تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في حوار مع الباحث يحيى اليحياوي: تحولات تكنولوجيا الإعلام والاتصال عميقة ولا مجال لتفاديها"

يحيى اليحياوي باحث شاب مليء بالفتوة والحيوية، حيوية تكاد تكون مفتقدة في ساحة الإنتاج الثقافي والعلمي. ولا يوازي حيوية البحث والاجتهاد عند اليحياوي سوى إصراره الكبير على مواجهة معيقات نشر الأفكار والعمل على التداول المستمر للقضايا التي محور حولها انشغالاته الفكرية.

لذلك رغم سنه الصغير، بالمقارنة مع الباحثين المغاربة، راكم العديد من الدراسات والبحوث في مواضيع الاتصال والإعلام والعولمة. والمهم في هذه المساهمات أنها تحاول التدقيق في مقاربة الإشكالات انطلاقا من معطيات ملموسة. والأهم في مساهمات يحيى اليحياوي أنها تطرح بشكل غير مباشر في الغالب، الأسئلة بقدر ما تشرح المعطيات وتعلق عليها، وبذلك فهي تفتح آفاق متجددة للباحث وللبحث في قضايا هي من صميم التحديات المطروحة علينا وعلى الوطن العربي ككل ومستقبله. من ثمة ضرورة هذا الحوار.

س: لا جدال في أن العالم يعيش اليوم طفرة كبيرة في ميداني الإعلام والاتصال. وهذه الطفرة تهم هذا القطاع في جوانب الشكل كما في جوانب المضمون. لو بدأنا هذا الحوار بتساؤل عن طبيعة هذه الطفرة، كيف يمكن الوقوف عندها؟

يحيى اليحياوي: الواقع أن التساؤل عن وفي طبيعة التحولات الجارية في قطاع الإعلام والاتصال، نهاية هذا القرن، يحيلنا (ولا يمكن إلا أن يحيلنا في تصوري) إلى إحدى الإشكالات المنهجية والإبستمولوجية الكبرى التي لا يمكن التغاضي عنها (أو تجاوزها) على الأقل فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية والاجتماعية: أي المفاهيم يمكن مقاربة حركية القطاع وملامسة تشعباته وضبط توجهاته والإمساك بطبيعته؟

هل مفهوم "الثورة" مثلا يعبر حقيقة عما يعرفه القطاع وما يروج به من تطورات منذ ما يزيد عن قرن من الزمن أو أكثر؟ هل يمأسس لتحول جذري، لقطيعة كبرى مقارنة بما كان جاريا وسائدا بالقطاع في بداياته الأولى أي منذ مرحلة تكوين الشبكات وتشكل البنى التقنية والاقتصادية؟ ثم حتى لو نحن اعتمدنا المصطلح (مصطلح الثورة) هل بإمكاننا الحديث ارتكازا على ذلك عن براديغم جديد، براديغم معلوماتي أو اتصالاتي أو إعلامي أو تكنولوجي أو غيرها على غرار البراديغم الصناعي أو الإنتاجي أو المادي الذي كون الركيزة الأساسية للتفكير الاقتصادي والمجتمعاتي للعهد الصناعي أو لغيره من العهود؟

في تعذر ذلك، هل بالإمكان توظيف مصطلح "التراكمات" (التكنولوجية والمؤسساتية) التي ميزت القطاع منذ بداياته الأولى لفهم طبيعة هذه التحولات والقول بوجود (أو لا) قطيعة في التراكمات أو استمرارا في التطورات مع ضرورة استحضار فترات الاستقرار النسبي لهذه التطورات ومراحل التسارع الكبيرة التي شهدناها طيلة الثلاثة أو أربعة عقود الماضية؟

بمعنى آخر: الحديث وفق مفهومي الثورة والقطيعة، لملامسة طبيعة تحولات قطاع الإعلام والاتصال، قد يكون مبالغ فيه على اعتبار الطابع التراكمي للعديد من جوانب هذه التحولات. والحديث بلغة التراكم قد يكون تبسيطيا أيضا بحكم وجود العديد من التطورات التي كان لها جانب ثوروي واضح (كالرقمنة والافتراضية وغيرها).

