تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الإعلام العربي بالمهجر"

news-details

تناسلت، منذ مدة ليست بالبعيدة، العديد من المنابر العربية (ناطقة بالعربية أو بلغات بلدان التواجد) على خلفيات مختلفة وتحت مسوغات شتى ولأهداف متباينة لكنها محكومة في مجملها بثلاثة إكراهات كبرى تشارف على الموضوعية:

+ الإكراه الأول ويكمن في مختلف ضروب الضغط وشتى أشكال التشديد والمضايقة التي طاولت ولا تزال تطاول "الفضاء الإعلامي" بالدول العربية (صحافة مكتوبة تحديدا) واستحالة الحصول على تراخيص لإنشاء إذاعات أو تلفزيونات أرضية أو محطات فضائية أو ما سواها جراء واقع الاحتكار العمومي الذي لا مجال من بين ظهرانيه لإعلام خارج الإعلام العمومي...إعلام السلطة بواقع الأمر.

+ أما الإكراه الثاني فيتمثل في الحصار المفروض على حرية التعبير والتفكير ومختلف أشكال العمل السياسي والمدني والذي يعتبر العمل الإعلامي إحدى روافده الكبرى...إذا لم نقل رافده الأساس.

والحقيقة، أن الحصار إياه لم يأت من فراغ ولا استنبت بأرض خلاء، بل هو انعكاس موضوعي (وإلى حد ما طبيعي يقول البعض) لغياب الديموقراطية بالمنطقة العربية واستئثار السلطة بمختلف أضلع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وما سواها.

+ الإكراه الثالث ويكمن، زمن الطفرة التكنولوجية وانفتاح السماوات وتكاثر أدوات إنتاج وترويج المعلومات وتزايد الطلب عليها، في تطلع العديد من المنابر العربية للاقتراب من مصادر المعلومة والخبر والاستفادة من الهامش الواسع من الحرية القائم بالدول الغربية أو بمعظمها على الأقل.

وإذا كانت الإكراهات أعلاه عاملا  محفزا قويا لاستنبات هذا الكم الهائل من المنابر الذي نشهده اليوم، فإنها لم تكن مع ذلك كافية لذات الاستنبات إذ تآزرت في ذلك (الإكراهات أعني) ومعطيين موضوعيين آخرين لا يقلان أهمية عن العوامل السابقة:

+ الأول ويتمثل في الطفرة التكنولوجية العميقة التي طاولت ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال ووفرت أدوات وأعتدة إنتاج وبث المواد والأخبار والمعطيات وما سواها. إذ وفرت التقنيات الرقمية إمكانات ضخمة قوضت عامل الندرة الذي حال ولعقود عدة دون تعددية المجال الإعلامي والاتصالي أو توفير الشروط التقنية لذات التعددية.

+ أما المعطى الثاني فيكمن في توفر الفوائض المالية (سيما من بين ظهراني دول الخليج) ارتأت في الميدان الإعلامي (صحافة وبثا تلفزيا فضائيا) وسيلة جديدة للاستثمار إذا لم يكن بغرض الربح السريع والمباشر فبجهة المراهنة الرمزية على مجال أضحى مكمن سلطة بامتياز.

ومعنى هذا أن لجوء العديد من "أصحاب رؤوس الأموال" العرب إلى ركوب موجة البث الفضائي مثلا لم تذكية فقط اعتبارات اقتصادية أو تجارية (فما بالك لو كانت ثقافية)، بل ثوت خلفه اعتبارات أخرى لعل أقواها إطلاقا تلك المحكومة بالانبهار التكنولوجي وإغراء الصورة الرمزية التي يعطيها لهؤلاء.

وبصرف النظر عن غياب الدراسات التقييمية الموضوعية لظاهرة المنابر الإعلامية بالمهجر (بأمريكا وأوروبا تحديدا) فإنها، على الأقل بالملاحظة المؤقتة الأولية، استطاعت تحقيق بعض من المكاسب الحقيقية سيما فيما يتعلق بالمنابر الجادة:

+ فهي استطاعت أن تكسر جزءا من الاحتكار المطلق الذي لطالما مارسه الإعلام الغربي في تغطية قضايا المنطقة العربية وتصحيح جزء من نمطية صورة الإنسان العربي الذي تداولها ذات الإعلام لعهود طويلة. لم يعد بالتالي لوكالات الأنباء العالمية ذاك الاحتكار المطلق للمعلومات والمعطيات بل أضحى للعديد من المنابر الإعلامية العربية مراسلوها ومبعوثوها ومصادرها في الخبر إلى حد ما مستقلة.

