تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مثقفون يجيبون عن سؤال المرحلة: هل يمكن للعروبة أن تحمي هويتها؟

مثقفون يجيبون عن سؤال المرحلة

هل يمكن للعروبة أن تحمي هويتها؟

 

محمد أحمد السويدي، محمد لمسفر، سعد بن طفلة العجمي، عبد الله سهر، عبد المالك التميمي، فواز طرابلسي، منح الصلح، كريم مروة، يمني العيد، سمير أمين، محمود أمين العالم، أحمد يوسف، محمد نور فرحات، يحيى اليحياوي


* على مدى 1425 عاماً لم تستطع كل الغزوات أن تلحق الهزيمة بأمتنا

* تفريغ الحياة العربية من المعرفة وإغراق واقعها بالسلع والتفاصيل هما باب الشر

 لم يحدث أن تعرض تاريخنا العربي وهويتنا الوطنية وثقافتنا وتراثنا وبرامج تعليمنا وحتى اصطلاحاتنا القومية إلى ما نتعرض له اليوم في هذه المرحلة الأكثر إحباطاً وتدميراً لثوابتنا العربية، ولكن هذا الإحباط لن يأخذ مداه ولن يحصد أملنا الروحي والوجداني على الرغم من هذه المرحلة الحالكة.

نقول ذلك لأن نخبة من المثقفين العرب ما زالت في قلب هذا الأمل، لكن لنترك العواطف، ونذهب إلى العقل والتحليل والقراءة الموضوعية لواقعنا العربي المهدد من أكثر من جبهة، مثل هذا الذهاب إلى العقل نقرؤه من خلال هذه الآراء والأفكار التي حصلنا عليها من رموزنا الفكرية والثقافية في الوطن العربي حيث طرحنا عليهم هذين التساؤلين: أليس مطلوبا من الفكر العربي إعادة تعريف مفهوم “العروبة” ليس انطلاقا من أبعادها النظرية بل انطلاقا من فلسفتها وتصوراتها وتطبيقاتها في حياة الشعوب راهنا؟

* كيف يمكن للعروبة “ثقافة وأسلوب فكر ومنهج تصورات” أن تحمي هويتها من زلزال مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي من بين ما يعني دخول شعوب غير عربية في “الجامعة العربية” بعد تعديلها وإعادة صياغة المنطقة وشعوبها وفق “ثقافة جديدة”؟

- محمد أحمد السويدي  أمين عام المجمع الثقافي في أبوظبي يقول: إن هناك عقلاً شيطانياً ماهراً في صك الاصطلاحات كالنقود، ويقول: الشرق الأوسط الكبير واحد من هذه الاصطلاحات، هذا أمر، الأمر الآخر المتعلق بالنقطة ذاتها هو “إسرائيل” التي لا يمكن أن ننساها ونحن نتداخل حول هذا الاصطلاح الذي يتم الترويج له بكثافة.


دأبتُ خلال السنتين الماضيتين على قراءة متأنية لهذا الكيان منذ أسفاره الأولى إلى المغامرة الأخيرة التي تمثلت في اقتراح وطن، لم تكن المغامرة الأولى، وفي رأيي لن تكون الأخيرة.

زُرعت “إسرائيل” في خاصرة الوطن العربي لتكون حلم مواطنين من دول شتى جرى جمعهم بحجة تاريخية مفترضة ومشكوك بها ومرفوضة إنسانيا، تم تهجير هذه الأمم التي كانت مستقرة في بلادها إلى حلم في رأيي أنا شيطاني لا يخلو من مصلحة مالية، زُج بهؤلاء في محرقة مستمرة لم تهدأ منذ ستة عقود بل هي في اشتعال متزايد ومتجدد.


هذه الفكرة التجارية التي خطط لها أناس كذبوا على البسطاء وقادوهم بحشيش الدين لإقامة وطن لهم في فلسطين، لم تكن الكذبة الأولى، ولكنه دأب بني صهيون.

والخلاصة في رأيي أن كل حديث يدور عن شرق أوسط كبير أو صغير أو أي اصطلاح آخر يصكونه ما هو إلا محاولة لتمرير هذه اللعبة غير المحتملة التي بدت تتضح ملامحها للعالم ولهؤلاء الذين خُدعوا بها من اليهود أنفسهم وهاجروا من أجلها إلى أرض فلسطين.

شكرا للقرآن الكريم، وللرسول محمد، فالعرب أمة ستظل متماسكة قوية كالبدن الواحد، وإن بدا الحال الآن وكأنهم في غيبوبة، الذي يقلقني هو الوعي العربي الذي أراه ما زال يعيش في العصور المظلمة، لم يستيقظ العقل العربي بعد، لا خشية على الهوية العربية لأن هناك ما يوحدها بقوة، إلا أن هناك تخلفاً كبيراً على مستوى الوعي.

د. محمد المسفر: هجمة لمحو الهوية العربية

د. المسفر رأى الولوج إلى الموضوع من منطلق الحديث عن مصير العروبة في ظل مخطط الشرق الأوسط الكبير وقال:

في رأيي إن المستهدف الآن هو الجيل الصاعد - جيل الشباب لإعادة صياغة العقل عن طريق وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة، ثانيا انه مع الأسف الشديد فإن هناك قوى عربية فاعلة ومؤثرة ومرتبطة بقوى خارج دائرتنا الحضارية العربية بهدف إفقادها الأمل ودفعها إلى اليأس و”التيئيس” وهذه المدرسة جديدة في وطننا العربي نتجت بعد 1991 واشتد عودها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الامريكية والتي أصبحت الآن مثل “الهولوكوست” عند اليهود.
ومن هنا أستطيع القول ان هناك فكراً مسلطاً على الجيل الجديد في وطننا العربي بقصد تحطيم هذه الامة، ونجد تركيزاً الآن على دور التعليم الذي من أولوياته اللغة والتي أصبحت محاربة على كل الصعد في جميع مستويات التعليم العام والجامعي بدليل ان الاولوية أصبحت للغة الانجليزية والتركيز والإصرار عليها لدرجة انها أصبحت الآن في بعض الدول خاصة الخليجية تتساوى ان لم تسبق اللغة القومية - العربية - والهدف من ذلك أيضا هو الإمعان في الدفع باليأس باعتبار ان هذه اللغة ميتة وليس لها أساس، وبالتالي لن تقدم أي نوع من التنمية المعاصرة في الوقت الذي نرى ألمانيا تسنّ تشريعات لحماية اللغة الألمانية من الهيمنة الأمريكية، وكذلك فرنسا وأصبح محظورا حتى في الاعلانات في الصحف او المطاعم او في مؤسسات الرأي المختلفة تدوين اي كلمة ليست المانية او فرنسية، في الوقت الذي نتسابق في العالم العربي على اطروحة الانجليزية محل اللغة العربية الام، وهذا أمر منكر يجب ان نتصدى له.

والنقطة الثالثة هي أنه وعلى مدى 1425 عاما لم تستطع كل الغزوات ان تلحق الهزيمة بأمتنا فقد حاول التتار والمغول والصليبيون وكل القوى ومع ذلك لم يستطيعوا المساس بها.

وفي رأيي انهم يحاولون اختراق الاسرة بقصد التحطيم، فاذا وضعوا حقوقا للطفل تختلف عن الحقوق الاسلامية، وكما رأينا في الوثيقة التي قدمت للكثير من دول الخليج فإنهم يصرون على حقوق الطفل بالقول إن الآيات القرآنية التي تنص على طاعة الوالدين وولي الأمر اخلال بحرية الطفل وبمعنى آخر انهم يطالبون بالكلمة وبالخط وبالتوقيع بالغاء الآيات القرآنية التي تقول وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين وابناء السبيل، ويصرون على حذف “فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما” انهم يصرون في وثيقتهم التي قدموها الى بعض وزارات التربية والتعليم على حذف هذه الآيات وما شابهها وهذا هجوم على اللغة والدين والمرأة بقصد التغيير ولكن هذه الامة العربية مهما عملوا بها لن يستطيعوا اختراقها او تحطيمها او المساس بها مهما تعددت السبل ورغم الاموال الضخمة لاولئك الكتبة في وطننا العربي للمساس بمقدرات أمتنا.

المستشرق البريطاني المعروف برنارت لويس في احد كتبه قال: يجب تقسيم الشرق الاوسط تقسيما جديدا جغرافيا بما في ذلك تركيا وايران وافغانستان وهذه الدائرة الحضارية للوطن العربي والاسلامي بحيث ترسم خريطة جديدة تماما للمنطقة تتحول فيها كل قبيلة من جزيرة العرب الى دولة قائمة لتسهل الهيمنة والسيطرة عليها.

اذن نحن مقبلون على مسح الذاكرة التاريخية وسمعنا في مؤتمر قطر للديمقراطية والتجارة الحرة المنعقد في الدوحة مؤخرا من يطالب بعدم الاشادة او شطب بعض الاشادة من تاريخنا لقياداتنا السابقة امثال صلاح الدين الايوبي وخالد بن الوليد وغيرهم.

اما بخصوص حقوق الانسان فإنني اضرب مثالا على تناقضهم في هذه النقطة فالمناهج الامريكية تمجد “جيفرسون” الذي كان لديه اكثر من 250 عبدا ويطالب بحقوق الانسان ويمجد “لنكولن” و”جورج واشنطن” وغيرهم من القيادات الامريكية السابقة، والى الآن اليمين الامريكي المتطرف يمجد الرئيس الامريكي السابق رونالد ريجان.. وهنا اتساءل الا يحق لهذه الامة ان تمجد مشاهيرها.. ولكن هناك اقلاما عربية مسلطة على عقولنا بدعم امريكي وصهيوني وشعوبي لمسح الذاكرة ومسح كل من صنع تاريخ امتنا سواء من الخلفاء او من القيادات العسكرية او القيادات البارزة في الدول الاسلامية العباسية او الاموية او الفاطمية.

ومن جهة اخرى لا اعتقد ان هناك محاولة لاعادة صياغة الفكر العربي لان الفكر العربي هو الانتماء والولاء وليس المطلوب مني ان اعيد الصياغة وانما علي ان اعيد كيفية التعامل مع القوى التي تواجهنا اما هذا الفكر فهو ثابت نزل في القرآن وفي تاريخنا وتراثنا، فما هي الصياغة المطلوب مني ان اعيدها، انا لا اتفق مع اعادة صياغة مفهوم العروبة وانما اعادة تشكيل الجيل الذي يتصدى لهذه التحديات.

واتذكر انه قبل فترة انعقد مؤتمر في احدى الدول الخليجية وقال احد البارزين في المدرسة الامريكية الذين جاءوا من واشنطن بالحرف الواحد:

“انا قادم اليكم.. لا أريد ان اسمع عن الصراع العربي - “الاسرائيلي” فليس هناك عروبة الآن ولا اريد ان اسمع عن الصراع الفلسطيني - “الاسرائيلي” فليس هناك فلسطين الآن انما كل ما اريد ان نتحدث عنه ونسمعه هو كيف نعالج الايدز والفقر”، وهذه كارثة كبيرة ان يقال ذلك في وجه مجموعة من الحاضرين العرب ولم يتصد له أحد.

د. سعد بن طفلة العجمي: ثقافة القوي والغالب

لقد ثبت فشل مفهوم “العروبة” طوال الخمسين عاما الماضية عندما تمت ترجمته الى ارض الواقع، والدليل هو ان الامور بخواتيمها فلو لم تكن المفاهيم خاطئة لما وصلت الامور الى ما نحن عليه الآن من ضعف وتشرذم، وعندما ننادي بتغيير المفهوم لا نعني الانسلاخ من العروبة كما يظن بعض السذج، لكننا نعني ايجاد مفهوم جديد لهذا التضامن العربي مبني على أسس جديدة عمادها حقوق الانسان والديمقراطية والمصلحة الاقتصادية واعتقد ان جزءاً من معضلة الفكر العربي هو ظنه ان العالم كله يتآمر عليه وعلى تراثه ودينه وثقافته، وهذا تفكير العاجزين والكسالى وانا لست عاجزاً، هذه أمة قادرة تستطيع التفاعل مع الآخرين، لذلك فنحن امام احد خيارين الاول ان نشعر بالضعف امام الآخر، وبالتالي لن نستطيع فعل أي شيء الا ارهاق كل قدراتنا الذهنية والاعلامية والعقلية والتنظيرية في التغيير بما يفكر فيه الآخرون، الثاني ان نقول اننا نملك مقومات القوة، وبالتالي نخطط لأنفسنا على أسس جديدة لا تعترف بنظرية المؤامرة لكنها تستطيع ان تجهز على مخططات الآخرين بشكل تلقائي.

واعتقد ان هناك ثقافة سائدة في العالم اليوم هي ثقافة القوي والغالب وهذا حدث على مدار التاريخ كله، لكن الجديد في الأمر هو الآليات التي تستخدمها تلك الثقافة اليوم وهي الاتصالات الحديثة وتقنيات التكنولوجيا وهذه لا يمتلكها الآخرون الذين سيطروا بثقافتهم عبر التاريخ، لذلك استطاعت الثقافة الامريكية ان تسود وتسيطر الآن، لكن ما احب تأكيده هو ان تلك الثقافة لا تستهدف ثقافتنا تماما كما لا تستهدف أية ثقافة اخرى، لكن مشكلتنا ان القوى السياسية التي سيطرت على الأمة العربية عجزت عن تقديم بديل تنموي حضاري لها، فبحثت عن مبرر لفشلها وعلقته على شماعة الصراع السرمدي مع الآخر، أيا كان هذا الآخر، فاذا تلاشى عدو تبحث عن عدو آخر لتعلن صراعها معه.

واذا اعتبرنا ان التفكير السليم والسوي هو انعكاس لحالة سليمة، فإن السؤال الآن هو: هل الوضع العربي اقتصاديا وتعليميا وفكريا وضع سليم؟
انا اعتقد ان قراءة متأنية في تقرير الأمم المتحدة الذي اصدره نخبة من الخبراء العرب، تقول اننا متخلفون في كافة المجالات، ومن الصعب ان تكون أمة متخلفة في التعليم والمعرفة والتنمية وعلاقتها بالآخرين سليمة.
هذا يعني ان هناك فكرا مريضا سيطر على هذه الامة طوال العقود الماضية.

ومن جانب آخر ان العروبة والاسلام كلاهما يكمل الآخر، وكثير من دعاة ومؤسسي القومية العربية لم يكونوا مسلمين لكنهم كانوا عربا، فالدين فكرة يحملها الانسان في عقله وقلبه، لكن الثقافة في حاجة الى وسط صحي لكي تبقى وتستمر، والآن نجد ان هناك روابط جديدة تتشكل في العالم، وبالتالي يمكن ان نعيد تعريفنا لمفهوم العروبة بعيداً عن المفهوم اللغوي والتاريخي والثقافي فالعالم اتحد الآن وفق معايير اخرى غير اللغة والدين، وانظر الى دول اوروبا التي اتحدت على أسس اقتصادية تحمي مصالحها وتوفر حياة افضل لمواطنيها، فاتحدوا في مجابهة الولايات المتحدة الامريكية التي قد تكون اقرب لغويا ومذهبيا ايضا لبعض تلك الدول التي تعتنق المذهب البروتستانتي وعلى هذا الاساس قد أجد ان ايران غير العربية هي اقرب اليّ جغرافيا وسياسيا واقتصاديا من موريتانيا العربية، لكن هذا لا يمنع ان تكون العروبة بمفهومها اللغوي والثقافي احد الروافد التي تشكل المصالح الاقتصادية لكنها ليست كفيلة بمفردها ان تقيم أسساً قوية للتضامن العربي.

د. عبدالله سهر: الاتحاد مع الامم الاسلامية

العرب في الواقع لم يرتقوا الا من خلال الاسلام، وكان ذلك ملحمة تاريخية عندما نزل هذا الدين عند العرب الذين لم يكن لديهم اية حضارة او قوة، فقواهم الاسلام وعلمهم وجعلهم في مقدمة الشعوب، والتخلي عن الاسلام الآن يعني التخلي عن روح العروبة، التي ستتحول الى شيء فارغ المحتوى لا يمكن ان يحمل مضمونا توحيديا او سياسيا او اجتماعيا.

من هذا المنطلق يجب ان نراجع المفهوم العروبي من خلال النظرية الشمولية للاسلام، وهذا لا يعني ان هناك تعريفا عربيا للاسلام قد يتضارب او يتعارض مع غير المسلمين في البلدان العربية، ولكن ربما يكون هذا التعريف تعريفا انفتاحيا بمعنى انه يمكن ان يجذب الآخرين من غير العرب اليه، لهذا اعتقد انه يجب ان نراجع هذا الوضع ضمن هذا السياق التاريخي الذي نمر به حاليا.

ان الدول العربية مشتتة موزعة ولا يمكنها مواجهة التحديات الحالية ما لم تتحد مع الأمم الاسلامية الاقرب لها مثل ايران والهند ودول جنوب شرق آسيا، والمرحلة الحساسة التي نمر بها الآن تفرض هذا النوع من التعاطي، فالتحديات التي تقودها المؤسسات الاستشراقية المتحدة مع الصهيونية لا يمكن مواجهتها بالمفهوم العروبي فقط ذلك لأنها تتحدى المضمون الاسلامي نفسه.

ولا يمكن ان نتحدث عن الاسلام في القرن الحادي والعشرين ونحن نتكلم عن مفاهيم تعود تاريخيا الى بدايات الاسلام، لهذا اطالب باعادة النظر في هذه المفاهيم وتنقيتها من الشوائب التي علقت بها والتي صورتنا اننا دعاة حرب وقتل وارهاب.

ان الفكر هو المشروع الاول للبداية الاوروبية التي لم تدخل عصر الحداثة الا عندما دخلت عصر التنوير الفكري بثورتها ضد مفاهيم التعصب والصلف والخزعبلات والخرافات التي اشاعتها الكنيسة في ذلك الوقت، من هذا المنطلق يجب ان نبدأ نحن ايضا باقران مبادئ الحرية والديمقراطية بالاسلام، لانه ليس هناك اي فارق في الجوهر بين ما تدعو اليه الديمقراطيات الحديثة من تعددية وتسامح ومشاركة في الحكم واحترام حقوق الانسان وبين ما ينادي به الاسلام، وهذه هي النقطة الجوهرية التي يجب ان نتمسك بها في اطروحاتنا الفكرية.

واعتقد انه اذا وجدنا حلا لهذه المعضلة باعادة ايصال الجذور بين الديمقراطية والاسلام ساعتها سوف نستطيع حل كثير من المشاكل السياسية والفكرية.

د. عبد المالك التميمي: تضارب في الاصطلاحات

ان كثيرا من الاصطلاحات بحاجة الى اعادة نظر وليس اعادة تعريف ذلك ان المفاهيم التي اعطيت لبعض الاصطلاحات قد اصطبغت بالايديولوجية السائدة، وبالاوضاع السياسية مثل اصطلاحي العروبة والقومية، والعرب اكثر من غيرهم حملوا تلك الاصطلاحات ما لم تحتمل.

ان مفهوم العروبة بالاصل ينبغي ان يكون ثقافيا قائما على اللغة العربية والانتماء الى الارض العربية، بيد ان المفهوم الذي ساد في مرحلة المد القومي العربي منذ الحرب العالمية الاولى حتى هزيمة العرب في يونيو/ حزيران 1967 كان يؤسس على العنصر العربي “العرق والدم” وكانت الخطورة في ذلك هي اقصاء من تعربوا من الاجناس والشعوب الاخرى عن مفهوم العروبة، وبذلك اصبح مفهوما شيفونيا عنصريا.. وبعد صحوة الأمة اثر كارثة 1967 بدأت بعض نخبها ومثقفيها تفكر بعقلانية بهدف اعادة النظر في المفاهيم التقليدية للاصطلاحات مثل العروبة.

ان الموضوع لا يقف عن حد تعريف الاصطلاح رغم اهمية ذلك الا ان ارتباط المفهوم بالواقع والمعايشة الحياتية يضفي عليه معنى ومغزى، وما أحوج الامة اليوم الى اعادة النظر في مفهوم العروبة ليقوم على اساس ثقافي، ونضيف الى مقومات الامة “المصلحة المشتركة” بعدما نلغي منها وحدة الدم القائمة على العنصر، وسيقوم نزاع بين من يطرح مفهوما كهذا وبين القوميين التقليديين الذين تربوا على العنصرية والرومانسية، لكن من المؤكد ان كل شيء يتطور وعلينا ان نطور مفاهيمنا من خلال تجديد فكرنا لنعطي الاصطلاحات معنى مرتبطا بالواقع.

وان اصطلاح الشرق الاوسط الكبير هو اصطلاح سياسي وليس جغرافيا، نشأ في عصر الاستعمار، وشاع مع ظهور موجة القومية العربية، ومطالبة العرب بالاستقلال والاتحاد، ثم بعد احتلال فلسطين وقيام “اسرائيل” عام ،1948 فظهر هذا الاصطلاح ليكون مضاداً لاصطلاحات عربية مثل “الوطن العربي”، “العالم العربي”، اي انه طرح لأسباب واغراض استراتيجية غربية، وقد اطلق البريطانيون هذا الاصطلاح قبل الحرب العالمية الاولى، وبعدها ظهر اصطلاح “قضية الشرق الاوسط” لتغييب اسم فلسطين. صحيح ان المسألة لا تقتصر على الاصطلاح والمسمى فقط، ولكن للاصطلاحات مفاهيم غاية في الخطورة، لأن منطقة الشرق الاوسط تضم دولا غير عربية كما تضم “اسرائيل” في قلبها، الامر الذي يجعل مثل تلك المخططات تهدف الى التعايش مع “اسرائيل” أولا، ثم الهيمنة على المنطقة عن طريق مثل هذه المشاريع التي تأخذ مسميات مختلفة مثل “العولمة”، “النظام العالمي الجديد”، “الشرق الاوسط الكبير”.

ان الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي العربي متخلف، ففي الوقت الذي يتقدم فيه خطوة يتقدم الآخرون مئات الخطوات، وقد يتقدم العرب خطوة ويعودون الى الوراء عشرات الخطوات، وفي احيان اخرى نعيش سكونية الواقع التي تدل على التخلف ويترجمها البعض بأن التاريخ العربي يعيد نفسه.
يجب بناء الذات العربية ببناء النماذج التنموية الديمقراطية في كل قطر عربي ليكون ذلك بمثابة الرد العملي الذي يجعل العالم يحترمنا ولا يتجاهل ارادتنا، ان الامة بحاجة الى تجديد فكرها حتى تتمكن من التأثير الفعلي في الواقع، وهذه هي مهمة النخبة المفكرة والمثقفة، لكن كيف السبيل الى ذلك والنخبة نفسها تعيش أزمة فكرية؟

د. فواز طرابلسي: على العروبة أن تتسع

مطلوب اعادة تعريف مفهوم “العروبة” اولا بربطها بالحاضر والمستقبل وبتحريرها من الماضي، أقصد بتحررها من فكرة اعادة بناء فترة تاريخية كانت موجودة في ماض ما. بهذا المعنى ايضا، مطلوب تحرير العروبة من الايديولوجية وربطها بالمصالح. إني أرى مثلا الآن ان العمل من اجل سوق عربية مشتركة هو الترجمة المجدية لفكرة الوحدة العربية.

مطلوب تحرير العروبة من النظرة الشوفينية ليتسع الوطن العربي لكل من يعيش فيه بغض النظر عن انتمائه الاثني والديني، واعتقد ان حل مشكلة الاقليات بالاعتراف بحقوقها هو اسهام في تحصين الوطن العربي ضد المشاريع الاستعمارية وربما مطلوب أيضاً تحرير العروبة في كل قطر من ان تكون واسطة سيطرة فئة على فئة داخل كل قطر، ولنا على ذلك تجربة فاجعة في العراق، وكذلك تحرير العروبة من ان تكون اداة سيطرة او مبرراً للسيطرة من دولة عربية على دولة عربية اخرى.

وأعتقد ان فكرة العروبة يجب ان تتسع لنعي اننا نعيش في عالم مترابط الاجزاء،  وأن الدفاع عن الهوية لا يتعارض مع التضامن العالمي ضد الامبراطوريات الامريكية وعولمة الشركات متعددة الجنسيات. وباختصار لا بد من عروبة متصالحة مع الديمقراطية لا تضع المهمات القومية في وجه الاصلاح الديمقراطي وانما تعتبر ان الديمقراطية اثراء للانتماء القومي واغناء وتحصين له.

وما يفاجئني هو استمرار القوى المهيمنة على المنطقة منذ الحرب العالمية الاولى في فرض تسمياتها علينا وتحويل هذه التسميات الى هويات من “الشرق الأدنى” الى “الشرق الاوسط” الى “الشرق الاوسط الكبير”، انها محاولات متصلة لنزع الهوية التاريخية للمنطقة وتحويلها الى مساحة جغرافية او جيواستراتيجية. لا اعتبر ان مشروع الشرق الاوسط الكبير هو بخطورة الزلزال. اعتقد ان من مآسي القوميين ميلهم الدائم الى الندب على احوالنا وكشف المخططات بديلا من تعميق معرفتنا بأنفسنا، وما نملكه من طاقات للفعل والمقاومة والتأثير. اريد التذكير بمشروع الشرق الاوسط الذي افتتح مع مشاريع السلام العربية - “الاسرائيلية” ومحاولات بعض التيارات داخل “اسرائيل” تحويل مشاريع السلام الى مشاريع للهيمنة الاقتصادية اعني بذلك مشروع شيمون بيريز تحديدا. مع اغتيال “اسرائيل” لعملية السلام، ها نحن امام تسمية جديدة تحت عنوان يكون تارة مكافحة الارهاب وطوراً نشر الديمقراطية، الفاجع هو موقف بعض الأنظمة العربية التي تريد التدخل الأمريكي في كل شيء إلا في طريقتها في قمع شعوبها، والدليل انها تطالب باستمرار التدخل الأمريكي لحل النزاع العربي  “الاسرائيلي” وكأن هذا ليس تدخلاً في شؤوننا الداخلية وترتضي باستملاك ونهب ثرواتنا القومية. والأفدح من ذلك ان بعض الأنظمة العربية تبحث عن شرعيتها أو تجديد شرعيتها على يد الامبراطورية الأمريكية وتقدم في سبيل ذلك التنازلات المطلوبة للولايات المتحدة ولا تتنازل مرة واحدة لشعوبها بأي مطلب من المطالب. وكما قال أحدهم ما تطالب به الدول العربية في وجه مشروع الاصلاح الأمريكي هو حصر وكالة تمثيل الولايات المتحدة والصلة معها بالأنظمة وعدم تسرّب ذلك الى المجتمعات.

هناك كلام كثير يقال حول برنامج الاصلاح الذي تعده الولايات المتحدة لا يقتصر فقط على القول إن هذا البرنامج تمويه وتغطية على وجه رئيسي من الصراع والمشكلات وهو الاحتلال “الاسرائيلي” لفلسطين والاحتلال الأمريكي للعراق، هناك كثير مما يقال حول التصور الأمريكي للديمقراطية المفصّل على نقاط التقاطع بين الأنظمة العربية والولايات المتحدة. وحقيقة الأمر ان الديمقراطية عملية ثورية، اما ان تضطلع بها الجماهير والقوى الشعبية والاجتماعية للتغيير الجذري لأنظمة الاستبداد، وإما ان تستمر هذه الأنظمة في التحكم بنا.

د. منح الصلح: فلسطين هي المقياس

“في جواب كتبه الكاتب الفرنسي الشهير “اندريه جيد” تعليقاً على سؤال لأديب سوري طلب منه ان يعطيه حق ترجمة كتابه “الباب الضيق” قال: “ان كتابي مكتوب لشعوب عندها من الأسئلة أكثر مما عندها من الأجوبة وأنتم في بلاد الاسلام تملكون من الأجوبة أكثر مما تملكون من الأسئلة فلمن تريد أيها السيد الفاضل ان تترجم كتابي؟”. نشر الكاتب السوري هذا النص “لأندريه جيد” ونشر رداً عليه كتبه د. طه حسين يقول فيه “انك تتكلم عن المسلمين وكأنهم هم الاسلام”.

من المؤسف ان يكون حوار من هذا النوع قد فتح في زمانه وأغلق ولم يترك صدى الا في اوساط محدودة. من يتذكر تلك الحادثة، او من يقرأها اليوم في مراجعها يشعر ان هذا الحوار كان يجب الا يتوقف منذ تلك الأيام، ولولا ان طه حسين كان في ذلك الوقت تحت وطأة الهجوم الذي حصل على مؤلفاته باتهامه بأنه شكّاك ومعاد للتراث لما أجاب مثل هذا الجواب الذي أجاب به على كلام “اندريه جيد”.
انها فرصة فاتت، ولو استمر الحوار لكنّا سمعنا منذ ذلك اليوم ما يغنينا عما نسمع حالياً.

الكلام القديم جاء على لسان مفكر وكاتب فرنسي، وبالتالي كان مؤهلاً لأن يسمع ويؤثر أيضاً فهو يمثل الحضارة الغربية والعقل الغربي ولا يمثل الحكومات والمصالح الغربية، وبالتالي كان يمكن ان يكون قاعدة لحوار مستمر، أما اليوم فإن الكلام يأتي من الدول وبؤر المصالح الغربية، ولذلك من غير المستغرب أن تبقى القلوب والعقول مقفلة في وجهه.

ضيق العقل الجماعي الذي كان سائداً في أيام “اندريه جيد” وطه حسين لم يسمح لحوار ضروري بين الحضارات ولعله هو المطلوب اليوم، اذ ان وجهة النظر العربية الرسمية تنادي الآن بحوار الحضارات بدلاً من صراع الحضارات ولكن الظرف كان في ذلك الوقت أفضل منه اليوم، لأن الطرفين كانا الأفضل في مجتمعهما الغرب النزيه متمثلاً باندريه جيد والشرق المنفتح متمثلاً ب”طه حسين”.

دور المفكرين ليس دائماً أقل أهمية من دور الساسة والحكام وليس المفكرون هدامين بقدر ما هدمت السياسة وتهدم. المفكرون عادة يستبقون الأحداث ويطرحون الصراعات بين الأفضل عند الطرفين وليس الأسوأ. وعندما يعود الانسان بتفكيره الى الأجواء التي كانت سائدة في مصر في عهد الحكم البريطاني ويسترجع ما كان يكتبه اشخاص كعلي عبد الرازق وما كان يكتب قبله رفاعة الطهطاوي، نلاحظ العقم الفكري الذي يجيب به عرب اليوم على الاطروحات العدوانية التي نقرأها في الصحف الأمريكية وغيرها.

هل نحن أمة لم تسمع كما يجب لمفكريها في أوقات كان من مصلحتها ان تسمع وتقود تطوراً حاسماً لمستقبل الأمة.

لقد ثبت أن عند الغرب قابلية ظلم تماثل قابلية تفويت الفرص التي لدينا. بدلاً من اتهامنا مثلاً للتطرف العربي بالتأثر بالتخلّف الأفغاني، اتهموا الأفغان بالتأثر بالتخلف العربي فهم يلاحقون في الأفغان عرباً باعتبارهم أصل البلاء هناك، لو كان اللوم علينا بالتأثر بالأفغانيين لكان الموقف الغربي شبه منطقي، ولكن ان تتهم الأفغان بأنها تتأثر بالعرب وبالمصريين فهذا غريب.

لا أريد الدفاع عن الواقع العربي، ولكن لا أريد أيضاً ان انكر جانب الظلم العالمي الذي يعاملنا حاليا كمصدر كل ما في الشرق وكل ما في آسيا وافريقيا وربما أيضاً في غيرهما من تخلّف وغيره.

أما كيف نحافظ على هويتنا فهذا يستوجب ان نسترجع تراثنا النهضوي المعاصر منذ رفاعة الطهطاوي الى أيام طه حسين ونعيد الاعتبار لرواد فكريين عرفناهم في فترة سابقة وكانوا طليعيين في اطروحاتهم وصادقين، وعلى استعداد للتضحية ولا يغني حاكم عن مفكر، ولا ناطق في التلفزيونات عن كاتب يكتب رأيه الحقيقي في صحيفة مهما كانت متواضعة. ان ما في تلفزيوناتنا صراخ لا انصباب على الحقائق، ولا على فتح الطرق للنجاة في وجه الأمة العربية من دون تطرف ومن دون تنزيه للذات العربية اكثر مما تستحق، ومن دون استهانة بصعوبة الظروف. ويجب أن يكون عندنا جرأة على النفس وليس جرأة كلامية فارغة على العدو فقط.

ان أفضل الرؤى التي يمكن ان تساعدنا هي التراث الانساني والوطني والتقدمي الذي كنا ننتقد فيه مجتمعاتنا تحصيناً لها من ان تصبح مطمعاً للغير فينا. هناك منسيان أساسيان في ما يدور اليوم الأول  الفكر النقدي النهضوي العربي الذي كان سائداً في فترة معينة قبل عهد الانقلابات وغرق الطلائع في المغانم والمصالح والثاني الانكباب على قضية فلسطين واعتبارها هي المقياس وهي المكان الذي نحن نطالب به الغرب ان يصالحنا او يعادينا، وكل شيء ما عدا هاتين القضيتين يوقعنا في متاهات.

د. كريم مروة: الخطط الواقعية

يبدو لي من مجرد طرح السؤال في الصيغة التي أراها اننا لم نتعلم شيئاً من تجاربنا ومن تجارب سوانا. أقول ذلك لأنني لا أفهم ماذا نريد من الحديث من العروبة كمقولة وكمفهوم اذ انني أرى ان الاستمرار في طرح مقولات عامة وغامضة وضبابية لا يقدمنا مقدار ذرة من الأهداف التي نناضل لتحقيقها.

بتصوري السؤال الحقيقي ينبغي ان يتخذ صورة اكثر وضوحاً واقتراباً مما نحن بحاجة إليه في تحديد المهمات التي ينبغي ان نناضل لتحقيقها.
نحن عرب، شعوباً وبلداناً وأصرّ على شعوب وبلدان، وليس على شعب ينتظر قيام بلد عربي واحد، ذلك ان تاريخ تكوّن العرب في الصيغة الراهنة  دخلت فيه عوامل عديدة تحولت خلاله شعوب غير عربية بفعل الفتوحات الاسلامية من انتماء قديم لها لا علاقة له بالعرب وإلى أن أصبحت جزءاً من العرب كالفراعنة مثلاً وشعوب المغرب العربي وسواهم.

هذا يعني ان البلدان العربية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى بموجب معاهدة سايكس بيكو لم تكن تنتمي الى كيان عربي سابقاً بل كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية لكن تكونها كدول كان له اساس تاريخي.

وبهذا المعنى فقد كان من الأصح ان نطرح كشعار للتحقيق تشكيل اتحاد يضم البلدان العربية التي كانت قد تشكلت بقرار استعماري، تقاسمت فيه بريطانيا وفرنسا النفوذ في هذه البلدان، مثل هذا الاتحاد كان سيكون في آن معاً تعبيراً عن تقاطع مصالح وتعبيراً عن وحدة انتماء قومي وفي الوقت نفسه تعبيراً عن خصوصية من الضروري على الدوام أخذها في الاعتبار لأنها حقيقة وليست مصطنعة بفعل التكون التاريخي لهذه الشعوب.

وأشير في هذا السياق الى ان الشيوعيين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين كانوا أول من طرح فكرة الاتحاد هذا في عام 1932 في كونفرانس حزبي صدرت عنه وثيقة تدعو الى قيام اتحاد الجمهوريات العربية على قاعدة التحرر من الاستعمار والاستقلال والسيادة التامين وضمان التقدم الاقتصادي والاجتماعي وتأمين المصالح العامة للجماهير الشعبية من عمال وفلاحين ومثقفين. وجاء في البيان ان هذا الاتحاد ينبغي ان يتطور لكي يصبح في مستقبل بعيد ذي طابع اشتراكي على غرار ما كان قد حصل في الاتحاد السوفييتي. ما حصل في البلدان العربية قبل استقلالها وبعد استقلالها بشكل خاص ان الحركات الوطنية على اختلافها طرحت فكرة الوحدة العربية تحت عنوان تحقيق عروبة هذه البلدان واعتبار شعوبها شعباً واحداً، كونها شعباً واحداً يتطلب اقامة دولة واحدة أي دولة تنصهر فيها جميع هذه الشعوب لكي تصبح شعباً واحداً له دولة واحدة فماذا حصل؟

لم تتحقق الوحدة، بل ان نقيضها هو ما حدث أي تفكك الدول والشعوب العربية، وحتى التفكك في داخل كل بلد ووسط كل شعب. هل هذا يعني ان علينا ان نستمر في مثل هذه المغامرة التي دمرتنا ودمرت حتى الفكرة التي تشير الى المكونات المشتركة بين الشعوب العربية؟ كلا قطعاً. فقد آن الأوان لكي نعيد الأمور الى نصابها، وأن نضع خططاً مختلفة جداً عن السابق. أي ان نضع خططاً واقعية تقودنا الى تحقيق الحلم الحقيقي الذي لن نتخلى عنه وهو ايجاد صيغة متطورة على الدوام باتجاه تحقيق الاتحاد العربي الذي يضمن استقلال بلداننا ويؤمن لها تقدمها في المجالات كافة، ويعطيها الامكانية لكي تسهم مع بلدان العالم الأخرى في جعل وحدة العالم المحققة وحدة انسانية نقيضة للاتجاه الذي يريد الرأسمال المعولم المتوحش ان يقود البشرية إليه.

هكذا أفهم القضية المطروحة لكي نتحرر من اخطاء الماضي وننتقل الى الفعل الذي يجعلنا قوة يحسب لها حساب على الصعيد العالمي، قوة قادرة على تحقيق الحرية لشعوبنا وبالأخص انقاذ الشعب الفلسطيني من المجزرة التي يتعرض لها أمام أعيننا وأعين العالم، وتحقيق التقدم في المجالات كافة.

وحول الهوية العربية وتحصينها لمقاومة زلزال الشرق الأوسط الكبير يقول: “لي رأي أطرحه وأدافع عنه في ما يتعلق بالهوية القومية بمكوناتها المختلفة. فهذه الهوية بالنسبة لي لا تصح هوية حقيقية إلا عندما تكون مهيّأة للاغتناء بكل جديد يحصل في هذا العالم المتحول على الدوام. فالهوية ليست ثابتة رغم ان تحولها لا يلغي خصوصيتها لكنه يغني هذه الخصوصية. والذين يدافعون عن الهوية في مواجهة العالم الذي أصبح قضية كونية انما هم أولئك الذين يريدون البقاء في كهوف التاريخ منغلقين على الذات خارج حركة التاريخ وخارج تحولات العصر

انطلاقاً من هذا الفهم للهوية ارى ان علينا ونحن نمارس اندماجنا في العصر وفي العالم وفي الحضارة العالمية الواحدة  لأنه لا توجد حضارات تتصارع أو تتحاور  علينا ان نقوم بمهمتين مترابطتين:

المهمة الأولى هي النضال بالوسائل الديمقراطية لتحقيق برنامج تغيير حقيقي في مجمل جوانب الحياة في بلداننا لينقُلنا من حالة الاستبداد والتخلف الى الحرية والتقدم، وبتحقيق هذه المهمة نكون قد حققنا هويتنا وموقعنا في المنطقة التي نحن فيها وفي العالم.

المهمة الثانية  هي النضال باسم مصالحنا مع سائر شعوب العالم والحركات الوطنية والتقدمية فيها ضد الهيمنة الأمريكية الراهنة وضد كل مشاريع التوسع الاستعماري الجديد المرتبط بهذه الهيمنة. ولا يمكن ان نقوم بهذه المهمة الا عندما نحقق المهمة الأولى. فمشروع الشرق الأوسط الكبير هو مشروع امبريالي، لكن أليس من المفارقة أن تأتي الامبريالية الى بلداننا بجيوشها وخططها حاملة إلينا أفكاراً ومبادرات ومشاريع عنوانها الأساسي هو تحقيق التغيير في بلداننا باسم الاصلاح الديمقراطي الذي تعثرت وتعذرت امكانية تحقيقه بسبب استبداد الأنظمة العربية وضعف القوى الديمقراطية.

يجب ان نسرع فوراً ومن دون تأخير على صعيد كل بلد من بلداننا، وعلى الصعيد العربي بعامة في عملية التغيير الديمقراطي لأنه السبيل الوحيد للتمكن من مواجهة هذه المشاريع ومنها مشروع الشرق الأوسط الكبير. فهذا المشروع ليس قدراً، ولكنه يصبح قدراً عندما نكون عاجزين عن مواجهته بوضع ديمقراطي حقيقي يهيئ شروطاً لكي تكون جماهير شعوبنا تمارس حريتها من خلال تأسيس منظماتها وأحزابها وتتعاون مع دول وسلطات ديمقراطية منتخبة بشكل شرعي لكي تحافظ على كياننا العربي ضد محاولات صهره بكيانات أوسع وأكبر.

د. يمنى العيد: زلزال ليس طارئاً

نحن اليوم أمام ايديولوجيا عالمية، مهيمنة، تدعونا ان لم نقل تفرض علينا، ان نخرج من عروبتنا. ونحن أمام هذه الدعوة المقنّعة بأقنعة من مفاهيم عامة، وتنظيرات ما بعد حداثية تطمس المعاني فلا نعود نميز بين آخر وآخر. وتحملنا على القبول بأي مختلف فلا نعود نعرف حداً لهويتنا ومساحة لانتمائنا، وتنقل الصراع الى مستويات تضيع معها الحقائق التي تخص انسان بلداننا في بؤسه وسبل عيشه ودروب نهوضه وتحقيق ذاته.

أمام هذا الغزو من السيل الايديولوجي المعولم، تجدنا محمولين الى البحث عن تعريفات لهذه العروبة، بل اعادة النظر في ما نمارسه من معانيها.
ليست المشكلة في العروبة بما هي هوية أو انتماء يحيل بشكل أساسي على اللغة بما تعنيه من وعي ثقافي، اجتماعي تاريخي سمته التنوع والتعدد وهضم متغيرات الحياة. المشكلة هي في عروبة تبدّت، في تاريخنا الحديث، ذريعة لمسألة أخرى، هي في الدرجة الأولى مسألة سياسية تمثلت بداية في تواطؤ خطير بين الاستعمار الغربي ورموز محلية طامعة أو طامحة، الى الوصول الى السلطة أو الى البقاء فيها. قام هذا التواطؤ في اتفاق على طرد الأتراك وانهاء الحكم العثماني “الذي لا نبكي، طبعاً على رحيله ونهاية حكمه الاستبدادي علينا”.

مثل هذا التواطؤ كان، في جانبه العربي، قائماً على العجز والتخلف وقصور الوعي. وحدها، بعض الثقافة، متمثلة في النخبة التنويرية، راحت تعيد صياغة مفهوم للعروبة ينفتح على الحياة ومتغيرات التاريخ، وروافد الثقافة التي من شأنها أن تنتج وعياً معرفياً، اعتبر، في حينه مرتكزاً للتحرر والنهوض.

لكن هذه الصياغة خالطها الالتباس اذ كيف يكون التحرر بمعونة “ثقافية؟” من غرب يستعمرنا؟.. كان هذا السؤال يعبّر عن فكر شمولي، ويستدعي أسئلة اخرى..
كيف تكون لنا هوية عربية من دون ان تبقى هذه الهوية، في مدلولها الثقافي، أسيرة جدران الماضي؟

أو كيف يبقى انتماؤنا أميناً لجذورنا الثقافية من دون ان نغلق ابواب المعرفة، الاخرى، أمام هذه الثقافة؟ لقد استغلت السلطة السياسية هذه الصياغة الحائرة، القلقة، لمفهوم العروبة بما يؤمن بقاء هذه السلطة واستمرارها في مركز الحكم.
وسكتت الثقافة “أو بعضها”، في أوقات عن قمع السلطة لها، وأرجأت الكلام، في أوقات أخرى، على حكم يعيد انتاج علاقات الاستبداد. وكان قبول هذه الثقافة المؤقت، أو المرحلي، بمثابة قبولها بالشمول الهادف الى التحرر من الآخر، الغرب المستعمر. هكذا حمل مفهوم العروبة معناه الضائع، والمتستر على تناقضه، وإمكانية استغلاله في أكثر من غرض، أخطره لا تحرري.

نعم يجب اعادة صياغة مفهوم للعروبة، صياغة قوامها ممارسة تشمل كل مرافق الحياة، وكل مستويات المجتمع، وكل مؤسسات الوطن.. وتعني، بشكل أساسي، تكوين وعي معرفي لأناس يشاركون في صنع حياتهم وتاريخهم، يحاورون زمنهم المعيشي، ومجريات واقعهم، والنظم التي تتدبر هذا الزمن، وتنسج علائقه المجتمعية على أساس القبول بالمتعدد في العدالة، والمختلف في المساواة.

هذا الزلزال ليس طارئاً كما قد نتصور بل هو بمثابة ظهور على سطح الأرض لما كان يعتمل تحت سطحها منذ قرن من الزمن أو أكثر. مؤشره الاول كان في الحرب العالمية الأولى، والتقسيم لبلداننا، الذي راح يؤسس لعلاقة التبعية للاستعمار، عن طريق ربط انظمة حكمنا السياسي، واقتصادنا به ومؤشرات هذا الزلزال التالية، لم تكن الحرب العالمية الثانية، التي اعادت توزيع مغانم الحرب العالمية الأولى في ما بين دول الغرب، بل وهم الاستقلال، أو العجز عن بناء أسس الاستقلال. وكان من أهم اسباب هذا العجز، احلال عملية التحرر الوطني مكاناً اسبقياً على عملية بناء أسس المجتمع الديمقراطي. كأن التحرر مستقل عن الحرية، او كأن التحرر لا تصنعه الا جموع عليها ان تمشي كتلة متراصة خلف حكامها، تباركهم ولا تسألهم، تطيعهم ولا تحاسبهم، تلغي ذواتها، وتتنكر لتمايزاتها الفكرية، والثقافية، والحضارية، التي هي ثراء يفعّل وعيها المناهض لمن يستعمرها أو لمن يستبد بمصائرها.

لقد أدت السلطات العربية الاستبدادية، لا الى الاسهام في اجهاض عملية التحرر الوطني، وإلى وضع مفهوم العروبة موضع المتهم بالقصور، وحسب، بل أدت، وهذا هو الأخطر، الى تحويل روافد هذه العروبة الثقافية والانتمائية والحضارية، الى نزعات تتصارع وتتقاتل على أرض الوطن أو البلد الواحد ما أدى بدوره الى بروز بدائل للعروبة أصولية تلوذ بنقاوة الهوية وواحدية الانتماء.

السؤال الذي علينا ان نطرحه على ثقافتنا، ليس سؤالاً حول كيفية حماية هويتنا، بل عن كيفية دفع الصراع الى مستواه الحقيقي، أي التاريخي الفعلي، بحيث ننقله من مستواه الخاطئ الذي يجعله صراعاً بين الثقافات والحضارات، الى مستواه السياسي بصفته صراعاً بين التحرر والتبعية، مؤداه الاستقلال القائم على حق الشعوب العربية في العيش من موارد بلادها الطبيعية، والتمتع بثرواتها الانتاجية.. استقلال لا يضير ثقافة ابناء هذه الشعوب من الانفتاح القائم على تسوية وعدالة.
ان “اسرائيل” بصفتها دولة عرقية لم تكن الا لتدفع بخرابنا الذاتي الى التدمير.
لا أريد أن أكرر أن ثقافتنا العربية، شأن كل ثقافات العالم القديم والحديث، هي حوار ثقافات لا يلغي الهوية او الانتماء، انما يؤكد ثراءهما.

ان مشروع الشرق الأوسط الكبير هو مشروع الهيمنة “الاسرائيلية” الأمريكية، انه اعادة انتاج للهيمنة القديمة. واذا كان القول بالحوار والتعدد والديمقراطية هو ثقافة تضمر السياسة، أو سياسة تتوسل الثقافة وتتقنع بحداثتها، فإن السؤال المطروح على الثقافة العربية ليس سؤال الهوية الدائر في طاحونة هواء ولا سؤال الانتماء الحائر بين السياسة والدين، بل هو سؤال الحقيقة والحق، سؤال ازاحة القناع عن هذا المشروع الشرق أوسطي وقد تكرس التقسيم، وابتلعت “اسرائيل” معظم فلسطين.. فهذا المشروع ليس، في وجه مهم من وجوهه سوى تكريس لما ابتلعته “اسرائيل”، واستعداد لمزيد من المغانم تلوح في العراق وغير العراق.. في الجولان، وفي المياه القادمة من شمال المنطقة الى جنوبها.. وفي الأسواق التي ستشرّع لمنتوجات “اسرائيل”.

نحن في حاجة الى ثقافة تتصف بالقدرة على التفكير وانتاج المعرفة، كما بالجرأة على كشف الحقائق وقولها.. كي تكون الهوية حركة في التاريخ، لا توقعاً في الأصل، وليكون الانتماء صناعة للحياة لا اندثاراً في الزمن، حركة وصناعة، أي دينامية وإنتاجاً، هما ضمانة للهوية وتأكيد للانتماء.

سمير أمين: عقد ثقافي واجتماعي جديد

يرى المفكر سمير أمين أن المطلوب هو نظرة أوسع لفكرة العروبة، فالمشروعات السابقة ذات الصيغة القومية، بدءا من الوحدة الشاملة وانتهاء بفكرة النظام الإقليمي العربي، ومرورا بفكرة الوحدة الاتحادية، ثم تطويرها في الأساس، عبر هذه الأشكال الثلاثة نتيجة للتأثر نوعا ما بالمؤثرات الخارجية.

وقدم القوميون العرب ومعهم الأنظمة القومية تصورا للعروبة يميل إلى النزعة العرقية الشوفينية، حتى أن التجمعات القطرية والدعوات التي تنادي بالانفتاح على العالم والتي جاءت من مفكرين طالبوا بتشكيل جبهة عالمية لمناهضة الاستعمار، اعتبرها القوميون مكونات استعمارية، ولكن هذه الرؤية بدأت في الأفول إلى حد كبير وعلينا أن نفعّل انفتاح الفكر القومي على العالم عبر صياغة ثقافة وطنية تحررية مرتبطة بفكرة العدل الاجتماعي ومناهضة العولمة النيوليبرالية، فعلى العروبة ومن يحملون الهم القومي أن يتجاوزوا الأفق العرقي الكلاسيكي والضيق لهذا المفهوم، فما يجمع بين العرب والأمازيغ والبربر وأفريقيا جنوب الصحراء كثير، ومن ذلك فكرة مناهضة العولمة وتحقيق العدالة الاجتماعية والممارسة الديمقراطية الحقيقية، وهذه الهموم تعني جميع العرقيات والأقليات والتيارات المنتشرة في المنطقة العربية وعبرها فقط نستطيع تقديم تصور جديد للعروبة كنقيض للفكرة الاستعمارية ومن ناحية أخرى على المثقف العربي/ الوطني، انطلاقا من التصور السابق أن يحدد بوضوح رؤيته مثلا لباكستان كدولة أقامها الاستعمار ولتركيا كدولة على الاستعداد للتضحية بأي شيء من اجل اللحاق بقطار الاتحاد الأوروبي، وعدم المساومة أبدا في الصراع العربي - “الإسرائيلي”، ف”إسرائيل” تمثل مخلب القط للعولمة النيوليبرالية في المنطقة وتتناقض كليا مع هموم الثقافة الوطنية لكافة التجمعات في المنطقة العربية، أي أن التفاعل مع الدول المحددة في مشروع الشرق الأوسط الكبيرة يجب أن يأتي نتيجة للضغط الأمريكي بل تحكمه رؤية مناهضة للتوحش العسكري للعولمة الأمريكية وتجديد مفاهيم واضحة واستراتيجية بعيدة المدى لعلاقة العرب بدول الجوار، وعلاقاتهم بمختلف الاتجاهات في الداخل عبر عقد ثقافي واجتماعي عربي جديد ستتوحد كافة الشعوب ذات المصلحة في مناهضة العولمة والهيمنة الرأسمالية تلقائيا.

ويقول سمير أمين: دعني افترض أن جورج بوش لن ينجح في الانتخابات الرئاسية المقبلة وجاء المرشح الآخر “كيري”، بالطبع لن تختفي الأطماع الأمريكية في العراق والمنطقة بصفة عامة فهذه الادعاءات نتجت عن سباق الانتخابات الأخيرة، ولكن سيأتي السيد “كيري” ويقوم بصياغة مخطط جديد للمنطقة تحت مسمى آخر وفقا لثقافته، فالطابع الفج لتصريحات بوش أو لمشروعه الأخير جاء كنتيجة للبنية الثقافية لبوش وعلاقته الفجة بعالم السلاح والنفط.
سيأتي مشروع كيري بالمضمون نفسه وبشكل أو بإطار آخر، ماذا سنفعل آنذاك؟ أتصور أن العرب سيقومون باللهاث وبكتابة أطنان من الورق وبإضاعة طاقات عديدة في بحث ودراسة المشروع الجديد.

ومن ناحية أخرى فهذه الأفكار ليست جديدة، فقد بدأت منذ محاولة إدخال الحكومة المصرية في بداية الخمسينات من القرن الماضي في حلف رباعي يضم تركيا إلى المنطقة وبرعاية فرنسا وبريطانيا وأمريكا وقد رفضت مصر المستعمرة آنذاك هذه التوجه من دون أي إهدار للوقت، ثم رفضت حكومة الوفد في العام 1951 الانضمام إلى حلف عالمي بقيادة أمريكا للاعتداء على كوريا، ثم جاءت نظرية ملء الفراغ لأيزنهاور في عام 1957.

في كل هذه المحاولات سواء مصر المستعمرة أو مصر الناصرية لن نهلك طاقاتنا في الحديث عن الهوية وكيفية المواجهة.. الخ، فجاءت المواجهة وانطلاقا من رفض الاستعمار على أساس وطني ذي بعد إنساني، أما الآن فإعادة تدمير فكرة الهوية وإعطائها أبعادا جديدة نتيجة للمخططات الأمريكية الثابتة بأشكال متعددة يعتبر نوعا من إضاعة الوقت والعبث الفكري والوطني، لأنه سيطرح هوية جامدة تخلق لها هويات مضادة ما يفتت أي أمل في تشكيل جبهة شعبية مناهضة للاستعمار في المستقبل

محمود أمين العالم: سوق كبير

يؤكد المفكر محمود أمين العالم أن مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الأطروحات البديلة له في الوطن العربي الآن لا تختلف كثيرا عما هو سائد في المنطقة العربية منذ عقود عدة من الزمان، وبصفة خاصة منذ انتهاء المشروع القومي الناصري، فمشروع الشرق الأوسط الكبير أو المبادرات العربية الأخرى لم تأت بجديد في طرحها لضرورة الديمقراطية وتمكين النساء ونشر المعرفة وكلها تهدف بما فيها الأطروحات العربية إلى دمج المنطقة في الرأسمالية النيوليبرالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وإذا نظرنا إلى الديمقراطية التي تطرح في هذا السياق لوجدنا أنها ديموقراطية “دعه يعمل.. دعه يمر” وهي صيغة من الديموقراطية الأوروبية في عصر نهاية الإقطاع ولا هدف لها إلا تحويل المنطقة العربية إلى سوق كبير، ويتزامن مع هذه الدعوة إجراءات  عديدة من الداخل تؤكد هذا المنطلق الرأسمالي. التعليم على سبيل المثال يتم تفريغه من فلسفة بناء الإنسان وتطويره معرفيا ليلائم احتياجات السوق، الحديث الذي لا ينتهي عن المعلوماتية يضمر خلفه طوفانا من المعلومات التي لا رابط بينها، حتى يتم إغراق الإنسان في تفاصيل لا يستطيع أن يربط في ما بينها لينمي حسه المعرفي، الإعلام تم تفريغه من محتواه واصبح من النادر وجود برنامج ثقافي جاد في أي قناة عربية، الصحف تحتشد بالأخبار والمقالات التي تصيب القارئ بزخم معرفي، والدولة في الوطن العربي تسيطر على المنابر الثقافية، واكبر حوار في المجتمع العربي الآن يدور حول نانسي عجرم!

ولكن إلى ماذا تشير هذه الصورة القاتمة؟ تشير إلى أن أوضاع الوطن العربي في العقود الأخيرة حتى من دون مشروع الشرق الأوسط الكبير يتم تمهيدها للاندماج في المشروع الرأسمالي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وعلينا أن نتساءل: من المستفيد من الديموقراطية والنظم التعليمية والإعلامية المتدهورة؟ بالطبع لن تستفيد منها الشعوب العربية أو النخب الوطنية وإنما طبقة رجال الأعمال المندمجة بالفعل في تشابكات مصلحية مع الرأسمالية الأمريكية.

ويمكن للعروبة “ثقافة وأسلوب فكر” أن تحمي هويتها من زلزال هذا المشروع عبر مستويين: الأول أن تمتلك مصر والأمة العربية مفهوما قويا لرؤية العالم، بمعنى فلسفة تصورات شاملة للأوضاع في الداخل والخارج، والتاريخ يخبرنا أننا نعيش أسوأ مرحلة في حياتنا العربية، فقبل ثورة 1952 كانت هناك رؤية للعالم من خلال المطالبة بالاستقلال وإلغاء الامتيازات الأجنبية، والارتباط بالحركة العربية، حتى الرأسمالية كانت وطنية، وبعد ثورة 1952 كانت لدينا رؤية للعالم، الاتجاه الاشتراكي، الوحدة العربية، رؤية تنموية شاملة، الآن ماذا لدينا؟ نحن الآن نستبدل باصطلاح النمو التنمية، فالتنمية في علم الاجتماع مفهوم يقوم على تقدم واطراد مجالات عديدة مرتبطة ببعضها بعضاً، أما النمو فهو مفهوم يقتصر على قضايا جزئية تفتت رؤية العالم الشمولية التي لابد أن تضعها الأمة العربية نصب عينها في أي مشروع نهضوي حقيقي في المستقبل.

المستوى الثاني لحماية الهوية هو المقاومة فهدف هذا المشروع الأساسي ينحصر في إفساح مجال أوسع لــ”إسرائيل” للهيمنة على المنطقة والقضاء على تراث عبد الناصر في الوحدة والتنمية ومناهضة الاستعمار، والمقاومة لا تأتي إلا عبر تشكيل جبهة من القوى المعارضة للعولمة الأمريكية، وبالمناسبة فأنا لست ضد العولمة الرأسمالية فهي التطور التاريخي والطبيعي للنظام الرأسمالي ولكن ما يجب أن نرفضه هو العولمة المستقطبة أمريكيا، ولنا فيما يحدث الآن في أوروبا دليل واضح على جبهات متعددة مناهضة للسيطرة الأمريكية واكثر ما خسره العرب هو الوقوف ضد التحالف الألماني - الفرنسي في الهجوم على العراق، لابد أن ندرك أن مصلحتنا مع أوروبا خاصة في ظل الانسحاب الأسباني الأخير من التحالف الأمريكي، لابد أن نسعى إلى التحالف مع هذه التكتلات المناهضة لأمريكا ونسعى إلى تفعيل اكثر للأمم المتحدة ومجلس الأمن لأن مصلحتنا مع أوروبا والشرق الأقصى، فالمنطقة العربية ليست إلا معبرا لأمريكا للسيطرة على منابع البترول لتحجيم قوة أوروبا، وهناك تقارير تؤكد أن الولايات المتحدة ستواجه من ناحية أخرى بأزمة طاقة شديدة بحلول عام 2020.

ولابد أن يراجع الفكر العربي نفسه إزاء العديد من الثوابت التي يرددها دائما، علينا التساؤل أولا ماذا سنفعل بوحدة تمثل تبعية مطلقة للرأسمالية الأمريكية؟ هذا مع افتراض حدوث الوحدة أصلا.

وعلينا البحث عن صيغة ديمقراطية جديدة تضع التنمية في القلب منها فكل الصيغ المطروحة عن الديمقراطية الآن في العالم العربي سواء بمشاريع خارجية أو مبادرات داخلية لا تخبرنا كيف ستحل الديمقراطية مشكلة الفقر والبطالة وسوء التخطيط والطابع الاستهلاكي وثقافة اللاعقلانية وكلها سمات عربية تتفاوت من بلد إلى آخر، ولا تخبرنا هذه الأطروحات السحرية كيف ستشكل المجتمع الديمقراطي.. هل سيشارك الفلاح المصري في هذه الديمقراطية؟ وهل سيتمخض عن هذه الديمقراطية دولة ضعيفة تابعة ومخترقة من الخارج؟ وهل ستتاح هذه الديمقراطية إلى الكافة بحيث يعبر المثقف عن رأيه بوضوح؟ وسيعم خيرها على الطبقات الشعبية بحيث تتحسن نوعية الحياة؟

إن هدف هذا المشروع والأطروحات العربية الخائفة التي خرجت لذر الرماد في العيون واستلام زمام المبادرة منه هو تحويل الشعوب العربية إلى مجموعة من الخدم للرأسمالية الأمريكية، ولذا فإن على المثقف العربي أن يعمل من اجل نشر الوعي بالقضايا الأساسية والمسلحة الآن عبر الشعوب العربية فهي الأمل الوحيد الباقي، فهناك رفض على مستوى العالم للعولمة الأمريكية، وهناك حركة المزارعين في أوروبا ومؤسسات أهلية عديدة رافضة للهيمنة الأمريكية وعلى طريق وعي كل هؤلاء ببعضهم البعض سيأتي التغيير من اسفل من قبل الشعوب، وعلى المثقف أن يناضل حتى النهاية.

د. احمد يوسف: أين الديمقراطية؟

يقول د. احمد يوسف احمد: إذا تصورنا انه سيكون هناك موقف عربي فكري مستقل وموحد إزاء هذا المشروع فلا مجال على الإطلاق لإعادة تعريف العروبة لأن هذا المشروع هو نفي لفكرة العروبة من أساسها، وواقعيا هناك تيارات عربية فكرية لا تتناقض جذريا مع هذا المشروع، ولكن القوى القومية والمعارضة لهذا المشروع لا تفكر ولا ينبغي لها أن تفكر تحت أي ضغط مهما كان حجمه في طرح فكرة العروبة على بساط البحث من الأساس، خاصة أن المشروع مطروح من الولايات المتحدة الأمريكية وهي قوة تستهدف المنطقة منذ عقود عديدة.

ويتصور البعض أننا نرفض المشروع نظرا لوجود “إسرائيل” داخل إطاره، لكننا إذا أغمضنا العين عن “إسرائيل” - وهو أمر مستحيل على ارض الواقع- فكيف يمكن التوفيق بين إيران الإسلامية وتركيا العلمانية؟ بل كيف يمكن التلاقي بين الثقافة العربية والأفغانية والباكستانية؟ ويجب علينا كمفكرين عرب أن نرفض المشروع كإطار وليس كمضمون حتى لا يقال إننا ننغلق على أنفسنا ونرفض مبادرات الإصلاح، نرفضها كإطار يجمع بين ثقافات يستحيل الجمع بينها ونقبلها كأفكار نستبعد منها الضار والذي لا يتوافق مع ثقافتنا وظروف مجتمعاتنا ونسعى في الوقت نفسه إلى تفعيل مشاريع الإصلاح الداخلية حتى لا نظل في دائرة الحوار التي لا تنتهي والشعارات البراقة فقط، ولكي لا نظهر أمام العالم كأننا نعيش في القرون الوسطى، فلا يستطيع أن يرفض أي عاقل اليوم الديمقراطية.

ولكن حماية الهوية العربية تأتي عبر ثلاث خطوات:

الأولى: أن نرفض المشروع كإطار لأنه نفي لفكرة العروبة أصلا.
الثانية: أن يعرف العالم أننا نرفض المشروع لأنه فرض علينا من الخارج ومن الولايات المتحدة بالذات، فهذا من قبيل التدخل في الشؤون الداخلية لبلادنا.
الثالثة: التأكيد على المقاومة ومزيد من المقاومة ضد ما يخطط لنا من مؤامرات تستهدف مستقبلنا العربي ولنا في ما يحدث في العراق خير مثال على ذلك، فبعد عام من الغزو الأمريكي للعراق، أين هي الديمقراطية التي وعدتنا بها الولايات المتحدة في العراق؟

ولابد أن يتكاتف المثقفون العرب للقيام بعمل نقاش موضوعي وحقيقي لقضية الإصلاح وبالنظر كذلك فيما يمكن الاستفادة به من أطروحات هذا المشروع وغيره من المبادرات الأخرى، مع مواصلة النقد الذاتي للواقع العربي الذي يقوم به مثقفون عرب منذ عقود عدة ويكفي أن أشير إلى مركز دراسات الوحدة العربية والدور المهم الذي يقوم به منذ سنوات عدة حتى يأتي الإصلاح من داخل الوطن العربي وبيد أبنائه.

د. محمد نور فرحات: حالة احتضار

يرى الدكتور محمد نور فرحات -أستاذ القانون والفكر المعروف- أن العروبة لا تحتاج إلى إعادة تعريف سواء على مستوى منطلقاتها النظرية أو فلسفتها وتطبيقاتها في حياة الشعوب لأن المفهوم النظري للعروبة أو التطبيقات العملية لها استقرت في وجدان الشعوب العربية منذ عقود عديدة، وإنما يراد للعروبة الآن أن يعاد تعريفها وفقا للأساس الديموغرافي لمبادرة الشرق الأوسط الكبير، بمعنى أنها تشمل منطقة الشرق الأوسط من وجهة النظر الأمريكية ولكن بأسلوب ينفي حتى الاصطلاح الجغرافي القديم للشرق الأوسط، ففي المشروع الجديد نجد العديد من الدول التي لا تنتمي أصلا إلى الشرق الأوسط بمفهومه التقليدي مثل أفغانستان وباكستان، والمفارقة في هذا المشروع انه كإطار جغرافي شمل دولة “إسرائيل” ولكن لم يوجه إليها أي مطالب إصلاحية من الخارج، فهي من وجهة نظر المشروع الأمريكي “دولة صالحة”، أو “الدولة الأنموذج” في المنطقة.

وبالنظر إلى الأبعاد التاريخية لمشروع الشرق الأوسط، سنجد الولايات المتحدة تستخدم مفهوم الشرق الأوسط منذ ما يقرب من العقدين كمنطقة تضم الدول العربية و”إسرائيل” وتركيا وإيران واستطاعت الولايات المتحدة عبر نشر هذا المفهوم أن تؤثر على الإعلام العالمي بما فيه الإعلام العربي للدرجة التي تعودنا أن نسمع فيها هذا الاصطلاح في إعلامنا كثيرا كبديل عن العالم العربي، بل وصل الأمر إلى أن العديد من منظمات الأمم المتحدة تستخدم الآن تعبير الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ويكاد يختفي مفهوم العالم العربي أو المنطقة العربية في فضاء التعامل اليومي لهذه المنظمات، وقد ترسخ هذا المفهوم في العالم العربي عبر معاهدة السلام مع “إسرائيل”، واستطاع شيمون بيريز أن يتحدث بجرأة وعلانية عن المشروع الشرق أوسطي لإدماج “إسرائيل” في اقتصاد المنطقة وإعادة توزيع الأدوار، فهناك التكنولوجيا “الإسرائيلية” والاموال العربية وعمالة الدول العربية الأخرى، وقد لقي هذا المشروع الأخير مقاومة شديدة من العديد من الدوائر الوطنية العربية، ثم عاد الحديث الآن إلى الشرق الأوسط الكبير كمحاولة متعمدة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى تجاوز فكرة القومية العربية، وفي خطاب لبوش منذ شهور عدة تحدث عن نهاية عصر القوميات تطويرا لخطاب الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان الذي تحدث عن نهاية الاشتراكية في ثمانينات القرن الماضي، وقد أشار بوش في خطابه إلى فشل الحكومات القومية على مستوى أنحاء العالم في النهوض بشعوبها، بل على العكس لقد تسببت هذه الحكومات في العديد من المآسي لشعوبها وهو يشير بحديثه إلى النظام الناصري في مصر ونظام البعث في العراق وسوريا، ومع اختلاف هذه النظم في رؤيتها للفكرة القومية فقد تم الإجهاز مبكرا على النظام الناصري، وانتهى النظام العراقي مؤخرا ولم يتبق إلا النظام السوري، إذن فهدف الولايات المتحدة واضح ويسعى إلى الإجهاز قدما على فكرة العروبة وليس مجرد تطويرها لأهداف استعمارية مستقبلية ولا مجال أمام العرب إلى إعادة طرح تصور جديد للعروبة حتى ولو بغرض الإصلاح خاصة في اللحظة الآنية فالهدف الأمريكي هو الإلغاء وليس التطوير أو الإصلاح.

وحماية الهوية العربية تأتي عن طريق الحفاظ على ثوابت الأمة العربية ومواكبة المستجدات والمتغيرات وثوابت العروبة هي الثقافة واللغة العربية، ودائما يضرب المثل هنا بدول الاتحاد الأوروبي المتعدد ثقافيا ولغويا ودينيا وعرقيا ورغم ذلك نجحت هذه الدول في إقامة وحدة عبر دعامتين: تكامل المصالح الاقتصادية والديمقراطية، وحقوق الإنسان.

وأرى أن تجاهل هاتين الدعامتين أدى إلى التعثر المتلاحق للمشروع القومي والذي وصل إلى حالة احتضار يعيشها حاليا.

والتدخل الاستعماري الحديث -كما يقول د. فرحات - يضع بعض المثقفين العرب في حرج شديد ويقدم دعما للنظم القامعة لشعوبها والمنتهكة للديمقراطية، فيبدو خطاب المثقف العربي اليوم كما لو كان مواليا للخطاب الأمريكي عن الديمقراطية، ويبدو من جهة أخرى السلوك الاستبدادي للحكام سلوكا مناوئا للاستعمار كما لو كان خطاب مقاومة الاستعمار دعما للاستبداد، وأنا أتصور أن الخطاب الأمريكي عن الديمقراطية والإصلاح لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجد لسبب بسيط أن الولايات المتحدة تعلم جيدا عبر دراستها للمنطقة انه لو أجريت انتخابات حرة من دون أي تدخل من الحكومات العربية في الوطن العربي فستأتي بزعماء التطرف الموالين للإرهاب، والذين هم في النهاية صنيعة أمريكا في المنطقة لضرب القومية والفكر الحداثي.

وتاريخ الاستعمار البريطاني لمصر يخبرنا أن بريطانيا كانت تقف ضد أي محاولات إصلاح ديمقراطي في مصر انطلاقا من رؤية اللورد “كرومر” العنصرية والتي كانت تعتبر أن العرب بطبيعتهم يتناقضون جذريا مع قيم الديمقراطية، ولذلك أتصور أن الخطاب الأمريكي عن الإصلاح في الوطن العربي ينتمي إلى دائرة خطابات العلاقات العامة والذي يهدف إلى ترويض النظم الحاكمة وتقليم أظافرها وتمكين المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى ابتلاع فلسطين، وأتعجب لعدد من نشطاء حقوق الإنسان العرب الذين يملأون الفضائيات العربية ويحرضون الغرب ضد حكوماتهم وشعوبهم فإما الديموقراطية وإما الاستعمار وهذا نوع من العبث الذي لا يستحق الرد عليه، ويجب على المثقف العربي أن يستعد لدفع الثمن مرتين، ضد استبداد النظم في العالم العربي والكفاح من اجل ديمقراطية داخلية وحقيقية، ومرة أخرى ضد الاستعمار الأمريكي الذي لا يريد الخير أبدا لعالمنا العربي.

د. يحيى اليحياوي: أينزيمات الهوية

أعتقد أن الصيغة التي طرح بها التساؤل تتضمن في حد ذاتها بعضا من عناصر الجواب إذ الفكر العربي كما مفهوم العروبة كما مسألة الهوية...أضحت مجتمعة على المحك في كثير من جوانبها سيما في ظل تسارع المستجدات وتعقدها والالتباس الذي غذى السمة الكبرى لبداية هذا القرن.

أزعم أننا كعرب لا زلنا نجتر العديد من القضايا الإشكالية الكبرى التي كان من المفروض أن تجد طريقها للحسم من مدة طويلة.

فنحن لربما لم نحدد بعد وظيفة الفكر وطبيعة التجاذبات القائمة “أو التي من الواجب إقامتها” بين الفكر والواقع. بمعنى أننا لم ننجح في تحديد نوعية وآلية الجدلية بين هذين المستويين، بالتالي ترانا نحمل هذه الجهة أو تلك مسؤولية ما يقع دونما أن نضع لذلك الأصول المنظومية الكفيلة بقراءة هذه الحركية أو ضبط آليات اشتغالها.
وهو ما يتراءى في الشطر الأول من السؤال والذي “يطالب” الفكر العربي بضرورة إعادة التعريف بمفهوم العروبة مثلا لا انطلاقا من أبعادها النظرية بل على خلفية من فلسفتها وتصوراتها وتطبيقاتها في حياة الشعوب راهنا.

الفكر العربي “شأنه شأن أي فكر آخر” هو بداية الأمر ونهايته تنظيرا “كي لا نقول نمذجة” لواقع الحال، هو محاولة لقراءته بأدوات ومناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية قائمة بغرض استخراج مكامن الخلل بصلبه أو بجهة البناء لتصورات ومسالك في المستقبل على أنقاض مكامن الخلل تلك.

بالتالي فليس ثمة من انفصال (من ناحية المبدأ على الأقل) بين ما يعتمل بأرض الواقع وما تحاول “نظريات” الفكر العربي مقاربته وملامسته وترسيم الخط البياني المستقبلي لصيرورته في الزمن والمكان اللهم إلا إذا كان ذات الفكر مجرد ترف عقيم أو مسوغ للتسلية الذهنية الخالصة.

لماذا إذن نطالب هذا الفكر بأن يعيد النظر في مفهوم العروبة إذا كان هو أصلا يستنبط صورته منها ويتخذها مرجعية في الاستقراء، في المقاربة وفي التحليل...؟ إنه يتمثلها “أو هكذا يجب” يبني من خلالها ويستقرئ المستقبل على ضوئها.
ألم يكن الفكر الناصري “ولا يزال” ترجمة لتطلع من أجل الوحدة ومحاربة الاستغلال ومصادرة القرار؟ ألم تترجم الناصرية على أرض الواقع عندما وزعت الأراضي وقلصت من الإقطاع وأعادت للمواطن المصري كرامته وللمواطن العربي هيبته وثقته بتاريخه وقوميته وما سوى ذلك؟

صحيح أن هناك “ردة فكرية” من لدن بعض “المفكرين العرب” الذين بدأوا يتبرأون من العروبة لاعتبارات عرقية مقيتة، هذا صحيح لكنهم لا يعنونني هنا ولا أعنيهم في ما سبق من حديث.

بناء على ذلك أتصور أن العروبة هي انتماء لأمة ولحضارة وسلوك في الحياة وتطلع في المستقبل. والفكر المنسوب إليها “أو عليها” إنما هو الاجتهاد التنظيري “والتطبيقي أيضا” المجمع على ضرورة وحدة ذات الأمة من أجل التنمية والتقدم وصيانة الكرامة.

هو إيديولوجيا توحيدية “بالمعنى الإيجابي للكلمة لا القدحي” لعناصر موضوعية لا مجال للتحايل عليها من لدن مرتد أو مستلب أو مسترزق في الأفكار تحت هذا المسوغ أو ذك.

بتحصيل حاصل إذن القول بأن العروبة إنما هي وبامتياز ثقافة وفكر وفلسفة وأسلوب تمثل ومنهج في التصور ومدخل من مداخل الوحدة والعمل المشترك بين مختلف أبناء الأمة.
ولما كانت كذلك فهي في المحصلة انزيمات الهوية لا يمكن سلخ بعضها عن البعض الآخر، وهي بذلك تتجاوز الزمن والمكان لا فقط على اعتبار أنها عصية على التطور، ولكن أساسا لأنها المحدد المركزي لكينونة الإنسان العربي في القدم كما في الحاضر والمستقبل.

وعلى هذا الأساس، فإن الشطر الثاني من السؤال يثير بعضا من الانزعاج وكثيرا من أحكام القيمة  وذلك لسببين:

الأول أنه كلما طرأ طارئ من بين ظهرانينا أو من حولنا، تبدأ الإشارة تتجه بجهة المرتكزات الكبرى حتى بعدم توفر دراسات دقيقة تبين ناحية التأثير وطبيعتها.

لم يقتصر الأمر على ردود الفعل حول وثيقة “الشرق الأوسط الكبير” بل لطالما ساد الربط ذاته في حالات العولمة والفضائيات والإنترنت وبعض الكتابات الاستشراقية التي أثارت ردود أفعال حتى قبل أن تدرس وتقيم وتوضع في سياقها العام.
السبب الثاني ويكمن في توظيف كذا قضايا وإشكالات عدة من لدن أطراف وجهات ومستويات قد تتهدد مصالحها بعض المشاريع “بصرف النظر عن خلفيات ذات المشاريع وأهدافها”، فتؤجج حولها المشاعر وتستكتب الأقلام للترويج للمخاطر والتخوفات حتى وإن كان في المقترحات  والمشاريع ذاتها الخير كل الخير للأفراد والجماعات.

هذان السببان لا يخلقان فقط التشويش والخلط بل غالبا ما يكونان مصدرا لردود أفعال عفوية وجانبية لا تصمد كثيرا مع الزمن.

لنأخذ وثيقة “الشرق الأوسط الكبير” كإنموذج مادام موضع التساؤل في ضلعه الثاني يرتبط بهذا الأمر بل يحذر من مخاطر هذا “الزلزال” على الهوية وما سواها. ماذا نلاحظ؟

نلاحظ أننا بإزاء ثلاثة معطيات موضوعية لا مجال للمزايدة بشأنها كبير:
الأول أنه لم يعد هناك أثر لمؤسسة اسمها الجامعة العربية منذ باركت العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة على العراق لإخراجه من الكويت وعجزها المستمر للدفع بالقضية الفلسطينية وتقصيرها في رفع الحصار عن العراق أو الحيلولة دون غزوه واحتلاله، ناهيك عما سوى ذلك من أوجه القصور.
ولما كان الأمر كذلك، فأنا أزعم أن إصلاح الجامعة أو إعادة هيكلتها أضحى أمرا ترقيعيا ومؤتمراتها وقراراتها غدت أضحوكة كبرى.

الملاحظة الثانية أن ما وقع يوم الحادي عشر من سبتمبر وما استتبعه من استفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي ولجوء المحافظين الجدد إلى عصا القوة لفرض الإصلاحات، الذي وقع “وما يجري أيضا” أعطى للقوة الكبرى الوحيدة في العالم سلطات واسعة لإعادة تنظيم العلاقات الدولية على مقاسها سيما الشرق الأوسط حيث منابع النفط و”مصادر الإرهاب” والحليف الاستراتيجي الأول...الخ.
الملاحظة الثالثة وتتراءى لنا كامنة في تزايد مطالب الإصلاح التي طالت المنطقة العربية ولم تجد لها صدى من لدن الأنظمة السياسية القائمة على الاستبداد والاستهتار بشعور المواطن كما هو الشأن بحالة توريث الحكم وعدم اللجوء إلى الاقتراع لاختيار الحاكم وقمع الحريات الجماعية كما الفردية سواء بسواء...وما سوى ذلك.

مكامن الضعف والتقصير والخلل هي التي دخلت عبرها المشاريع الخارجية قبل وثيقة “الشرق الأوسط الكبير” ومعها كما بعدها.

ماذا تقول الوثيقة في خطها العام؟

تقول أولا (بناء على تقريري التنمية الإنسانية العربية في ما يبدو) أن المنطقة العربية تشكو من غياب الديمقراطية والحكم الصالح، من غياب الأسس الكفيلة ببناء مجتمع معرفي وايضا من تغييب الفرص الاقتصادية التي من شأنها الدفع بعمليات التنمية.

وهذا أمر صحيح قال به التقريران وقلنا به كما قال به العديد غيرنا حتى وإن كان الاختلاف قائما حول أسباب الغياب والتردي ذاته والجهات الثاوية خلفها.
وتقول ثانيا “بضرورة” توسيع الرقعة الجغرافية لتشمل إلى جانب الوطن العربي دولا أخرى كإيران وأفغانستان وباكستان وتركيا و...”إسرائيل”.

أي أنها تقول بفضاء جغرافي لا خلفية بصلبه للعرق أو للعقيدة أو للدين أو لطبيعة الدولة أو ما سوى ذلك.

وهو أمر لا يمكن استساغته أو القبول به ليس فقط لأن “إسرائيل” دخيلة على المنطقة عنصرية وقائمة على خرافات لاتاريخية، ولكن أيضا لأنها تراهن على أن تكون رائدة الرقعة إياها ليتسنى لها بالتالي تذويبها في مشاريعها التوراثية التي لا حد لها في ما يبدو بعدما تم احتلال العراق.

المثير للغرابة حقا هو عدم إيلاء النظم العربية لهذا الجانب كبير اعتبار بقدر ما أثارت حفيظتهم “وثورتهم أيضا” قضية “فرض الإصلاح من الخارج دونما مراعاة لخصوصيات كل دولة وشعب”.

هو كذلك من دون شك سيما وأنه نابع من إدارة أمريكية متعجرفة متعالية ولا يهمها من المشروع إلا مصالحها ومصالح حليفها في المنطقة على المدى المتوسط والبعيد، لكن ما الذي حال دون هذه الأنظمة ودون إعمال مبدأ الإصلاح طيلة الخمسين أو الأربعين سنة الماضية حتى تكون في منأى عن الإملاءات الخارجية؟
لماذا لم تنجح الجامعة العربية لأكثر من نصف قرن من الزمن ولماذا لم تدفع بالعمل العربي المشترك حتى تحول دون فرض الإصلاح على أعضائها قسرا؟
لماذا فشلت النظم العربية في استنبات الديمقراطية وعجزت عن إقامة المنظومات التعليمية المكرسة لروح البحث العلمي والإبداع التكنولوجي والحرية وتكافؤ الفرص حتى لا تتعرض للاستهداف من الخارج على أساس هذه الخلفية أو تلك؟
لماذا لم تعمد إلى نشر قيم الحرية والعدالة والتوزيع المتكافئ لمصادر الثروة والسلطة حتى تضمن لنفسها المناعة من الداخل تعجز عن اختراقها المشاريع والمخططات؟
أتصور إذن، بالمحصلة، أن الإشكال لا يضع العروبة كهوية أو كثقافة في المحك بقدر ما يضع تمثلا منفصلاً ومنفصماً للسلطة عن الشعوب .

جريدة الخليج الإماراتية، الملحق الثقافي، 26 أبريل 2004

يمكنكم مشاركة هذا المقال