لم تعد التلفزة، بالسنين الأخيرة، عبارة عن حامل مجرد للصوت والصورة، أو وسيلة عادية من وسائل الإعلام. إنها أضحت مؤسسة للاتصال والتواصل، للتربية والتثقيف، للتسلية والترفيه، مرتبطة أشد ما يكن الارتباط بتموجات السوق، والتطلعات المتعاظمة والمتسارعة للجمهور. بالتالي، فقد غدت المنافسة بين القنوات العامة والخاصة، الجامعة والمتخصصة، غدت عنصرا أساسيا يدفعها مجتمعة لبناء هويتها الخاصة وعقلنة نشاطاتها.
من هنا تأخذ البرمجة التلفزيونية كل معناها ومضمونها. فإذا كانت هذه الأخيرة، بالبدايات الأولى للقنوات التلفزيونية عبر السواتل، تعبر عن الحاجة لضمان سبل التقاطع بين البرامج ومكونات الجمهور المختلفة، فإنها أصبحت بوقتنا الحاضر ومنذ مدة، عنصرا بنيويا في استراتيجيات القنوات، تأخذ شكلها بهذه الأخيرة بصيغة واضحة وجلية.
وعليه، فإن القلب النابض لنشاط أية قناة تلفزيونية، إنما يتمثل في قدرتها على تجميع واختيار المواد والبرامج، بغرض بناء شبكة متناسقة ومتناغمة.
لو نظرنا للبرمجة وفق ما سبق، فإنه بالإمكان تحديدها بشكل مختصر، في كونها تقنية في التخطيط صرفة. بمعنى أنها لا تتعدى كونها عملية تجميع وترتيب مجموعة من البرامج في كل مهيكل، متكامل ومتناسق.
وإذا كان من الممكن، من ذي قبل، صياغة شبكة برامجية ما، انطلاقا من الحدس أو بالبناء على انطباع القائمين على القناة التلفزيونية، فإن ذلك قد بات اليوم فنا دقيقا ومحددا. إنه فن التوازن، كي لا نقول التوافق، لأنه محصلة مشتركة بين تقنيات التسويق (اقتراح ما يتماشى وحاجيات الجمهور)، وحبكة الإبداع، حيث يستقطب الجمهور تدريجيا وتلقائيا، وبصرف النظر عن تطلعاته ورغباته.
إن البرمجة التلفزيونية قد أصبحت مسلسلا معقدا، تستوجب لفهمها العودة إلى جذورها، وإلى الآليات التي تبني لنمط اشتغالها في الزمن والمكان. هذه العودة لا تستدعيها فقط الحاجة إلى ضبط أصول البرمجة، في عالم ممتلئة سماواته بالفضائيات المختلفة، بل وكذلك بغرض تجاوز النظرة التقنية التي غالبا ما يتبناها ممارسو البرمجة، ويشكلون الشبكات على أساسها.
والقصد هنا هو القول بأن البرمجة التلفزيونية، لم تر النور إلا عندما بدأت القنوات تهتم بهويتها، وتستعد لمواجهة المنافسة المرفوعة في وجهها من لدن مثيلاتها في النشاط. وهو ما يعني أن التلفزيونات الهرتزية لم تكن تعير البرمجة كبير اهتمام، بل كانت تبث بغيابها، وبدون استحضار لأسسها وفلسفتها حتى.
إن البرمجة التلفزيونية لم تعد مسألة ثانوية أو هامشية، بل باتت تشكل هاجسا مهنيا ومعرفيا كبيرا، أمام المسؤولين وأمام العاملين بالمؤسسات التلفزيونية، بصغر حجمها أو بكبره. والسبب في ذلك هو أن "التصور عن التلفزيون تعدد وتنوع، والجمهور تطور وتبدل، وعلاقاته بالتلفزيون تعقدت أكثر فأكثر، والأسس التي يمكن أن تصوغ على ضوئها هذه العلاقة، أي البرمجة، انقلبت موازينها وتباين ثقل مفرداتها وتشابكت تأثراتها".
