أكد يحيى اليحياوي، أستاذ باحث في الإعلام والاتصال، أن قطاع السمعي/البصري في المغرب، شهد خلال العشر سنوات الأخيرة، حركية مؤسساتية وتشريعية لا بأس بها، طاولت احتكار الدولة للقطاع، فسحت في مجال سعة السوق، سيما بزاوية المحطات الإذاعية الجديدة، وكذلك بزاوية اعتماد البث الفضائي بالنسبة للتلفزة. إلى جانب خلق الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، وتحولها التدريجي إلى مستوى لتقنين القطاع، والبث في التجاوزات التي قد تعتري هذا الأداء أو ذاك.
كما تحولت مؤسسة الإذاعة والتلفزة إلى شركة مجهولة الإسم، تقوم على قطب عمومي يضم القناتين معا، ويضم أيضا ما يبث عبر الساتل، من رابعة ورياضية ودينية وغيرها.
واعتبر أن القطاع شهد قفزة نوعية من حيث عدد المحطات الإذاعية، لكن الوضعية سيئة للغاية، إذا لم أقل كارثية، ليس فقط بالاحتكام إلى ما يقدم بالشبكات العالمية الكبرى، أو بالاحتكام إلى أداء بعض البلدان المشابهة لنا، ولكن أيضا بالقياس إلى ما كانت عليه الإذاعة والتلفزة بالبدايات الأولى، حيث كانت الجدية والمصداقية قائمتين.
من زاوية المضامين والمحتويات والقيمة المضافة، فإن الحصيلة تبدو لنا، مرة أخرى، سيئة للغاية ودون الحد الأدنى من المستوى المطلوب.
المغربية: ما هو تقييمكم للقطاع السمعي/البصري في المغرب، خلال العقد الأخير؟
يحيى اليحياوي: ليس ثمة مدخل واحد للرد على هذا السؤال، إذ المجال واسع، والفترة المغطاة واسعة أيضا، وكذلك طبيعة القطاع بحد ذاته، كونه يحيل على الصورة وعلى المعلومة وعلى الثقافة، أعني يحيل على ثلاثية الإخبار والترفيه والتثقيف.
لو أردنا أن نختزل الإشكال في بعض ملاحظات عابرة، لقلنا بداية بأنه كانت هناك حقيقة، طيلة العشر سنوات الماضية، حركية مؤسساتية وتشريعية لا بأس بها، طاولت احتكار الدولة للقطاع، فسحت في مجال سعة السوق، سيما بزاوية المحطات الإذاعية الجديدة، وكذلك بزاوية اعتماد البث الفضائي بالنسبة للتلفزة. بجانب البعد الأدواتي الصرف، يبدو لي أن خيار ركوب موجة الثورة التكنولوجية كان قائما ومعتمدا.
ثم عرفت هذه السنوات العشر، في بداياتها الأولى، خلق الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، وتحولها التدريجي إلى مستوى لتقنين القطاع، والبث في التجاوزات التي قد تعتري هذا الأداء أو ذاك. الفكرة هنا أساسية، إذ بانصراف الاحتكار نسبيا، تأتي الحاجة لهيئات من هذا القبيل لتنظيم المنافسة، وضبط مجال الفاعلين، وتحديد قواعد اللعبة فيما بينها بالسوق.
إلى جانب ذلك تحولت مؤسسة الإذاعة والتلفزة إلى شركة مجهولة الإسم، تقوم على قطب عمومي يضم القناتين معا، ويضم أيضا ما يبث عبر السواتل، من رابعة ورياضية ودينية وغيرها.
بهذه الجوانب، يبدو لي أن الحوصلة إيجابية إلى حد ما، سيما بزاوية خلق المناخ العام، وكذا إقامة الوعاء التقني، الذي من المفروض أن يؤسس البنية التحتية لذلك. لكن بجانب المضامين وطبيعة الأداء وثقافة القرب وما سوى ذلك، تبقى الحوصلة دون المستوى المطلوب، إما بسبب استمرار ارتباط المجال بالدولة، أو بحكم غياب السياسة الإعلامية التي من شأنها ضمان مخرجات من طينة جيدة. وهذا أمر يطول الحديث فيه في هذه الدردشة.