ما يزيد الإشكالية المفاهيمية المطروحة هنا تعقدا، كونها تحاول مقاربة مجال متسارع في وتيرة تطوره، متشعب الأطراف ولربما أيضا لا زال في بداياته وإرهاصاته الأولى. من هنا وجب التحفظ في الحسم والتأني في الحكم على تحولات كبرى لم يتسن بعد لمكوناتها المركزية الاستقرار الكافي حتى يصبح بالإمكان مأسستها وضبط منطق صيرورتها ونسق بروزها وتطورها وبالتالي كيفيات تكرسها في الثقافة والمجتمع.

أما اختزال طبيعة هذه التحولات في التركيز على الوصف وتبيان التمظهرات، فلا يمكن أن يقدم التساؤل كثيرا مادام (أي الاختزال) ينطلق أصلا من أرضية غير مستقرة المكونات، متسارعة الوتيرة وفي جزء كبير منها غير مقننة (كالانترنيت والمواد المبثوثة فضائيا وغيرها).

س: لكن يبقى مع ذلك بالإمكان ملامسة السمات الكبرى لهذه التحولات ولو من باب المقاربة المؤقتة في غياب التنظير المفاهيمي الضافي؟

يحيى اليحياوي: بالتأكيد، فقصور التنظير للظاهرة لا يعني قطعا غيابها، ولا يعني أيضا غياب الاهتمام بمكوناتها الكبرى وتمظهراتها المتعددة.

أعتقد، تأسيسا على ما سبق، أن هناك على الأقل ست سمات مركزية لا بد من استحضارها لفهم التحولات العميقة التي يعيشها قطاع الإعلام والاتصال والمعلومات منذ ثلاثة أو أربعة عقود:

+  السمة الأولى وتتمثل في غزو المعلومات لكل ضروب حياة الأفراد والجماعات وبروز ما يمكن تسميته بصناعة المعلومات (إنتاجا وتخزينا وتداولا واستهلاكا) باعتبارها المحرك القوي الجديد للاقتصاديات والمجتمعات.

 فمعظم الاقتصاديات والمجتمعات المعاصرة، حتى تلك التي كانت منظومتها الفكرية تعتبر المعلومات نشاطا غير منتج (الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية سابقا بالخصوص) قد بدأت تغير من نظرتها للأمور، وبدأت تركز على إقامة بنيات إعلامية واتصالاتية ومعلوماتية واسعة وعصرية في أفق بناء اقتصاد القرن المقبل الذي يتكهن الكل بكونه سيكون اقتصاد إعلام واتصال ومعرفة.

هذه السمة الأولى أساسية، في تصوري، لفهم طبيعة هذه التحولات وأساسية أيضا في إحالتها على ثلاثة معطيات من المهم ذكرها بإيجاز هنا:

°- المعطى الأول: تقدر الإحصاءات المتوفرة أن سوق صناعة الإعلام والاتصال (من إلكترونيا جماهيرية ومعلوماتية واتصالات ووسائل إعلام وترفيه) سيبلغ نهاية القرن الحالي حوالي 15000 مليار فرنك فرنسي أي ما نسبته 10 إلى 12 بالمائة من حجم الاقتصاد العالمي: منها 2900 مليار للاتصالات، 2600 للمعلوماتية و1500 مليار للسمعي-البصري.

وهناك أيضا حوالي مليار و 260 مليون جهاز تلفاز في العالم (200 منها بالكابل و 60 مرتبطة بباقات رقمية). أضف إلى ذلك ال 700 مليون مشترك بالهاتف (80 مليون ضمنها للهاتف الخليوي) و 200 مليون حاسوب شخصي (30 مليون منها مرتبطة بشبكة الإنترنيت)، إضافة إلى ما يناهز 600 مليون إلى مليار مستخدم لآلاف مواقع الويب بالانترنيت.