وعليه، فإن الحديث عن التلفزيون بصيغة المفرد، لم يعد دقيقا اليوم، إذ يبين واقع الحال، أننا بتنا حقا بإزاء تلفزيونات مختلفة، اختلاف الوضع القانوني والموضوعات المثارة، والجمهور المستهدف ونمط البث المعتمد، ومصادر التمويل المتاحة وغيرها.
بالتالي، فإن النقاش اليوم حول هذه التلفزيونات بات يتطلب استحضار أكثر من حقل معرفي، أكاديمي ومهني، وكذلك قيمة مضافة ترتكز على مفاهيم ومعطيات جديدة، من قبيل "التناص الإعلامي" و"الثقافة الطافحة" و "الثقافة الفكرية" و"الجمهور النوعي أو النافع"، و"المشاهدة النشيطة والمتفاعلة" وأنماط البرمجة التلفزيونية، والبرمجة المتعارضة، والبرمجة الأفقية والعمودية، والمشاهدة المواثبة والبرنامج التلفزيوني/الإطار، وما سواها من مفاهيم وعناوين.
وإذا كانت عبارة التلفزيون بصيغة المفرد قد تشظت وتقوضت، فإن مفهوم الجمهور بدوره، بصيغته العامة والهلامية، قد طاله التطور والتحول والتغيير. ومعنى ذلك أن عبارة الجمهور، الذي كرسته التلفزيونات العمومية الجامعة، قد طاله التفتت والتشظي، بفعل عوامل متعددة، لعل أقواها على الإطلاق انفجار البث التلفزيوني المقتني للاقمار الصناعية. فظهرت نتيجة ذلك، القنوات المتخصصة بتخصص المواضيع التي تعرض لها أو تهتم بها، ثم القنوات الجامعة الموجهة لجمهور محدد عام، وطنيا أو محليا أو قليميا، ثم القنوات المجانية والقنوات المشفرة، ثم القنوات التي تستوجب اشتراكا محددا لبلوغ برامجها وهكذا.
بالتالي، فإن هذا التشتت الذي مس مفهوم ومضمون الجمهور، كان إحدى العوامل الأساس التي دفعت المؤسسات التلفزيونية للسهر على إخراج شبكة برامجية متراصة الأضلع، بغرض استمالة هذا الجمهور أو بعضا منه على الأقل، واجتذابه لما تبثه وتقدمه.
إن التطور المتسارع لمجال القنوات التلفزيونية الباثة عبر السواتل، لم يضعها فقط على محك تشظي الجمهور، واشتداد المنافسة فيما بينها لاستقطابه، بل فاقم من المفارقة القائمة أصلا بين منطقين متنافرين ومتكاملين بالآن ذاته: " المنطق الاقتصادي، الذي يسعى لتحقيق الربح، أو على الأقل تحقيق التوازن المالي للقناة التلفزونية، والمنطق السيميائي الذي يتعاطى مع التلفزيون كأداة منتجة للمعنى، والتي على أساسه تتوشج العلاقات الاجتماعية".
هما منطقان إثنان، قد يتناغمان وقد يتنافران. وبناء عليه، فإن البرمجة التلفزيونية إنما تحتكم إلى سؤال مرجعي أساس: ما هي العلاقة التي تربط جمهورا محددا ببرنامج، أو عدة برامج تلفزيونية في هذه القناة أو تلك؟
والآية من طرح هذا السؤال إنما مؤداها أن استهلاك أي برنامج تلفزيوني، غالبا ما يكون رهينا بالتمثل أو التمثلات التي يكونها المشاهد عن القناة، وعما تبثه بهذا التوقيت و ذاك. بمعنى أنه إذا ما أقدمت هذه القناة على بث برنامج ما، فإن الجمهور لا يرتبط بمحتواه، بقدر ما يتعلق بالقناة التلفزيونية التي تبثه.
* "الجمهور في البرمجة التلفزيونية"، 26 دجنبر 2011.