تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"اللغة في محك العولمة الثقافية"

اللغة، أيا ما تكن مقوماتها وقوة الجماعة البشرية القائمة عليها، ليست فقط أداة تحاور ووسيلة تواصل بين الأفراد والجماعات في زمن ما ومكان ما. إنها كذلك بالقطع ودون شك، لكنها أيضا وبالآن ذاته، مكمن هوية ومكنون منظومة قيم، لا يمكن لأي حضارة أن تقوم أو تستقيم في إغفالها تطويرها، أو التغاضي عن استنبات المصطلحات الجديدة من بين ظهرانيها، أو الانشغال عن توليد المفاهيم بالبناء على ما يستجد بداخلها، أو عبر ما تتلقاه من خلال تلاقحها مع اللغات الأجنبية.

هي تحديات طبيعية كبرى غالبا ما تعيشها كل اللغات، لكن العولمة اللغوية والسيميائية، ثم الثقافية التي استتبعتها في صلب كل ذلك، إنما حملت ولا تزال تحمل تحديات جديدة، ليس أضعفها النزوع إلى توحيد لغات العالم واختزالها في الأقوى ضمنها (أي اللغة الإنجليزية)، وليس أقلها خطرا، التنميط الثقافي الذي أضحى مصدر خطر على اللغات نفسها، وعلى الثقافات الوطنية المرتكزة عليها نصا ومنطوقا.

ولعل ما زاد من حدة هذه التحديات إنما الثورة التي عرفها قطاع الإعلام والمعلومات والاتصال، والتي جاءت شبكة الإنترنيت لتكون ممثلها الحتمي، والمعبر الأسمى عن تطلعاتها، ليس فقط بزاوية احتكار اللغات "القوية" لمعظم مضامينها، ولكن أيضا بزاوية أنها اختزلت حاضر ومستقبل العديد من اللغات في مقياس التواجد بها، والتواصل من خلال روافدها.

وعلى هذا الأساس، فإن التحدي المرفوع من لدن العولمة بوجه اللغة العربية، كما بوجه  العديد من اللغات الأخرى، إنما بات يقاس بحجم موقعها على الشبكات الرقمية، وبمقدمتها شبكة الإنترنيت، ويقاس أيضا بمدى إسهامها في تطعيم ذات الشبكة نحوا وصرفا وتوليدا للمصطلحات.

هو ليس تحدي بالمعنى السلبي للكلمة، حتى وإن بدا كذلك لأول وهلة، بل هو تحدي ذو مضمون إيجابي، من شأنه أن يحفز القائمين على شأن اللغة العربية (دولا وحكومات ومجاميع لغوية وغيرها)، ليتداركوا تراجع اللغة العربية في تيارات إنتاج المعلومات والمعرفة (بالإنترنيت وبغيره)، ويؤسسوا للاستراتيجيات التي من شأنها إعادة الاعتبار للغة العربية تخاطبا وتداولا، ثم إسهاما في الثقافة الإنسانية التي باتت ضاغطة وبمتناول اليد أيضا بفضل الشبكات الألكترونية.

* "اللغة في محك العولمة الثقافية"، 12 شتنبر 2011. سايس أخبار، دجنبر 2011.

يمكنكم مشاركة هذا المقال