°- المعطى الثاني ويتمثل أساسا في تزايد الميزانيات المخصصة لتجهيزات ومحتويات الإعلام ضمن الميزانيات العائلية العامة. فالمواطن الأمريكي مثلا كان يخصص سنة 1980 حوالي 20 بالمائة من ميزانيته للمأكل و10 بالمائة للإعلام والاتصال (تلفزة، هاتف، برامج معلوماتية...الخ) 15،  سنة فيما بعد نزلت ال 20 بالمائة إلى 16 بالمائة وارتفعت ال 10 بالمائة إلى حوالي 13 أو 14 بالمائة.

°- المعطى الثالث الذي يميز حركية هذه الصناعة (الإعلامية-الاتصالية) كونها تزامنت وتسارع وتيرة إنتاج المعارف والمعلومات. إذ يقدر العلماء أن مجموع المعارف من السنة الميلادية الصفر قد تضاعف أول مرة سنة 1750 ثم سنة 1900 ثم سنة 1950 ثم سنة 1960 لتعرف هذه الوتيرة بعد ذلك منحا أسيا كبيرا.

ثم أن العالم قد أنتج من المعلومات، خلال الثلاثة عقود الأخيرة، ما لم ينتجه خلال ال 5000 سنة من عمره. بمعنى أن قارئا قادرا على قراءة 1000 كلمة في الدقيقة (ثماني ساعات يوميا) يحتاج إلى أكثر من 5 سنوات لقراءة المتوفر في الوقت الذي يكون قد تأخر بنفس المدة تزايدت خلالها بشكل كبير المعارف.

- السمة الثانية وتكمن في تزايد نسبة المعلومات في تكوين السلع والخدمات لدرجة أصبحت معها (أي المعلومات) كلفة الإنتاج الأولى مقارنة باليد العاملة مثلا أو بالمواد الأولية.

أعطيك مثالان على ذلك:

+ المثال الأول: كل عشر سنوات تنخفض تكاليف الحواسيب بنسبة 50 بالمائة مع احتفاظها بنفس القوة (وهو ما يعرف عموما بقانون جويس)، وكل 18 شهر تتضاعف قوة هذه الحواسيب بالسعر القار. أي أن ما كان يكلف 5 ملايين في المعلوماتية مثلا لم يعد يكلف إلا 5000 أو 500 أو 50 وهكذا.

ومعناه أيضا أن البرمجيات أصبحت أكثر أهمية مقارنة بالأجهزة. ومعناه كذلك أن الخدمات واللوجيسيالات والبرامج أصبحت أهم من الموارد المادية.

في اليابان مثلا ، من أجل إنتاج نفس الكمية من السلع، انخفضت مساهمة المواد الأولية بنسبة 60 بالمائة ما بين سنتي 1973 و 1984، بمعنى أن ما كان محتاجا (من مواد أولية) لإنتاج سلعة معينة قد انخفض بنسبة 60 بالمائة خلال عشر سنوات، وهذا توجه مستقبلي عميق يجب ملاحظته وتتبع آفاقه.

+ المثال الثاني، حاليا قرص محوري من فصيلة "س.د.روم" بإمكانه احتواء مئات آلاف الصفحات النصية. أو في ميدان الاتصالات، زوج من الألياف البصرية بإمكانه أن يمرر من المكالمات الهاتفية ما لم يكن ممكنا إلا بواسطة أطنان كوابل النحاس، ناهيك عن متاعب الحصول على هذه المادة مقارنة بسهولة تصنيع الألياف البصرية بالمختبرات بواسطة مادة وفيرة أي بواسطة الرمال. هناك إذن توجه باتجاه لامادية الاقتصاديات وزيادة اعتماد هذه الأخيرة على العلم والمادة الرمادية لإنتاج السلع والخدمات.