وعلى الرغم من كونه ناطقا باللغة العربية في معظمه، فإنه استطاع اختراق العديد من دوائر السلطة والدوائر الثقافية التي روجت لذات الصورة أو بنت عليها خطابا وعلى مستوى السياسات.

+ والمنابر العربية المتواجدة بالغرب استطاعت وإلى حد كبير موسطة مأساة الشعب الفلسطيني نصا وصوتا وصورة وأبانت على الكثير من مكامن الظلم الذي طاول هذا الشعب أرضا وثقافة وتراثا ولا يزال. إذ على الرغم مما قد يكون تباينا في التعاطي مع القضية الفلسطينية فإن الناظم لها مجتمعة هو اعتبار ذات القضية بأنها مركزية ولا يمكن تذويبها.

+ والمنابر إياها نجحت (وإن بمستويات محدودة) في خلق حركية إعلامية بالمهجر التأم حولها العديد من أبناء الجاليات المهاجرة وأضحت منبرهم بامتياز صوتا كما بالصورة كما بالكلمة المكتوبة.

وعلى الرغم مما يمكن اعتباره مكاسب للإعلام العربي بالمهجر، فإن المحصلة (بالقياس إلى السلبيات) تبدو ثقيلة في الميزان:

+ فالمنابر إياها ناطقة في معظمها باللغة العربية. ولما كانت كذلك فإن جمهورها يبقى محصورا ومقتصرا في الغالب الأعم على العرب ببلاد المهجر أو على الذين يقرأونها من العرب ببلدانهم أو يرونها في حالة الفضائيات.

وعلى هذا الأساس، فهي ولكأنها تصاغ من لدن عرب لفائدة عرب لا ميزة لها استثنائية (عن تلك الباثة من الداخل) إلا كونها مكان الطبع أو  مصدر البث ليس إلا.

+ والمنابر إياها (سيما الفضائيات) تقتصر على الغناء وعلى الطرب والرقص ولا تكترث بقضايا الأمة إلا في القليل النادر منها... وهو أمر لا يترتب عنه إهدار للمال وتضييع للموارد ولكن أيضا المساهمة في تكريس صورة العربي المنبهر بالرقص والمجون والنساء وما سوى ذلك... وهي الصورة التي من المفروض التعاطي معها ومعالجتها.

+ والمنابر هاته غالبا ما تبقى حمالة لغايات القائم عليها، صاحب رأس المال...فهي منابر غناء ورقص ومجون لا يكترث مالكوها بالهم العربي (بل قل هو آخر المفكر فيه من لدنهم)... وهي منابر " سياسية" (معارضة في بعض منها لهذا النظام العربي أو ذاك) لذا تراها تستقطب لذلك من الوجوه من يخدم رسالتها وتقدم من البرامج ما يسير في توجهاتها...

وهكذا.

وعلى هذا الأساس، فإن الإعلام العربي بالمهجر (باستثناء بعض المنابر المكتوبة الجادة) يبقى دون الرسالة التي من المفروض أن تناط به. والرسالة الملمح إليها هنا إنما تتراءى لنا من ثلاثة أضلع:

+ الأول: تمرير المواد الإعلامية التي من شأنها المساهمة في تحسين صورة الإنسان العربي سيما في زمن اشتد عليه فيه التضييق والحصار والمتابعة.

+ الثاني: الدفع بالقضايا العربية الكبرى وأولاها إطلاقا قضيتا الاحتلال بفلسطين والعراق.

+ الثالث: المساهمة في ترويج الثقافة العربية بما يخدم هذه الأخيرة ويخدم العرب في إطارها.

هي ثلاثة أضلع كبرى لا يتراءى لنا من جدوى لإعلام عربي بالمهجر إذا لم يعالجها أو يطرحها بالفضاء العام.

* "الإعلام العربي بالمهجر"، التجديد العربي، 27 يوليوز 2006.

يمكنكم مشاركة هذا المقال