تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي لجريدة "المشعل": الممارسة بأرض الواقع وليس التلفزيون، هي التي من شأنها تلميع صورة المجلس الحكومي

المشعل: ماهي ملاحظاتك على النقل التلفزي لأطوار المجلس الحكومي على شاشات التلفزيون العمومي؟ وماذا عن أسلوب التغطيات التلفزية التي تعنى بالمجلس الحكومي؟

يحيى اليحياوي: هذا سؤال يفترض دراسات مستفيضة عن العلاقة بين التلفزيون والسلطة عموما وبينها وبين الحكومة على وجه التحديد، سيما وأن الجهاز التلفزي بالمغرب هو جهاز حكومي بامتياز في شكله كما في مضمونه. ولما كان الأمر كذلك، فإن المسألة لا تخرج كثيرا عن مبدأ التوظيف لهذه الغاية أو تلك، أعني عن مبدأ العلاقة بين صاحب الملكية وملكيته، يتصرف فيها كما يعن له.

بالتالي فتغطية الأنشطة الحكومية عموما، واجتماعات المجلس الحكومي على وجه التحديد، تندرج بالجملة والتفصيل في هذا السياق، سياق توظيف الصوت والصورة لعكس كل أو بعض ما يدور بردهات المجلس من مداولات وما يصدر عنه من قرارات.

من هنا، فإن الوظيفة الأساس هي وظيفة إخبارية صرفة، تنقل بموجبها التلفزة ما يتكرم به المجلس أو يصدر عن الناطق الرسمي باسمه. الديكور واحد بكل الحالات، حيث تتجول الكاميرا على وجوه الوزراء الجالسين، وهم يقلبون أوراقهم وملفاتهم، فيما صوت الصحفي منغمس في قراءة جدول الأعمال وما ترتب عن الاجتماع، مع استقاء لرأي هذا الوزير أو ذاك فيما تم تداوله أو اعتماده. هي وظيفة إخبارية إذن يتوجه بها التلفزيون لكل المشاهدين دونما تمييز أو ترتيب للمادة أو تفصيل للجمهور حسب طبيعة الخبر المروج له وطبيعة الرسالة المراد تبليغها للمتلقي.

ثم هي وظيفة ذات رسالة فوقية، تقدم للجمهور كما توزع المنشورات أو تقرأ البيانات أو تقدم الخطب والمواعيظ، اللهم إلا فارق أن الرسالة هنا ذات خاصية تقريرية أو إدارية أو ذات بعد سياسي أو ما سوى ذلك. المطلوب هنا تلقي الرسالة لا التعليق عليها، والمطلوب أيضا تعميم رسالة موحدة تصل للجمهور واضحة نادرا ما تحتاج إلى تشفير.

وهي أيضا وظيفة ذات بعد إلزامي، إذ لا تكتفي بالإخبار، بل تحيل على التنفيذ أو على الاعتماد التلقائي دونما قدرة على الاعتراض، على اعتبار أنها متمخضة عن السلطة، وتعبيرا عنها، أعني تعبيرا عن العنف الشرعي الذي يميزها عما سواها من سلطات.

ثم هي ذات أسلوب إنشائي خشن وركيك، لا يترك مجالا للتعليق المباشر أو يستقي من الشارع ردود الفعل الآنية، أو يستتبع بآراء الخبراء وهكذا. العبرة في التغطية إذن هي الإبلاغ ليس إلا، ولما كانت كذلك، فإن الرسالة غير قابلة للتأويل كثيرا.      

المشعل: أجمعت جل الآراء التي استقتها "المشعل" لفئات من عامة المجتمع، أنهم لا يشاهدون أطوار وأشغال المجلس الحكومي على شاشات التلفزة. في اعتقادك، لماذا ينفر المشاهدين من متابعة أشغال المجلس الحكومي على شاشات التلفزة؟

يحيى اليحياوي: ليست لدي معطيات عن نسبة مشاهدة أطوار المجلس الحكومي، لكني ضمن الذين لا يعيرونها كبير اهتمام، اللهم إلا إذا كان بالأمر ما يستوجب المتابعة نظرا للتبعات التي قد تصدر عن قرارات ذات المجلس.

قد يكون لأمر العزوف هذا أسباب مختلفة، لكني أزعم أنها لا تخرج عن إحدى الأسباب الثلاثة الرائجة: أولها تراجع الثقة في السياسة والسياسيين من لدن المغاربة، على الأقل منذ انتخابات العام 2007 التي طاولتها العديد من التجاوزات، ولم تفرز مع ذلك حكومة متجانسة ذات أغلبية قارة تستطيع تنفيذ ما تعهدت به أيام الحملة الانتخابية. ثم أن الحقل السياسي برمته بات ملوثا بأحزاب هجينة، طفيلية أو مصطنعة أو دخيلة أو متواطئة في الفساد السياسي، مما يجعل المغاربة لا يثقون فيها أو يهتمون بما يصدر عنها، أو يتابعون رايها بهذه القضية أو تلك.