-  السمة الثالثة وتتمثل أساسا في ازدياد قيمة وحجم البحث والتطوير ضمن هذه الصناعات والخدمات الإعلامية والاتصالية. فعلى الرغم من شكاوى التقشف المتزايدة بالدول الصناعية، فإن المنافسة لم تعد تتكرس إلا مظهريا على مستوى الأسواق، إذ أصبحت تنطلق من قوة المختبرات ومستويات البحث والتطوير المحصلة.

فلو علمنا أن الشركات الكبرى العاملة بالقطاع تخصص 3 إلى 4 بالمائة من مبيعاتها للبحث والتنمية والتطوير وبانتظام (منفردة أو من خلال تحالفات ضخمة) لتبينت لنا (ولو جزئيا) طبيعة اقتصاد الإعلام والمعرفة المقبل.

- السمة الرابعة، وتكمن في الميزة الشبكية  التي تميز القطاعات الثلاثة التي تكون صناعة الإعلام والاتصال والمعلومات (الاتصالات، المعلوماتية والسمعي-البصري).

القيمة المضافة لم تعد تأتي من هذه الشبكات في انغلاقها أو في استقلالية بعضها عن بعض بقدر ما أصبحت تنبع من ترابط هذه الشبكات فيما بينها. ومعنى هذا أن الاتصالات استفادت من المعلوماتية في تطوير برامج تسييرها وفوترتها وما إلى ذلك، والمعلوماتية وظفت تكنولوجيا الاتصالات في ضبط وإرسال محتوياتها، والسمعي-البصري وظف الأقمار الصناعية والكوابل والبرامج المعلوماتية في بثه وإرساله وهكذا. بمعنى أن التوجه الحالي إنما هو باتجاه انصهار القطاعات الثلاثة لا تعميق استقلالية تطورها.

- السمة الخامسة ويمكن ملامستها عبر زيادة نسبة اليد العاملة النشيطة بقطاعي الإعلام والاتصال ضمن السكان النشيطين الإجماليين، إذ تقدر الدراسات أن نسبة المشتغلين بقطاعي الإعلام والاتصال ستبلغ سنة 2000 حوالي 65 بالمائة (50 بالمائة حاليا) مقابل 2 بالمائة فقط للزراعة والصناعات الاستخراجية و 22 بالمائة للصناعات التحويلية و 10 بالمائة لخدمات مختلفة أخرى.

هذه السمة أعتبرها أيضا مركزية كونها تؤشر، إلى جانب ذلك، إلى طبيعة اليد العاملة التي سيتزايد عليها الطلب وأيضا إلى طبيعة البطالة التي من شأنها أن تنشأ مستقبلا.

- السمة السادسة وتتمثل في مدى تأثير هذه التحولات الإعلامية والاتصالاتية والمعلوماتية على أنماط التنظيمات والتسييرات والتوظيفات المكرسة طيلة عهود ما قبل عصر ما يسمى ب "عصر المعلومات":

+ فهناك الانتقال من الأنماط الهرمية السائدة في التنظيم إلى سيادة اللامركزية وسيادة تعدد مراكز اتخاذ القرار مع زيادة قيمة العمل الوحداتي التشاركي.

+ ثم هناك الانتقال من نظم الرقابة والضبط المركزية إلى أنماط رقابة ذاتية تكون المسؤولية فيها من نصيب الجماعة مع سيادة قيمة النجاح لدى الجميع.

+ وهناك اعتماد قيم المرونة والحركية عوض الاعتماد على النظم الجامدة والهياكل الثابتة والمستقرة.

+ وهناك أيضا اعتماد المعلومات كمصدر استراتيجي في العملية الإنتاجية عوض اعتبارها بيانات تاريخية محددة الأهداف والغايات.