المغربية: ما هي النقط الإيجابية والسلبية التي عرفها القطاع؟
يحيى اليحياوي: قدمت بالسؤال السابق بعض الملامح الإيجابية لحوصلة العشر سنوات الماضية، وقلت بأن جانب التأطير التشريعي والتنظيمي كان النقطة الأساس لذات الحوصلة. إلا أن الملاحظ أن هذه الحوصلة قد حملت بصلبها العديد من العناصر السلبية، التي طبعت العملية في شكلها كما في مضمونها، كما في الآليات المصاحبة لها.
لو أخذنا الظهير المنشئ للهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري مثلا، يبدو لنا أنها في طبيعتها، كما في وظيفتها، كما في صفة الأعضاء المكونين لمديريتها العامة، كما لمجلسها في السمعي/البصري، يبدو لنا أنها مؤسسة غير مستقلة، بل مرتبطة إما مباشرة بالقصر بجهة التعيينات والتمويل، أو بالحكومة بالطابع الاستشاري الذي يحكمها.
ستقولين لي بأنها قد صرفت العديد من القرارات، وبثت في العديد من القضايا. أقول لك، هذا صحيح، لكنها قرارات هامشية وغير ذات قيمة كبرى، بالقياس إلى القرارات الاستراتيجية التي لا تستطيع الحسم فيها. وقد لاحظنا ذلك في نأيها بنفسها عن الترخيص لبعض المشاريع التلفزية، كونها لم تتسلم الضوء الأخضر، وقدمت تبريرا يثسر الاستفهام والغرابة.
بالتالي، فالمطلوب أن تتحول هذه المؤسسة إلى مؤسسة مستقلة ماديا، وذات صفة معنوية، وتكون قراراتها نافذة وغير مقيدة بقرار من فوق، أو بحسابات خارجة عن المجال.
ثم إن طبيعة أعضائها في الطبعة الأولى تثير التحفظ بقوة، إذ ثمة من بين أعضاء المجلس الأعلى من لا علاقة له بالمرة بالتلفزة أو بالإذاعة، فما بالك بالقدرة على تنظيم مجالهما، أو البث في المعروض من طلبات ترخيص. وقد لاحظنا أيضا الجدل الأخير الذي طاولها، جراء تلكؤها في السماح بقنوات تلفزيونية جديدة.
لو تجاوزنا على هذه الجزئية، جزئية طبيعة ووظيفة الهاكا، ونظرنا في المضامين التلفزية والإذاعية، الممرر لها طيلة هذه العشر سنوات، لكانت العناوين كما التالي: سيادة لغة الخشب في جانب الإخبار، غياب القيمة الإضافية في الترفيه والتثقيف، والدوران حول ثقافة الميوعة والاستهتار بالذوق العام. بمعنى أن التلفزة مثلا، لم تستطع استنبات أخبار تشبع حاجة المغاربة لذلك، ولم تستطع خلق مجال للإبداع الفني والثقافي يغني المغاربة عن البحث في الفضائيات الأجنبية، ولم تعر كبير اهتمام لمنطق القرب، الذي لا قيمة تذكر بغيابه لأي عمل تلفزيوني جاد.
التلفزة والإذاعة بالمغرب، الأرضي منها كما على مستوى القنوات الفضائية الماسخة، لا تحتكم للمصداقية والجدية، ولا تخضع لتطلعات الجمهور، ولا معرفة لديها بما هو ارتقاء بالذوق العام. في كل ذلك مقتل للمضامين، وتركيز على التفاهة والميوعة وتدمير الذوق العام. لذلك، أنا قلت ولا زلت أقول، بأن مجالنا السمعي/البصري لا يستحقنا، ولا نحن بقادرين على تبنيه أو الدفاع عنه. لذلك فأنا أقاطعه جملة وتفصيلا، وأرفض التعامل معه، طالما بقي على رداءته وركاكته وميوعته.
المغربية: هل شهد القطاع قفزة نوعية خلال هذه السنوات؟
يحيى اليحياوي: قد تكون ثمة قفزة بجهة العدد، عدد المحطات الإذاعية، وعدد "القنوات التلفزية" الماسخة الباثة عبر السواتل، على اعتبار أنها نسخة مكررة لما يمرر بالبث الأرضي. وقد تكون القفزة، وإن على مستوى الشكل، قائمة بالقياس إلى وجود هيئة مختصة، عوض وزارة في الاتصال بيروقراطية، قد لا تدرك جيدا رهانات القطاع، وتبعات ما يعتمل بداخله.
بهذه الجزئيات قد نسلم بقفزة من نوع ما. خارج كل ذلك، أعني بمقياس جودة المضامين والمحتويات، فالوضعية سيئة للغاية، إذا لم أقل كارثية، ليس فقط بالاحتكام إلى ما يقدم بالشبكات العالمية الكبرى، أو بالاحتكام إلى أداء بعض البلدان المشابهة لنا، ولكن أيضا بالقياس إلى ما كانت عليه الإذاعة والتلفزة بالبدايات الأولى، حيث كانت الجدية والمصداقية قائمتين. بزاوية المضامين والمحتويات والقيمة المضافة، فإن الحصيلة تبدو لنا، مرة أخرى، سيئة للغاية ودون الحد الأدنى من المستوى المطلوب.
إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نفسر استمرار شبكة في الأخبار لا تزال تلوك لغة الخشب، وتمرر للكذب ولي عنق الحقائق بالأخبار الداخلية، كما بالعديد من القضايا الدولية؟ ثم إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نستسيغ مستوى للأخبار بدون مراسلين، إذا لم يكن بكل بقاع العالم، فعلى الأقل بالعواصم الكبرى، التي تصنع الأحداث، وتوجه القرارات الكبرى لحال العالم ومآله؟
ثم كيف نفهم فما باك أن نتفهم، ضعف ورداءة الإنتاجات الوطنية، وتراجع منسوب اللغة العربية لفائدة لغة فرنسية تدفع بالفرنكفونية الفجة، وأيضا لفائدة دارجة ماسخة، ليست بالمرة من صلب الدارجة الجميلة التي عهدناها بالملحون وبالأغاني الجادة لفترة الستينات والسبعينات؟ ثم كيف الاستمرار في إنتاج التفاهة والرداءة والميوعة كلما حل شهر رمضان، حيث تمنح الأموال للوجود الفاشلة، والأدوار المقززة وقس على ذلك؟ عن أي قفزة نتحدث إذن في استمرار الرتابة وسلوك تمييع الماضي والحاضر، والاستهزاء من المستقبل؟ هذا وضع مقزز، لا يمكن تحمله بالمرة.
لقد قلت من حوالي عقد ونصف بأن العبرة بالمضامين، لا بالأدوات، وأن مضمونا جيدا بقناة جيدة، أفضل بكثير من مضامين تافهة بقنوات ماسخة متعددة. وقلت أيضا بأن التأطير القانوني ضروري في مجال كالمجال السمعي/البصري، لكنه غير كاف لإفراز قيم مضافة، ترفع من الوعي العام، وترقى بالذوق العام، وتسمو بالفرد للأعلى لا تجره للأسفل. قلنا كل ذلك وانتظرنا من يرد، لكن يبدو أن المجال سميك وعصي، والقائمون عليه، ماديا ورمزيا أسمك وأعصى.
