم التي كانت تمثلها في المغرب الشركة العامة المغربية للأبناك كضامن في نفس الوقت، سحبت ملفها من العرض بعد أن أكد لها المدير العام الحالي "لاتصالات المغرب" أنه من المستحيل على المغرب أن يكون له أقل من 65 بالمائة من الأسهم. وبعدما فشلت هذه الشركة أيضا في الحصول على مجرد تعهد بعرض 45 بالمائة من أسهم اتصالات المغرب في البورصة مقابل 3.850 مليار دولار (ثلاثة مليار وثمانمائة وخمسين مليون درهم) وهو ما جعل (وفق نفس الجريدة) شركة" فيفاندي" (عبر فرعها بالإمارات) تمتص لا 15 بالمائة بل 16 بالمائة ليصبح لها بذلك 51 بالمائة من رأسمال "اتصالات المغرب".
هذا أمر خطير جدا...كيف تجلب 15 بالمائة من رأسمال" اتصالات المغرب" ما يقارب 3.8 مليار دولار في حين لم تجلب 35 بالمائة إلا 2.3 مليار دولار؟
هذه المعطيات هي تحد صارخ ليس لخطاب الشفافية والنزاهة بل كذلك لذاك الذي هو من قبيل..."نعتز بهذه العملية"..."نجاح هذه العملية"...هي "أحد منافذ الدخول إلى عالم الحداثة"..."رضى البنك العالمي على العملية"...الخ. لم أكن أظن يوما أن هذا الكلام يأتي من وزير كان مؤطرا لبحثي في الإجازة منذ ما يناهز عشرين سنة عن ممارسات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي بدول أمريكا اللاتينية فيما يخص برامج التقويم الهيكلي ومدى الضغوط اللاأخلاقية التي كانت تمارسها.
س: يرى البعض أنه لم يكن من خيار أمام الحكومة لإدراج 20 مليار درهم من هذه الصفقة في ميزانية 2001 وإلا فإن المالية العمومية كانت ستعرف تدهورا خطيرا سينعكس بشكل سلبي على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي فالحكومة كانت على صواب لما أدرجت تلك المداخيل في ميزانيتها...ما تعليقكم؟
يحيى اليحياوي: ليس عيبا أن تبرمج الحكومة موارد مقبلة بل هو من صميم عملية تهيئ الميزانية. لكن العيب يأتي فيما أعتقد من أن الحكومة ضمنت مدا خيلها صفقة ما تزال جارية وسبل المراوغة بشأنها مشروعة. ولنا أن نتذكر تجربة تفويت الخط الثاني من الهاتف النقال إذ لم يكن الحديث بداية الأمر إلا عن 200 إلى 300 مليون دولار، ثم راج الحديث عن 500 مليون لتمنح الرخصة في النهاية بأكثر من مليار دولار ولربما كانت العملية ستدر على الدولة أكثر لو روعيت حينه شروط التأني والسرية. عندما نقول إني سأبيع 35 بالمائة بحد أدنى قدره 2.3 أو سواه فمعنى ذلك أنك "تقطع رزقك بنفسك" كما تقول العامة.
ماذا يعني أنك تحدد حدا أدنى؟ معناه أنك تقلص هامش المراوغة لديك للحصول على حد من الحدود القصوى وتعطي الامتياز للشركة المرشحة للاقتناء ألا تدفع إلا هذا الحد (إضافة إلى بعض السنتيمات مجاملة) حتى وإن كانت متأكدة من أن حجم الصفقة موضع التنافس يساوي ضعف أضعاف هذا الحجم. هذه نقطة أولى. النقطة الثانية تتعلق بما أصبح يسمى بالتوازنات المالية" المقدسة"، أي ضرورة احترام مستوى العجز في 3 في المائة وبالتضخم في كذا...الخ.
من الناحية النظرية أولا لا يجوز اعتماد موارد بنيوية للحفاظ على وضعية من المفروض أن تكون موسمية وعابرة. من الناحية العملية ألاحظ أن هوس التوازنات المالية أصبح سياسة بنيوية للدولة للحفاظ على حالة هشة هي حال المالية العامة للبلاد.
ثم ماذا يعني للمغربي المتوسط أن يكون العجز في مستوى 3 أو 4 أو 6 بالمائة؟ ماذا استفاد المغاربة من برنامج التقويم الهيكلي الذي انطلق بداية الثمانينات ولا زال ساريا بشكل مضمر؟
تتحدث في سؤالك عن التدهور الخطير الذي من شأنه أن يطال الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لو لم يتم التحكم في العجز..أنا بدوري أتساءل: هل هذه الوضعية أصبحت أحسن بعدما تم التحكم في هذا العجز؟ ثم ما معنى الحفاظ على 3 بالمائة كمستوى عجز أقصى بالنسبة لل 20 إلى 25 بالمائة من عطالة اليد العاملة النشيطة بالمغرب؟
وعلى هذا الأساس فأنا أعتقد، قياسا إلى واقع الحال، بأن أكبر عدو للتنمية هو هوس الحفاظ على التوازنات المالية.