هذه السمات الست الكبرى أعتبرها شخصيا أهم ميزات عصر التحولات الإعلامية والاتصالاتية الحالية لأنها تكرس لتوجهاته وتبين معالمه العميقة.

س: على هذا الأساس  ما هي المحددات الأساسية لهذه التحولات أو لنقل العوامل الكبرى التي دفعت بهذه التحولات وجعلتها تتكرس على أرض الواقع؟

يحيى اليحياوي: الحقيقة أن الحديث في هذه المحددات يتطلب حديثا مستقلا لوحده لا باعتبار تعددها وتباينها فحسب، ولكن أيضا بحكم تشعب روافدها وإحالتها على أكثر من حقل معرفي وأكثر من اختصاص.

لكن ما دام السؤال مطروحا، فسأحاول أن أوجزها من خلال الوقوف عند ثلاثة محاور أراها، من الناحية المنهجية على الأقل، ذات دلالة عميقة لفهم طبيعة هذه التحولات علما أني تحدثت فيها في أكثر من بحث:

+ هناك من ناحية المحددات التكنولوجية التي طالت القطاع لأكثر من قرن من الزمن وما تزال. وأنا أعتقد أن حركية قطاع الإعلام والاتصال إنما هي أولا وأخيرا حركية تكنولوجية حتى وإن كانت روافدها غير تكنولوجية.

ضمن هذه المحددات، هناك فيما أعتقد أربعة عوامل كبرى لا بد من الإشارة إليها ولو بإيجاز شديد:

°- العامل الأول، عامل الرقمنة. الرقمنة مركزية لفهم طفرة قطاع الإعلام والاتصال لا على اعتبار ما حملته من إمكانات استغلال وتخزين وإرسال ونقل كل أنواع المعلومات المتوفرة (من نصوص وبيانات وصوت وصورة وغيرها) فحسب بل أيضا في كونها وفرت للقطاعات الثلاثة لغة مشتركة (كل المعلومات بالإمكان تحويلها إلى رموز من 0 و 1) ومنحتها بالتالي إمكانية التداخل والتزاوج والتواصل.

الرقمنة هي اللغة السحرية التي قربت بين القطاعات الثلاثة وسهلت مامورية استفادة بعضها من البعض الآخر وتساهم، في توجهها الحالي، في صهر هذه القطاعات وتوحيدها في واحد منها.

°- العامل الثاني ويتمثل إجمالا فيما يمكن تسميته ب " وصول بروتوكولات التبادل الشمولي" من قبيل المبدلات ذات السعة العالية وما مكنه من تقليص لدور المسافات وضغطه باتجاه التحويل الجذري لتسعيرة المكالمات وتبادل وما إلى ذلك. هذه البروتوكولات هي التي مكنت أيضا التحويل بالرزم والإرسال وفق مقاييس السعة العالية، وفتحت الباب أمام التفاعلية والآنية والخدمات الجديدة وغيرها.

°- ثم هناك التطورات الضخمة في اللوجيسيالات المعلوماتية وقوة المكونات والموصلات ، إذ تحولت مبدلات الاتصالات إلى ما يشبه ماكينات معلوماتية، ووظفت المعلوماتية وسائل الاتصالات من كوابل دقيقة وسو اتل وبرمجيات اتصالات...الخ.

°- وهناك الانفجار التكنولوجي الذي غزا كل مكونات السلسلة الصناعية الإعلامية والاتصالاتية ابتداء بالشبكات- الأم والبرمجيات وانتهاء بالمطارف والأجهزة الطرفية مرورا ببروتوكولات التسيير والمراقبة والفوترة...الخ.

هذه العوامل التكنولوجية الأربعة هي قليل من كثير وهي أساسية لفهم الأدبيات التي تبحث في طبيعة هذه التحولات وفي تحديد المفاهيم التي من الواجب استعمالها كما سبق التذكير بذلك بداية هذا الكلام.