المغربية: هل تحرير القطاع أعطى نتائج إيجابية؟
يحيى اليحياوي: لم يكن ثمة تحرير بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كان ثمة أولا تسوية لوضعية شاذة، ولجت السوق باختراق تام لقانون الاحتكار للعام 1924. فالقناة الثانية، ثم إذاعة سوا ومحطة الحرة، كانت كلها تبث في تجاوز صارخ لذات القانون، لسنين عديدة بالنسبة للأولى، ولبعض من الوقت بالنسبة للثانيتين. وقد كتبت الكثير عن السبب في ذلك، ولا أرى مجالا هنا لتكرار ما قيل. هذا جانب.
الجانب الثاني، عبارة التحرير المستخدمة ليست دقيقة، ليس فقط لأنها لم تطاول إلا مجال المحطات الإذاعية، واستثنت القنوات التلفزية، ولكن أيضا لأن التحرير بحد ذاته لم يكن وسيلة بقدر ما كان غاية، ولكأن المشرع أراد أن يقول: كنتم تطالبون بالتحرير، ها هو قد تحقق بالنص، فلا تطالبون بغير ذلك. والدليل على ذلك أن المشاريع التي قدمت للهاكا بداية هذه السنة، رفضت بمجملها، في الوقت التي كان ضمنها ملفات جادة وحقيقية.
لقد قلت دائما بأن التحرير ليس إلا وسلة للدفع بالمنافسة، والرفع من مستوى الإنتاج حجما وقيمة وجودة. وأن من يراهن على التحرير الأدواتي، إنما يستبعد إشكالية المضامين والمحتويات، وهذه الأخيرة هي الفيصل والمحك. بالتالي، فإذا كان الرهان على الإيجابي في العطاء، فإن المفروض أن تتم المراهنة على ما يقدم من أخبار وبرامج في الترفيه والتثقيف. ما سوى ذلك، قد تتعدد المحطات والأقنية من بين ظهرانينا، لكن دونما جودة في المواد أو مصداقية في الأداء.
المغربية: إلى أي مدى استطاع هذا القطاع تحقيق سياسة القرب؟
يحيى اليحياوي: ليست سياسة القرب شعارا انتخابيا، أو مادة للمزايدة من هنا أو هناك، إنها معطى بالاحتكام إليه يتحدد مستوى المصداقية في الأداء السمعي والبصري، وبالارتكاز عليه تتحدد الطبيعة المواطناتية لهذا المنبر الإعلامي أو ذاك.
إن سياسة القرب تتحدد بمنسوب ما يعكس من واقع حال سائد، وبمستوى ما يقدم من برامج تهم المواطن في معاشه اليومي. ثم هي سياسة المفروض فيها أن تقدم زاويتي الترفيه والثقافة بما يرفع من درجة الوعي العام، ويدفع بجهة الرقي بذوق الجماهير.
ثم إن سياسة القرب لا تتماهى دائما مع القول بأن الجمهور يريد كذا وكذا، في تلميح إلى سهرات الميوعة والرداءة التي تقدم، أو المسابقات التافهة التي تعلن، بل تتماهى ويجب أن تتماهى مع تصور عام، ورؤية قائمة، هدفها إرضاء المشاهد، وعكس الواقع المعتمل من بين ظهرانيه، بإيجابياته كما بسلبياته.
العبرة في كل ذلك أن نشرات الأخبار مثلا، يجب أن تركز على عكس ما ينتظره الناس، لا تقديم مواد قد تجعله يتقزز أو يتذمر، أو يتحول لجهات أخرى لربما، تضمن له ذات التطلعات.
أنا أزعم بأن الحديث عن سياسة القرب هو إلى المأمول أقرب منه إلى واقع الحال. وأن ذات السياسة تستنبت بالفعل على الأرض، لا بالخطب من على ظهر هذا المنبر أو ذاك.
* "يحيى اليحياوي لمجلة المغربية: مجالنا السمعي/البصري لا يستحقنا"، استجواب، مجلة المغربية، عدد خاص عن عشر سنوات من حكم الملك محمد السادس، يوليوز 2009، 162 ص.