ولما كان المجلس الحكومي هو اختزال لصورة هذا المشهد السياسي الشاذ، فمن الطبيعي ألا يستهوي المغاربة، أو يذكي لديهم الرغبة في متابعة ما يقوم به أو يعتمده من قوانين. 

ثاني الأسباب أن المغاربة يدركون جيدا أن القرارت الاستراتيجية الكبرى، التي ترهن حاضرهم ومستقبلهم، لا تتخذ من بين أروقة المجلس الحكومي، بل بمستويات عليا لا يعمل المجلس إلا على اعتمادها أو الترويج لها ليس إلا. بالتالي، فمن الطبيعي أيضا أن ينتظر المغاربة مثلا خطب الملك عوض الاهتمام بمجلس لا يهش ولا ينش كما يقال.

وثالث الأسباب أن المغاربة باتوا متأكدين بأن ليس لديهم التلفزة التي يستحقون ولا الحكومة التي يستحقون. بالتالي، تبرموا عن الإثنين بالجملة والتفصيل، وانصرفوا للبحث عن معاشهم اليومي بمعزل عما تقوم به الحكومة، وباتوا يتلقون أخبار ما يروج بالمغرب من خلال القنوات الفضائية الأجنبية.

وعلى هذا الأساس، فأنا أزعم أن النفور من التلفزة عموما، ومن التلفزة في تغطيتها لأشغال المجالس الحكومية، هو أمر مبرر وإلى حد ما مشروع.

المشعل: لماذا ظلت صورة الناطق الرسمي للحكومة وهو بالمناسبة ناقل خلاصات المجلس الحكومي لصيقة في نظر عامة المشاهدين، بالسياسي الذي يردد الأسطوانة المشروخة "العام زين"؟

يحيى اليحياوي: الناطق الرسمي باسم الحكومة وظيفة قديمة بالمغرب، اندثرت من مدة، لكنها عادت مع حكومة التناوب فيما أعتقد. وهي مسألة جيدة في حد ذاتها، إذ المفروض أن يكون للحكومة ناطق رسمي، يصرف بالإعلام وللرأي العام ما دار ويدور بأروقة الحكومة، إخبارا تارة وتنويرا للمواطنين في هذه القضية أو تلك، سيما وأن هؤلاء هم الذين يؤدون ضرائب ما تنفذه الحكومة أو تقرره. وبكل الأحوال، فهذه الوظيفة موجودة بمعظم حكومات العالم، لا بل إن بعض الوزارات داخل الحكومة الواحدة قد يكون لها ناطق أو أكثر باسمها، سيما إذا كانت ذات الوزارة حيوية ومهامها حساسة كالخارجية أو الأمن أو الاقتصاد أو ما سواها، ويكون لهؤلاء الناطقين مواعيد دورية محددة مع الصحافة، أو تعقد كلما استجد مستجد. وقد يكون الناطق عضوا بالحكومة أو ناطقا معينا دونما أن يكون وزيرا أو كاتب دولة.

بحالة المغرب، نلاحظ أن هذه الوظيفة غالبا ما تسند للوزير المكلف بالاتصال أو بالاتصال والثقافة، يحضر المجالس الحكومية، ويقدم بنهاية كل دورة مجلس تقريرا مقتضبا عما دار من بين ظهرانيه، لكن بطريقة تلقينية، فوقية، إخبارية خالصة، لا أثر للتفاعلية فيها كبير، إذ لا مجال لطرح أسئلة أو مساءلة الوزير اللهم إلا فيما نذر.

ثم إن هذا الناطق هو رجل سياسي يمثل حزبا في الحكومة، وصورته بالذاكرة الجمعية هي صورة السياسة بالمغرب، حيث لا مبادئ ولا قناعات ولا تحالفات موضوعية ولا برامج سياسية حقيقية، بل اللغة السائدة هي لغة المصالح المتبادلة والاعتبارات الفئوية التي تميز الأفراد كما المؤسسات ذاتها.

من هنا، فرداءة وظيفة الناطق الرسمي، تتأتى بالأساس من رداءة السياسة والسياسيين، الذين اختلفوا حتى تشابهوا في عجينة عجيبة لا يستطيع المرء فك طلاسيمها.