وهناك إلى جانب هذه المحددات، المحددات الاقتصادية والتقنينية أو ما يمكن تسميته بالمحددات المؤسساتية. ومعناها أن تزايد القيمة المضافة بهذا القطاع جعله قبلة الصناعيين والفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الإنتاجية وأشعل نار التنافسية به باتجاه المطالبة بإعادة تقنينه وتحريره وفتحه للاستثمار من لدن مؤسسات قد تبدو (أحيانا كثيرة) طبيعة نشاطها بعيدة عن مثيلاتها بقطاع الإعلام والاتصال كمؤسسات الماء والكهرباء والسكك الحديدية والسيارات والبناء والأشغال العامة وقس على ذلك.

ما زاد هذه الاعتبارات قوة وتأثيرا كونها تزامنت ووصول نخب سياسية تكن عداء شديدا لمركزية هذا القطاع العمومية وارتكازه على مبادئ (من قبيل مبدأ المرفق العام) لم تعد، في نظر هذه النخب، تساير العصر ومنطق العصر.

لهذه الأسباب ولغيرها أصبح القطاع اليوم عرضة حقيقية لسياسات اللاتقنين والخوصصة والتحرير وأصبح محج أصحاب المال والمقتنصين لفرص الربح وإمكانيات توسيع الأسواق وأصبح، فضلا عن ذلك، خاضعا لمقاييس يراد لها أن تكون عالمية كمقاييس منظمة التجارة العالمية وغيرها.

+ وهناك ثالثا ما يمكن تسميته بالمحددات السوسيوثقافية أو المجتمعاتية لهذه التحولات. ومعنى هذا أن بلوغ المجتمعات الصناعية مرحلة التخمة قد تزامن وانبعاث نمط جديد لإنتاج وتوزيع واستهلاك المعلومات خصوصا والمعرفة على وجه العموم. وهو ما أدى إلى ظهور سلع وخدمات إعلامية واتصالية جديدة جدة التحولات السائدة نفسها.

هذا الجانب أراه مهما أيضا بالنسبة للباحثين المهتمين بإشكالية العلاقة بين العرض التكنولوجي والحاجة المجتمعاتية أو ما يمكن تسميته ب "المحددات المجتمعاتية للعرض التكنولوجي".

+ ثم هناك إلى جانب كل هذا ما يمكن اعتباره " المحدد العسكري" لهذه التحولات، إذ أن معظم الاختراعات والتطبيقات الميدانية لتكنولوجيا الإعلام والاتصال (وغيرها) غالبا ما يتم داخل المؤسسة العسكرية أو بفضل التمويلات التي توفرها. ولعل نموذج الأقمار الصناعية (والانترنيت أيضا) دليل واضح على عمق دور المؤسسة العسكرية في تحديد صيرورة ووتيرة التطورات التكنولوجية في هذا الميدان.

هذه المعطيات الأربعة، مضافة إلى السمات الست السابقة ، إنما أظنها ملامسة لطبيعة التحولات الجارية بقطاع الإعلام والاتصال، محددة لتوجهاته وبانية لمعالمه المستقبلية حتى وإن كانت التسارعات التكنولوجية لنهاية هذا القرن تتطلب التحفظ في التقدير والحذر في التعبير.

س: إذا انتقلنا إلى محاولة مقاربة تأثير هذه التحولات، ماذا عسانا نقول إزاء تأثيرها على المسألة الثقافية مثلا؟

يحيى اليحياوي: هذا السؤال ضخم ومتشعب، إلا أنه بقدر ضخامته وتشعبه، بقدر أهميته ومركزيته، مركزية التساؤل في هذه التحولات نفسها.

الدراسات المتوفرة حاليا حول الموضوع (وهي قليلة جدا)  لا توفر إلا القليل من المعطيات الإحصائية التي من شأنها أن تساعدنا على فهم طبيعة واتجاه العلاقة بين التحولات الجارية في قطاع الإعلام والاتصال والمسألة الثقافية.

