جلال ورغي، مركز الجزيرة للدراسات/الدار العربية للعلوم، بيروت/الدوحة، 2010، 120 ص.
1- في تقديمه لكتاب الباحث التونسي جلال ورغي، يقول الكاتب السوداني عبد الوهاب الأفندي: إن هذه "الدراسة والخلاصات التي توصلت إليها، وما حاولت أن تبصر به من تعقيدات الحالة التركية، تصلح لتصحيح بعض الأفكار الشائعة عن تركيا وتاريخها وحاضرها. كما تحدد العبر التي يمكن أن تستقى من هذه التجربة. ولكن الدراسة، من جهة أخرى، تطرح أسئلة جديدة تحتاج بدورها إلى مزيد التعمق في استجلاء حقيقة هذه التجربة وعبرها".
ويتابع صاحب التقديم، أنه من بين الأسئلة المركزية التي أثارها هذا الكتاب: إلى أي حد يمكن "اعتبار إسلاميي تركيا إسلاميين فعلا؟ فالأحزاب الإسلامية التي نشأت في تركيا منذ أيام أربكان الأولى، لم تتسم يوما بتسمية إسلامية، وقد عبرت دوما عن التزامها التام بدستور تركيا العلماني وفلسفتها الكمالية". ويلاحظ أن "الصراعات التي دارت بين هذه الأحزاب والمؤسسة العلمانية كانت هذه الأحزاب تدفع عن نفسها بقوة أي تهمة حياد عن علمانية الدولة أو تهديد لها، وهو ما لم يقنع المؤسسة الحاكمة".
ويلاحظ المقدم أن "الدراسة توحي بأن التجربة التركية هي ثمرة نضج ديموقراطي، ساهمت فيها النخبة العلمانية التي تدرجت بالبلاد نحو الديموقراطية، وأيضا النخبة الإسلامية التي ابتعدت عن العنف وتقيدت بقواعد اللعبة السياسية. ومما لا شك فيه أن النخبة العلمانية في تركيا قد أظهرت قدرا من ضبط النفس تجاه خصومها السياسيين، لم تشهد مثله من النخب العربية".
ويزعم صاحب التقديم أن "صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا نتج عن تطورات معقدة لم تكن في حسبان النخبة العلمانية، ولا حتى قيادات الحزب. الصفوة الكمالية رحبت بالحزب الجديد، ولعلها سهلت إنشاءه إن لم تكن ساعدت في ذلك، بغرض الاستفادة من خلافات الإسلاميين، وضرب المتشددين منهم بالمعتدلين. وهي سياسة تتبعها الحكومات العربية أيضا (وغير العربية) من المغرب والجزائر إلى أفغانستان وأندونيسيا".
2- يتناول الكتاب التجربة التركية منذ قيام جمهورية أتاتورك في العام 1923، ويحاول رصد تموجاتها بالعلاقة مع الحركة الإسلامية بمختلف أطيافها. وهي بنظره، علاقة معقدة للغاية، تتجاوز الطرح التبسيطي الذي يرى في ذات العلاقة مجرد مواجهة صريحة بين العلمانية التركية والإسلام.
ويحاول المؤلف متابعة هذه العلاقة، سيما من زاوية تطور الفكر العلماني، وتحول الدين الإسلامي إلى ممارسة عامة وخاصة، "بل ومقبولة حتى في الممارسة الشخصية للعلمانيين". ويخلص إلى الاعتقاد بأن التجرية التركية تميزت بتقديم "رؤية مختلفة لعلاقة الدين بالدولة على امتداد مسارها وتحولاتها، وتموقع الدين في التجربة في العلاقة بالفضاءات الأخرى، بشكل مختلف عن السياقات العربية".
إن الأحزاب الإسلامية بتركيا لم تكن بالأصل، بنظر الكاتب، إلا تعبيرات سياسية داخل أحزاب وسط اليمين، ولم تتحول إلى أحزاب بالمفهوم العام إلا بداية سبعينات القرن الماضي، على يد نجم الدين أربكان. ومع أن كل التلوينات "المعتدلة" التي لبستها هذه الأحزاب، إلا أنها غالبا ما كانت تتعرض للحل والمصادرة، ولم تنجح بقوة إلا عندما أنشئ حزب العدالة والتنمية، واستطاع الانتصار في انتخابات العام 2002 و 2007.
إن هاتين المحطتين لا تعبران فقط، برأي الكاتب، عن القوة المتزايدة للحركة الإسلامية بتركيا، بل وأيضا إلى تراجع الأحزاب العلمانية (من قبيل حزب الشعب التركي) التي كانت تقدم نفسها باعتبارها "المعبر والحارس الوفي والتقليدي لقيم الكمالية العلمانية. وما يزيد من أهمية ما تحقق في الانتخابات ودلالاته العميقة، أن الحزب الذي حققها لم يكن موجودا قبل العام 2001".
ولعل السر في نجاح واستمرار هذا الحزب بالسلطة بتركيا، إنما تبنيه لمشروع تنموي إصلاحي تدرجي، بعيد عن المزايدات الإيديولوجية، وتشديده على احترام المبادئ العلمانية والتحرك ضمنها، وعمله على "تنفيذ خطوات التحرير الاقتصادي والإصلاح الهيكلي، والاندماج في الإطار الأوروبي، عبر فتح الطريق أمام البلاد لاكتساب العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي". وذلك على الرغم من تخوف العلمانيين والجيش وأصحاب المصالح الكبرى مما يسمونه "الأجندة الخفية" للحزب.
بالمقابل، لم يعمد الحزب إلى تبني نظام لأسلمة المجتمع، بل أعطى الأولوية في خطابه وممارسته للاندماج في النادي الأوروبي، "وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وإصلاح النظام القانوني، بما في ذلك إلغاء عقوبة الإعدام، وقضايا مثيرة للجدل على غرار قانون منع الحجاب في المؤسسات، والحرص على تحديد دور العسكر في النظام السياسي، وتحويل مجلس الأمن القومي إلى مؤسسة مدنية لا يهيمن عليها العسكر، وتوسيع مجال حرية الإعلام لصالح الأقليات سيما الأكراد، والمصادقة على كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية".
ويلاحظ الكاتب، من جهة أخرى، أن حزب العدالة والتنمية "نجح في التعامل مع الدين في إطار يجعله حاضرا من حيث هو غائب في الشأن السياسي التركي، ويعكس ذلك تميز التجربة التركية عن غيرها في التعامل مع الدين، وهو تعامل يتضمن آلية من آليات اشتغال العلمانية التركية المستندة إلى اللائكية الفرنسة، ضمن إطار خاص لعلاقة الدين بالدولة، يضرب بجذوره في الميراث والتقاليد العثمانية التي تخضع الدين لسلطة الدولة، أو تضمنه ضمن سلطة الدولة".
نافذة "قرأت لكم"، 13 يناير 2011