المشعل: هل نجح المجلس الحكومي في تسويق صورته إعلاميا؟

يحيى اليحياوي: الإعلام عموما، والتلفزة على وجه التحديد، لا تستطيع تلميع صورة قبيحة أو تقبيح صورة جميلة، لسبب بسيط هو أن ذلك ليس من رسالتها. رسالتها هي أن تعكس مجريات واقع الحال بقبحه كما بمظاهر الجمال من بين أضلعه. هذه مسألة معروفة ولا مجال للحديث فيها أكثر.  

صحيح أن كل مؤسسة، حتى وإن كانت حزبية، تحاول تسويق صورة ما عن نفسها. وصحيح أن ذات التسويق قد يؤتي أكله إذا أتقن أساليب الحيل والخداع السينمائية، سيما بالحملات الانتخابية، لكن ذلك سرعان ما ينجلي لتعود الصورة كما كانت أو أسوأ.

 لماذا أقول هذا؟ أقوله لأني أعتقد أن العبرة بالسوق، حتى وإن كان سوقا سياسيا، العبرة بالممارسة وليس بالخطاب الإعلامي. بمعنى أنه إذا كانت الممارسة صحيحة، فإن الصورة ستكون مطابقة لذلك، وإذا كان السلوك بأرض الواقع غير سليم، فإن الصورة لن تتحسن بالتلفزة حتى لو جندت لها الإمكانات والموارد.

في حالة المغرب، لا أتصور أن التلفزة قد أسهمت كثيرا في تسويق صورة الحكومة للأسباب التي ذكرتها من قبل وأيضا لأن التلفزة نجحت حقا وحقيقة في تعميق البون القائم بين المغاربة وبين الممارسة السياسية، فما بالك بالحكومة التي تفرعت عنها، أو بالناطق الرسمي الذي ينطق باسمها. الرداءة سمة الكل سياسيين وحكومة وتلفزيون، لا يتنافسون في ذلك إلا من أجل رداءة أكثر.     

المشعل: ما هي المعيقات التي تواجه وتحول دون تحقيق الانتشار لخطاب المجلس الحكومي إعلاميا، وبالتالي عجزه الوصول إلى أكبر فئات المجتمع؟

يحيى اليحياوي: أول معوق في ذلك، من الناحية العملية الصرفة، عدم تمكن الناطق الرسمي من مهمته. فهو يتعامل مع الصحفيين من فوق، بتعال قل نظيره، ويلبس لبوسا أكثر من مقياسه. فالناطق الرسمي الحالي تنقصه خطابة خاصية التفاعلية، وينقص سلوكه خاصيات التواضع والألفة التي من المفروض أن يستنبتها مع زملاء له في المهنة. إنه يحتقرهم ويهينهم ولا يجد حرجا في تعنيفهم ولا يدافع عنهم بالمرة، بل يتبنى التجاوزات التي قد تتم في حقهم...وقس على ذلك. فضلا عن ذلك فالرجل لا يملك الحد الأدنى من الكاريزما التي من الواجب أن تتوفر في رجل سياسة، فما بالك بالمختزل لمواقف الحكومة.

ثان معوق بوجه رواج الخطاب الحكومي إعلاميا، اقتناءه للأداة التلفزية التي هي بدورها دون مصداقية، سيما بجانب سكونية الوظيفة الإخبارية وغياب المباشر من بين ظهرانيها، ناهيك عن غياب الرأي المخالف من بين مرافقها.

ثالث معوق في ذلك، عدم ارتكاز الخطاب على حقيقة ما يجري بأرض الواقع، إذ لا تعكس التلفزة ما يدور بذات الواقع، ولا اعتبار لثقافة القرب من لدن القائمين عليها.

هي كلها أسباب تدخل في مجال العناصر الطاردة عوض أن تسهم في احتضان ما قد يصدر عن ذات الناطق.

المشعل: ماهي النصائح التي تقدمونها حتى يحقق خطاب المجلس الحكومي رسالته، ومد جسور التواصل بينه وبين المشاهد/المواطن؟

يحيى اليحياوي: نصيحة واحدة: إرساء قواعد أداء تلفزي جيد، بمواد جيدة، وببرامج هادفة، ثم قطع السياسيين مع الأساليب التي دفعت المغاربة إلى أن ينفروا من السياسيين. حينها ستعكس التلفزة تلقائيا ما يدور بالمجالس الحكومية، وتسائل المسؤولين دونما حاجة إلى ناطق رسمي مقزز، متعال، وذو ردود فعل مستهجنة .

جريدة المشعل، العدد 246، 29 شتنبر- 6 أكتوبر 2010

* "يحيى اليحياوي لجريدة المشعل: الممارسة بأرض الواقع وليس التلفزيون، هي التي من شأنها تلميع صورة المجلس الحكومي"، استجواب، جريدة المشعل، العدد 246، 29 شتنبر- 6 أكتوبر 2010.

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال