تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عبد الناصر المتعفف"

عندما توفي جمال عبد الناصر بالثامن والعشرين من شهر شتنبر من العام 1970، عمدت أجهزة الرقابة المختصة إلى حصر أمواله وممتلكاته، بداخل مصر كما تلك التي من المحتمل أن يكون قد أودعها بالخارج، هو أو أبناؤه أو بعض من معاونيه، فسجلت ذات الأجهزة التالي، تحت عنوان  "تفاصيل ثروة وممتلكات رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر حسين سلطان":

+ مرتبه الشهري: 500 جنيه

+ بدل التمثيل: 125 جنيه

+ الإجمالي: 625 جنيه

+ الصافي الذي يتقاضاه: 395 جنيه و 60 قرشا و 7 مليم.

أما ثروته بعد الوفاة، فلم تكن تتعدى ال 3718 جنيها، مودعة ببنك مصر، وبعض من أسهم هنا وهناك بشركات متواضعة، وقيمة ذات الأسهم لا تتعدى كونها رمزية، رمزية توفره مثلا على عشرة سندات في بنك الاتحاد التجاري، أو 18 جنيه أسهم في شركة النصر لصناعة أقلام الرصاص، ناهيك عن بعض الوثائق التأمينية على الحياة بهذه المؤسسة التأمينية أو تلك.

ما سوى ذلك، فلم يخلف الراحل وراءه إلا سيارة أوستين التي كان يملكها قبل الثورة، وثمانية أزواج أحذية، وثلاث ماكينات كاميرا للتصوير، وآلة عرض سينما، وعشرة بدل، ومجموعة رباطات عنق.

كما لم يوجد بجيبه يوم وفاته، إلا حوالي 84 جنيها، ورحل دونما أن يترك لعائلته مسكنا ولا مصدر عيش، اللهم إلا معاشه البسيط الذي يحتسب بالبناء على ما ساهم به في حياته بصندوق التقاعد.

ومع أن الرجل حكم مصر لما يناهز العقدين من الزمن، فإنه ترك لعائلته بالكاد ما تسد به رمقها، وتؤدي به أقساط منزل توفي دونما أن يتمكن من سداد كل أقساطه.

ولما لم يكن للسادات من معطيات تدين الرجل أخلاقيا، على الأقل كمدخل للتنكر لميراثه عمليا، فإنه لم يتردد في مطاردة العديد من رجالاته، فشن حملة كبرى للتحري عن ممتلكاتهم، بعدما أودع العديد منهم بالسجن بقضية ما سمي في حينه ب " مراكز القوى".

وعلى الرغم من تبرئة العديد من رفاق الرئيس عبد الناصر، والتأكيد قضائيا على نظافة ذمتهم المالية، فإن السادات لم يتورع بعد ذلك، في فتح الباب واسعا أمام حاشيته وحوارييه ليتحولوا إلى "قطط سمان"، ولجوا بشجع غير مسبوق النظير، لخوصصة ما عمل عبد الناصر على تأميمه لفائدة البلد... حتى باتوا حقا وحقيقة دولا داخل الدولة الواحدة، بدون منازع ولا منغص عليهم يذكر.

ولما اغتيل السادات، سار حسني مبارك على نهجه "الليبيرالي" المتطرف دون زوغان كبير، ففوت لأبنائه ورجالاته قطاعات برمتها، وحول الاقتصاد المصري من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد ريع  شامل، الغلبة فيه لمن يقدم الولاء، ويتقن تقديم الرشاوى.

حتى إذا ما هبت رياح الانتفاضة الأخيرة، انتفاضة يناير من العام 2011، والتي عصفت بحكمه، كان الاقتصاد المصري في حالة مزرية للغاية، ترتب عنها ارتهان ذات الاقتصاد  للمعونات الخارجية ولتوصيات المؤسسات الدولية، وكان من تداعياتها تجويع شعب بأكمله، وارتفاع منسوب البؤس والهشاشة من بين ظهراني أبنائه، فرادى وجماعات على حد سواء.

لم يترك مبارك، بعد تنحيته عن الحكم قسرا، لم يترك بعض جنيهات هنا وهناك، كما الحال بعبد الناصر المتعفف، بل ترك ثروة ضخمة إما باسمه مباشرة أو باسم أبنائه وزوجته، أو باسم رجالات "خدموا" معه طيلة نظام حكمه، أو التحقوا بحزبه، الحزب "الوطني"، فنالهم العطف من لدن إبنه جمال، أمين السياسات الاقتصادية بالحزب الحاكم، فاغتنوا دون حسيب أو رقيب، لكن دونما غفلة من الشعب المغلوب على أمره بقوة النار والحديد، والذي كان يعرف، لكنه كان عديم القدرة على وقف النزيف الشديد الذي طاول الضرع والزرع.

تشير العديد من التقديرات إلى أن ثروة عائلة حسني مبارك لوحدها تتأرجح ما بين 40 و 70 مليار دولار، معظمها مودع ببنوك سويسرية وأمريكية وبريطانية، وأغلبها متأت من عقود عسكرية ومدنية صرفة، فضلا عن تحالفات مع شركات عالمية تخضع لشرطة ملكية بنسبة 51 بالمائة لوكيل محلي في مصر.

وتشير تقديرات أخرى إلى أن ثروة مبارك لوحده تقدر ب 17 مليار دولار، وثروة إبنه جمال ب 10 مليار دولار، و 40 مليار للعائلة بمجملها...وكلها عبارة عن عملات صعبة مودعة ببنوك أجنبية، أو عقارات بمختلف عواصم العالم الكبرى، كباريس ولندن ومدريد وواشنطن ونيويورك وفرانكفورت ودبي...وغيرها.

الحاصل: إذا كان ثمة من عبرة من الأرقام السابقة، فإنها تتمثل في القول بأن عبد الناصر رحل فقيرا، لكن جنازته كانت مهيبة وذكراه خالدة وحية، لا بل وكانت تتسابق على حمل نعشه عشرات الأيادي، في جنازة شعبية غير مسبوقة في تاريخ مصر، في حين شيع السادات بحراسة مشددة ولكأن جسده لا يزال حيا يخاف رصاص الخصوم...أما مبارك، فإنه، كما بعض من عائلته، بقفص المحكمة يساءلون كاللصوص والحرامية... في وضع مهينو تتقزز له الأبدان وتستاء منه النفوس...رحم الله عبد الناصر الذي عرف قدره وقدر مصر.

* "عبد الناصر المتعفف"، التجديد العربي، 6 أكتوبر 2011.

يمكنكم مشاركة هذا المقال