س: ترى الحكومة أن أكبر شريك استراتيجي "لاتصالات المغرب" هو "فيفاندي" معللة ذلك بكون المغرب في حاجة لخدمات هذه الشركة في الماء والكهرباء والتطهير. كما صرح فتح الله ولعلو بأن" فيفاندي" هي التي ستدخل المغرب عالم الحداثة من بابه الواسع من خلال الاستثمارات التي ستقوم بها في الموسيقى واحتمال فوزها بحصة مهمة من رأسمال القناة الثانية؟
يحيى اليحياوي: ما معنى "شريك استراتيجي"؟ معناه أن تتكامل الخبرات وتنصهر في مشروع موحد كأن يتوحد المصنع مع مستغل الشبكة ومع مصمم الأنظمة لبناء منظومة إنتاجية يكون الهدف منها تقاسم تكاليف البحث والتطوير، توسيع فضاء توزيع السلع والخدمات وبلوغ أسواق صعبة المنال لكل منهم بمفرده. التجارب من هذا القبيل متوفرة ويطول الحديث بشأنها.
ما ذا ستحمل" فيفاندي" "لاتصالات المغرب" وكلاهما يشتري التكنولوجيا من السوق الدولي؟ ما ذا سيجمل كلاهما للآخر على مستوى تصميم الأنظمة والبرامج المعلوماتية والاتصالية؟ لست أدري. من جهة أخرى تسألني عن خبرة" فيفاندي" في ميادين الماء والكهرباء والتطهير على اعتبار أن هذا الأخير هو نشاطها الأصلي كونها كانت "جينيرال ديزو".
لو احتكمنا إلى ما توصل به المغاربة منذ دخول مثيلاتها وما قاموا به من مظاهرات واعتصامات لتبين لنا بجلاء كم هو صائب وضروري أن ندافع عن المرفق العام الذي داسته "الليبرالية الجديدة" بأقدامها.
أنا أتساءل مثلك...كيف لم يستطع المغرب طيلة أربعين سنة تحقيق الاكتفاء الذاتي على مستوى تسيير وتطوير القطاعات الحيوية كالماء والكهرباء والتطهير والطرق وغيرها حتى نجد أنفسنا مضطرين لاستقدام الأجانب لصيانة شبكة مراحيضنا؟ هذا أمر مخجل بحق. كيف نجرأ إذن للحديث عن الحداثة؟ ما هي الحداثة؟ هل الحداثة قابلة للاستيراد والنقل كما هو واضح من كلام وزير المالية؟ هل الحداثة هي أن تسلم القناة الثانية لفرنسا كي تقدم موسيقاها وأفلامها أكثر مما تروج له هذه القناة التي أريد لها أن تكون عمومية؟
لو كانت الحداثة عندهم هكذا فإني أعتبرها استعمارا ثقافيا يضاف إلى ما يقوم به المركز الفرنسي ولربما أيضا وزارة الثقافة المغربية. ولو كانت الحداثة عند وزير المالية هي فيفاندي وموسيقى فيفالدي فإني فخور، عكس تصوره، أن أجدها عند الحسين السلاوي.
س: قام الفريق الاستقلالي بالمطالبة بفتح تحقيق حول ملابسات هذه العملية، وتلاها على ما يبدو نوع من التراجع عن الدفع بهذا الموقف. هل تبين للفريق الاستقلالي أن الصفقة سليمة بالفعل أم الأمر يرجع إلى تسوية سياسية معينة؟
يحيى اليحياوي: أنا شخصيا لا أتوفر على المعطيات الكافية لتفسير موقف حزب الاستقلال عندما طالب بفتح تحقيق في الاختلالات التي طالت عملية تفويت 35 بالمائة من رأسمال" اتصالات المغرب". ولا أدري كذلك الملابسات التي كانت وراء ارتكانه إلى الصمت المطبق فيما بعد.
هذه حالة تصب بدورها فيما أسميته من ذي قبل بوضعية الغموض والالتباس التي طالت العملية وما تزال. هل توفر حزب الاستقلال على الدلائل التي تبين له بالملموس عدم احترام العملية للقانون والمسطرة؟ هل تم تبييض موقفه كما يذهب إلى ذلك البعض؟ لست أدري.
كنت وما زلت أتمنى أن يكون طلب التحقيق هذا فرصة لتنوير الرأي العام أو على الأقل ليبين كم هم مخطئون أولئك الذين يعتبرون سير العملية غير سليم. لكن وأن الأمر قد أقبر فأعتقد أن ما أسميته ب"المركب المصالحي" ليس طرحا جزافا.