والسبب في اعتقادي، لا يرجع إلى عدم  استقرار طرفي المعادلة أو تنوع وتعدد مكونات كليهما فحسب، ولكن أيضا إلى صعوبة تحديد هذه التحولات (وماهية الثقافة أيضا) وعدم التمكن من عزل العناصر التي من شأنها أن تتفاعل مع الإشكالية الثقافية أو تفعل فيها كمرحلة أولى لضبط العلاقة ونمذجتها.

هذه الاعتبارات وغيرها لربما هي التي تجعل من مقاربة العلاقة غالبا ما تتم في إطار تكهنات وتصورات وإسقاطات أكثر ما تخضع لاستقراءات أفرزها الواقع وأقرتها الممارسة وطوعتها (أو خضعت لها) القيم السائدة.

إلا أن هذا التحفظ المنهجي لا يمنعنا مع ذلك من الوقوف عند ثلاث ملاحظات أساسية أعتقدها  مبينة لأبعاد هذه العلاقة، موضحة لمعالمها ومجيبة ولو جزئيا على تساؤلك:

+ الملاحظة الأولى ومفادها أن هذه التحولات بدأت تحمل (وستحمل أكثر في المستقبل) أشكالا جديدة للوصول إلى الثقافة والمعرفة ولربما " يتدمقرط" معها هذا الوصول لو تم تجهيز المؤسسات الثقافية أو المهتمة بالثقافة بما يمكنها من بلوغ بنوك المعطيات وقواعد المعلومات.

لو نحن علمنا مثلا أن المجتمعات المعاصرة تنتج حوالي مليونين من المقالات العلمية في 60000 مجلة مختصة (بنسبة أربع مقالات كل أربعة دقائق) لتبين لنا كيف أنه من الصعب الوصول إلى الثقافة والمعرفة وفق الطرق السائدة ولتبين لنا أيضا كيف سهلت التكنولوجيا إمكانيات الاضطلاع على مكونات "الحقل الثقافي العالمي".

+ الملاحظة الثانية ومغزاها أنه من "الأوعية" الثقافية الرائجة ما هو مطالب أكثر من أي وقت آخر، بإعادة صياغة إشكاليته وأوجه تعامله مع التلفزة والحاسوب  والمتعدد الأقطاب والنصوص والصور الممررة عبر الانترنيت سيما وقد بدأ الكتاب يتراجع لصالح بعض أشكال تكنولوجيا النشر الجديدة ك " س.د.روم" والنشر الإلكتروني وما إلى ذلك.

وللتذكير فستصل نسبة النشر الإلكتروني سنة 2000 حوالي 10 إلى 15 بالمائة من سوق النشر الإجمالي.

+ الملاحظة الثالثة ومضمونها أن هذه التحولات لا يمكن (وهذا رأي يناقش) أن تعطي الثقافة إلا بالقدر الذي تعطيه هذه الثقافة لهذه التحولات. إذ أصبح بإمكان المنظومات الثقافية المختلفة أن توظف هذه التكنولوجيا لغرض نشر قيمها وإطلاع الآخرين عليها. والأمثلة في شبكة الانترنيت على ذلك كثيرة ولا مجال هنا للتفصيل فيها.

وقصد القول إن قدرة تفاعل الثقافة مع التحولات الجارية في قطاع الإعلام والاتصال لا يمكن ولو جدليا تصورها إن لم تخضع الثقافة نفسها للتحولات والتحول في طرق إنتاجها وسبل توزيعها وظروف استهلاكها.

* "الباحث يحيى اليحياوي لجريدة المنظمة: إن التحولات في تكنولوجيا الإعلام والاتصال هي جذرية وحتمية"، استجواب، جريدة المنظمة، يومية، الدار البيضاء، 18-19 أكتوبر 1998.

يمكنكم مشاركة هذا المقال