نبيل علي، عالم المعرفة، العدد 265، الكويت، 2001، 582 ص.
أيا ما يكن هذا التحديد أو ذاك لمفهوم ومضمون وأشكال الثقافة، فإن الناظم لها مجتمعة، إنما القول الذي يعتبرها " ثمرة كل نشاط إنساني محلي، نابع عن البيئة ومعبر عنها، ومواصل لتقاليدها في هذا الميدان أو ذاك".
وعليه، فإن أي منجز ثقافي هو بالضرورة محصلة لهذا التفاعل بين الإنسان وبيئته، يفعل فيها ويتفاعل معها. أما الثقافة الإنسانية، فهي ذاك "النتاج البشري المتنامي والديناميكي والمتغير باستمرار"، أي أن الثقافة هنا هي صيرورة متحركة، وليست جوهرا ثابتا أو قارا.
هذين البعدين، المحلي والإنساني، هما اللذان يحكمان هذا الكتاب عن الثقافة العربية وعصر المعلومات، والمتمحور حول ماهية ومستقبل هذه الثقافة في ظل طفرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتحول الثقافة إلى محور في عملية التنمية الاجتماعية الشاملة، وتكنولوجيا المعلومات كمحور أساس للتنمية العلمية/التكنولوجية.
بالبداية، يحذر الكاتب من هيمنة الخطاب التقني، وسيطرة التكنوقراط على المفاهيم، دونما الانتباه إلى أن للتنمية أبعادا ثقافية وفلسفية وأخلاقية. بالتالي، فهو يرى بأن تجديد الخطاب والعقل العربي هو ليس مطلبا ثقافيا صرفا، بل مقوما من مقومات تنمية وتأهيل المجتمعات العربية، لتكون قادرة على ولوج عصر المعلومات بكفاءة ودراية وقدرة.
لا شك، يقول الكاتب، إن مهمة تجديد العقل العربي مهمة شاقة للغاية، سواء على المستوى الأكاديمي أو التنويري أو الإعلامي، لكنها مهمة ضرورية " لاستغلال تكنولوجيا المعلومات كأداة لتعميق الفكر الثقافي، واستغلال الفكر الثقافي كأداة لتوطين تكنولوجيا المعلومات في التربة العربية".
ويقترح المؤلف مداخل عدة للاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والتربوية والمعلوماتية المفروض اعتمادها:
+ استراتيجية سياسية تتغيأ الدفع بحرية الرأي والتفكير.
+ استراتيجية اقتصادية تنظر إلى المعلومات وتكنولوجيا المعلومات كمورد اقتصادي.
+ استراتيجية ثقافية تتخذ من اللغة العربية أداتها وغايتها.
+ استراتيجية لغوية ترتكز لا على اللغة فحسب، بل على المعنى المتأتي منها أيضا.
+ استراتيجية إعلامية، تتطلع لبناء إعلام يستهدف التنمية لا الترفيه أو التسلية.
+ استراتيجية تربوية تتجاوز على التلقين السلبي التقليدي، لفائدة التلقين الأفقي والتفاعلي.
+ واستراتيجية معلوماتية، تتخذ من اللغة العربية (محوسبة ومؤطرة معلوماتيا) كأداة وكركيزة للتنمية المعلوماتية.
إن مدعاة تعرض الكاتب لهذه الجوانب، إنما ملاحظته لواقع الأزمة الفكرية التي يعانيها الفكر العربي، وعلى جميع الجهات: " أزمات في فكر اللغة، وفكر التربية، وفكر الإعلام، وفكر الإبداع، وفكر القيم، وفكر معالجة التراث... والأدهى من ذلك هو الفقر الشديد الذي يعاني منه الفكر الفلسفي العربي والتنظير الثقافي".
بالتالي، فالمؤلف لا يتوانى في وصف راهن الفكر الثقافي العربي بالتقاعس والسلبية، "من تلقين وتبعية وترديد، وردة ثقافية وعزلة معرفية، وجمود فكري وانكماش حضاري، وغيبوبة أكاديمية، وغيبة الحوار وغربة الأصالة، وإجهاض الإبداع وفوضى الساحة الثقافية".
يقول المؤلف بهذا الباب: إن "علاقة الفكر العربي بواقع مجتمع في حيرة شديدة من أمره، ومن الصعوبة بمكان تتبع مسارات علاقات الفكر بمنظومة مجتمعاتنا العربية، لأسباب عدة منها أن خريطة الثقافة العربية غير واضحة المعالم، تشكو من التصحر الفكري...أما على جانب المجتمع، فمنظومة مجتمعاتنا العربية لم تخضع حتى وقتنا هذا، للتحليل المنهجي الدقيق، ومعظم مجتمعاتنا في حالة من الغليان الاجتماعي، يجهض معها أي حديث عن علاقتها بالفكر، بفعل السياسات المغرضة التي يصعب عليه احتواؤها. أما عن علاقة فكرنا الثقافي بأدائنا المجتمعي، فشبه غائبة".
ويركز الكاتب، بكل هذه الروافد، على البعد التربوي باعتباره الأهم والأسمى، فيلاحظ بـأن التربية العربية تواجه موقفا صعبا للغاية، "فقد أصبح لزاما عليها أن تجدد رؤيتها الفلسفية، لمواجهة المتغير المعلوماتي في غياب فلسفة اجتماعية عربية، وتطور الوعي العام في إدراك الجوانب التربوية العديدة لظاهرة المعلومات وعولمتها...إن نجاح التربية رهن بمدى تفهمنا للعلاقة التربوية/الثقافية، خاصة في ضوء محورية الثقافة في عملية التنمية المجتمعية، وكون التربية قد أصبحت مرادفة للتنمية في عصر المعلومات".
بالتالي، فهذا الكتاب ليس عن الثقافة العربية في عصر المعلومات، بل وأيضا عن التربية في هذا العصر.
نافذة "قرأت لكم"، 14 يوليوز 2011