تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في الطفرة التكنولوجية"

news-details

من الثابت في تاريخ الاتصال (في تاريخ سوسيولوجيا الاتصال تحديدا) أن هناك جدلية ثابتة، قائمة بين الإبداع والتطبيق التكنولوجي، ومدى تأثير هذه الجدلية في حركية المجتمع والثقافة. فالإبداع (كما التطبيق) لا يفعلان في محيط " بكر"، بل في بيئة اجتماعية تفعل فيهما وتتفاعل معهما، في الشكل كما في الجوهر.

هناك بالقطع، نقط التقاء كبرى بين التطور الاجتماعي وتطور الإبداع والتطبيق التقني في ميدان الاتصال...لكن الأمر لا يذهب لحد درجة التحديد التقني (أو التكنولوجي) لتحول المجتمع ومنظومته، كما ذهب إلى ذلك ماكلوهان مثلا، أو مهندسو الشبكات أو التقنيون أو ما سواهم ممن يقدم التقنية كمحرك أساس وحاسم للمجتمع والثقافة.

فتحليل تاريخ  تطور المطبعة بالغرب مثلا، يقول فيليب بروتون، إنما " يبين وبقوة مساهمة الثورة الثقافية في ميدان المكتوب نهاية القرن الحادي عشر، أي حتى قبل أن يتم اختراع تقنيات المطبوع. كما أننا نعلم جيدا اليوم، إلى أي درجة كان اختراع الكتابة والخطاب رهين محيط التطور الاجتماعي، الذي ساعده على الاستنبات وضمن له سبل النجاح".

بالتالي، فمن المتعذر حقا، وفق ما سبق، أن يسلم المرء بكون تصاعد الاتصال في القرن العشرين، إنما هو نتاج تقدم التقنيات في هذا الميدان، في إطار علاقة سببية، تنفي وجود لأثر على الأول في غياب الثاني.

ليس من شك أن العالم يعيش، منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، " ثورة" تكنولوجية كبرى في ميدان الإعلام والاتصال، طاولت أعتدة الإرسال والاستقبال، ومست سبل ووسائل إنتاج وتوزيع واستهلاك المعلومات والمعطيات، وأثرت جذريا في تنقل المعارف والمضامين من خلال شبكات ألكترونية ضخمة...ليس من شك في ذلك. لكن المرء، على الرغم من كل هذا أو في خضمه، لا يستطيع الجزم " بحتمية تحديدية" من طبيعة ما، على الثقافة والمجتمع من لدن التقنية، أو فعلا من لدنها مباشر فيهما، بالشكل أو بالجوهر.

صحيح أن هناك أحجاما ضخمة من المعلومات المنتجة والمروجة بالشبكات التقنية (عبر الفضائيات العابرة للحدود، أو عبر  التقنيات المتعددة الأقطاب، أو عبر الإنترنيت أو عبر غيرها) لدرجة يبدو معها طغيان الإعلام على الاتصال أمرا قائما، لكن ذلك لا يمكن أن يصل إلى حد الجزم بتحديد ما، من لدن التقنية لمنظومة المجتمع والثقافة.

والسبب، فيما نتصور، لا يتمثل فقط في كون المجتمع والثقافة هما الأصل (في حين أن التقنية هي الفرع)، ولا فقط في عصيهما على التحول تحت ضغط معطيات موضوعية، ولكن أيضا ولربما أساسا، لأنه نادرا ما يتم إبداع مستجد تكنولوجي لا يسهم في استنباته السياق الاجتماعي، يحميه، يضمنه، بل وفي الغالب الأعم يكون له البنية الموضوعية التي تدفع بالإبداع بجهته.

بالمقابل، فمن النادر حقا أيضا التفكير في ابتداع مستجد تكنولوجي، بمعزل مطلق عن الحاجة المجتمعاتية، وإلا لانحصر الأمر في ترف بحثي صرف، لا يؤثر لا في المجتمع، ولا في التراكم التقني، ولا في غيرهما.

بالتالي، فالحاصل، في ظل كل هذا وذاك، أننا إنما حقا بإزاء حركة تفاعلية عميقة وجوهرية بين تطور الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبين تطور الإبداع التكنولوجي والتطور التقني، وأن أي مستجد في تقنيات الاتصال لا بد له من حاضنة اجتماعية وثقافية تحميه وتتبناه، وتتفاعل معه في الزمن والمكان.

* "في الطفرة التكنولوجية"، شبكة الرافدين، 2 يناير 2010. التحالف الوطني العراقي، 3 يناير 2010. التجديد العربي، 3 يناير 2010. سايس أخبار، العدد 176/177، فبراير 2010.

يمكنكم مشاركة هذا المقال