س: هناك من المهتمين والمتتبعين لما يجري بالقطاع من يرى بأن قيمة الصفقة كانت هزيلة جدا. مقابل هذا نجد وزير المالية يصرح بأن القيمة الإجمالية لشركة" اتصالات المغرب" في كليتها (100 بالمائة) لا تتعدى 54 مليار درهم، وهو المبلغ الذي انتهت إليه الاستشارة البنكية التي قدمتها مجموعة "جيبي مورغان" والقانونيون الإنجليز كليفورد تشان ومعهم مستشار قانون مغربي.
يحيى اليحياوي: دعني أؤكد لك مرة أخرى، إضافة إلى ما تم الحديث فيه، أن بيوت الاستشارات الأجنبية التي تقدم "خبرتها" لدول العالم الثالث لا تقيس مصداقيتها بعمليات من هذا القبيل. وأشك إن كانت تضيفها حتى إلى قائمة منجزاتها اللهم إلا لدى بعض الدول الأكثر تخلفا منا.
وأعتقد أيضا أن بيوت الاستشارات المنافسة لا يمكنها أن تعاقب أو تزايد على زميلات لها "اشتغلت" على دولة ما دامت تعرف جيدا أن هذه الدول هي مرتع للفساد والإفساد والزبونية والارتشاء وتداخل المستويات وطغيان السياسي والآني ضمنها. هذا أمر عام لابد من الانتباه إليه لأنه يشير إلى الحق في الوقت الذي يبطن فيه الباطل.
ثانيا، بصرف النظر عن "فيفاندي الإمارات" فإن" فيفاندي يونفرسال" ستعمل حتما على استقطاب ال 14 بالمائة من رأسمال اتصالات المغرب المزمع عرضها بالبورصة إن لم يكن ذلك حالا فسيتم على المدى المتوسط من خلال شراء أسهم ربما سترتفع قيمتها مستقبلا.
و"فيفاندي يونفرسال" في كلا الحالتين ستكون لها الكلمة الأولى في الشركة المخوصصة لا قياسا إلى ما تملك و"ستملك" من رأسمال ولكن أيضا إلى ما يروج على أنها رئيسة اللجنة المسيرة "لاتصالات المغرب". من سيكون شريك من في كل الحالات والشريك المزعوم لهف كل شيء؟
أطرح هذا السؤال على من تستهويهم الشعارات الغليظة.
س: من بين ما أثار استغراب البعض هو كون تسيير الشركة تم إسناده" لفيفاندي" بالرغم من أن هذه الأخيرة لا تتوفر إلا على حصة 35 بالمائة. فهل مرد هذا إلى سوء التسيير السائد بالقطاع؟
يحيى اليحياوي: سؤالك هذا يصب دائما في منظومة الغموض والالتباس التي أكدت عليها من ذي قبل، أي أن التحكم في مسار الشركة من خلال التحكم في 35 بالمائة من رأسمالها فقط قد يكون جزءا من "الصفقة". وإلا فمن ينازع" فيفاندي" في ذلك أو يحرمها من توظيف موقف القوة التي أصبحت تتمتع بها وهي المنقذ من هاوية الصعود إلى 6 أو 8 بالمائة من العجز؟
أعتقد أن الذي قرر تفويت 35 بالمائة من رأسمال "اتصالات المغرب" كان على اطلاع مستفيض بأن" فيفاندي" ستحصل على 51 بالمائة من ذات رأس المال بطريقة أو بأخرى، لذلك "سلم لها المفاتيح"، كما يقال في لغة الاقتصاد الصناعي، دونما تضيعة للوقت.
قد يسلم البعض بهذا الأمر، لكن كيف التسليم بإمكانية مساءلة عون خطوط بسيط كان بوزارة البريد ثم انتقل إلى المكتب الوطني للبريد ثم انتقل إلى" اتصالات المغرب" كمسوغ تجاري ثم إلى" اتصالات المغرب" كإفراز مؤسساتي، كيف التسليم بإمكانية الاستغناء عنه أو إحالته على التقاعد لا لشيء سوى أن الشركة التي أفنى عمره في خدمتها تحولت إلى قطاع خاص أجنبي؟
هذا إشكال سوسيولوجي أهم وأخطر من مطالبة وزير المالية رجال علم الاجتماع ببحث أمر مشتركي الهاتف النقال الذي يتزايد بوتيرة متسارعة ربما لأسباب لا علاقة لها بعلم الاجتماع.
أحمد بوز، أسبوعية "النشرة"، العدد 231، 16-22 فبراير 2001
* "ذ.يحيى اليحياوي لجريدة النشرة: سر ارتباط فيفاندي باتصالات المغرب"، استجواب، جريدة النشرة، أسبوعية، الدار البيضاء، 16-22 فبراير 2001.