الأدبيات حول القراءة والقراء بالمغرب، غالبا ما تنظر إلى الإشكالية من زاويتين:
+ زاوية وظيفية خالصة، يعمد أصحابها لتحميل المسؤولية في واقع القراءة إما للكاتب أو للناشر أو للموزع أو للقارئ، كل وفق تموقعه. بمعنى أن كل واحد هنا يحمل المسؤولية للآخرين حقيقة أو تجاوزا. هي مقاربة جزئية إلى حد بعيد، لكنها عملية كونها تضع الأصبع حول دور كل فاعل من الفاعلين بالقطاع.
+ وزاوية منظومية تصهر كل هذه المستويات، وتتعامل مع الإشكالية من باب الصيرورة. بمعنى أن تقصير عنصر من العناصر المذكورة، هو من تقصير العناصر الأخرى مجتمعة لا من تقصير عنصر واحد، حتى بتباين درجات التقصير.
أنا صراحة أستحب المقاربة الثانية على اعتبار أنها تضع المسألة في سياقها العام وتربطها، فضلا عن ذلك، بقضايا قريبة أو بعيدة منها كمكانة الثقافة والعلم والمعرفة في مجتمع متخلف، أو كمكانة القراءة في عملية التقدم والنهضة.
من جانب آخر، فأنا لست متأكدا من أن القطاع يعيش حقا أزمة. القول بذلك يوحي ولكأن سبل الخروج ممكنة، وهذا أمر غير دقيق. القطاع بالمغرب يعيش وضعية خلل بنيوية ملازمة له تاريخيا في الشكل كما في المضمون. بالتالي، فلو كانت ثمة أزمة، فلا يمكن حلها بمفردها، بل بالارتكاز على جوانب إضافية أخرى، وأهمها إطلاقا جانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشموليتها لا بالمنظور الفرعي لكل جانب من هذه الجوانب. الإصلاح والتغيير يجب أن يطاول المنظومة برمتها وليس جزءا منها فحسب.
والدليل على ذلك أن حركية الكتاب والقراءة بالدول المتقدمة مثلا هي أساسا من حركية اقتصادية واجتماعية وثقافية عامة، وليست من حركية القطاع في فردانيته. من هنا، فلا يمكن للقطاع أن ينتعش في ظل مناخ من التخلف، حتى وإن تمت المراهنة عليه وضخ المال الضروري للنهوض به.
هذا هو الجانب المنظومي الذي من المفروض أن نعتمده لفهم ما يجري.
من ناحية ثالثة، أزعم أن الوسائط الجديدة لم تقتل القراءة أو الكتاب، بقدر ما حولت من دورهما أو بدلت من مسالك التعامل معهما. فمطبعة غوتنبرغ مثلا (وهي الوسيط الأقوى بهذا الجانب) هي التي حررت الكتاب وأخرجته من أتون احتكار الكنيسة، وجعلت رواجه ممكنا ومتاحا، فأفسحت بذلك الطريق لعصر النهضة الأوروبي.
الوسائط لا تقتل بعضها البعض، بل تكملها في عملية تراكمية مستمرة في الزمن والمكان حتى وإن أخرجت بعضها من طابع الاحتكار الذي قد يميزها في زمن ما. فالتلفزة لم تقتل الإذاعة، والسينما لم تقتل التلفزة والحاسوب لم يقتل التلفزة أو السينما أو الإذاعة وهكذا.
من هذا المنطلق، أتصور أن التكنولوجيا الجديدة والإنترنيت تحديدا، قد فسح في المجال لرواج وشيوع الكتاب بمستويات واسعة لم تكن معهودة من قبل. بل إن النشر الألكتروني قد مكن الكتاب من التجاوز على الحدود وعلى الرقابة أيضا.
التكنولوجيا لم تغير إلا نسبيا من طبيعة الكتاب (بجهة الحامل الذي هو الشبكة)، في حين أن الوظيفة لا تزال ذاتها. الرقمنة سهلت إدماج الكتاب بالشبكات الألكترونية، لكن قراءته تستوجب تحميله على الأقل بالقياس إلى تعذر القراءة مباشرة على الحاسوب. بالتالي، فالتكنولوجيا هي رافد من روافد الكتاب بجهة الحامل، على أن الكتاب يبقى دائما المادة المحمولة سواء بصيغتها الملموسة أو محملا على أقراص أو منزلا على الآلة الطابعة وهكذا. أنظر مثلا تقارير الأمم المتحدة التي بإمكان المرء تفريغها من موقع المؤسسة بالشبكة، بعدما لم يكن بالإمكان الاطلاع عليها من ذي قبل.
لا يمكن إذن أن يتستر المرء خلف التكنولوجيا لتسويغ حال القطاع، بدليل أن الدول المتقدمة التي بلغت مستويات عالية من التخمة التكنولوجية لا تزال نسب المقروئية بها مرتفعة ولم تتأثر إلا قليلا بطفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمعلومات.
بالمقابل، فالتكنولوجيا لا تنتج الكتاب، هي توفر له سبل ولوج مستوى جمالي إضافي على مستوى الصياغة والتصميم، وتوفر له البنية التحتية للرواج والانتشار، لكن سنبقى دائما بحاجة إلى من ينتج الكتاب، إلى من يبدع وإلى يرقمن المضامين لإيلاجها بالشبكات...وهنا التقصير الكبير لوزارة كوزارة الثقافة بالمغرب.
جريدة الصحراء المغربية، 10-11 فبراير 2007