كتاب جماعي، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، خريف 2009، 112 ص.
بمقدمة هذا المؤلف الجماعي، نقرأ التالي: ''تعد الهند حاليا واحدة من أهم القوى الإقليمية الصاعدة في قارة آسيا، ومن المتوقع في العقدين القادمين أن تكون إحدى أهم القوى الاقتصادية الكبرى في العالم''.
ويتساءل: كيف حققت الهند هذه الطفرة في أقل من خمسة عشر عاما؟ وما طبيعة التحديات التي تواجهها حاليا، وتلك التي ستبرز أمامها مستقبلا؟ وما تأثير تنامي قوة الهند في المحيط الإقليمي والفضاء الدولي؟
يضم الكتاب العديد من المحاور والمباحث، التي تحاول مقاربة كل مفاصل الإشكالية المطروحة، سنحاول الوقوف هنا عند المحاور الأساس ضمنها:
+ بالمحور الأول ''الدولة والمجتمع''، يقول أحمد سرور في دراسته عن ''الهند...المارد النائم''، تدخل الهند القرن الحادي والعشرين ممسكة بكافة المعطيات التي حددها علماء الجغرافيا السياسية لتعريف الدول القوية. ''فهي دولة مستقلة وذات حكومة متميزة، وذات رقعة واسعة من الأرض، وذات حجم سكاني ضخم، فضلا عن أنها قوة نووية إقليمية، تطمح في المستقبل المنظور للعب دور عالمي أكبر''.
فإلى جانب تنوعها اللغوي والديني والثقافي، تتسم الهند بتنوع كبير من الناحية الطوبوغرافية وتتوفر على موارد بشرية معتبرة، وعلى موقع جيوستراتيجي مثالي. كما تطل الهند على طرق بحرية تربط أوروبا والشرق الأوسط الغني بالنفط من ناحية، وبدول الازدهار الاقتصادي كالصين واليابان وبقية دول آسيا الشرقية، من ناحية أخرى.
ويقطن الهند أكثر من مليار ومائة مليون نسمة، يشكل الهندوس ضمنها 82 بالمائة، مقابل أقل من 15 بالمائة للمسلمين، وأقل من 3 بالمائة للمسيحيين، و 2 بالمائة للسيخ، فيما تضم النسبة المتبقية بوذيين ويهود وغيرهم من الأقليات.
ويعيش أكثر من 77 بالمائة من مواطني الهند بدخل يومي لا يتجاوز نصف دولار يوميا، في أوضاع لا إنسانية بالمرة، دونما تحقيق ملموس لتحسن في ظروفهم.
وتعد الهند أكبر ديموقراطية برلمانية في العالم، حيث ينتخب الشعب الهندي أعضاء المجلس النيابي بالاقتراع المباشر. أما البناء المؤسساتي للبلد، فهو بناء فيديرالي، حيث البرلمان يمثل الدولة على المستوى القومي، ولكل ولاية مؤسساتها التشريعية المشابهة للبرلمان.
وللهند نظام قضائي مستقل وأيضا سلطتها الرابعة المتمثلة في إعلام حر ومستقل بنسبة كبيرة.
والهند قوة نووية وإنفاقها على التسلح مرتفع، سيما بوجود خصم لها على الحدود، وتطلعها لأن تصبح قوة إقليمية تماما كالصين وروسيا.
+ بمبحث ''اقتصاد الهند: الدور والمستقبل في نظام عالمي جديد''، يقول بيتراس أوستريفيشيوس وجون بوزمان: ''تقدم الهند بشكل مطرد إشارات تدل على أنها قد تلعب في القريب العاجل نفس الدور الذي تلعبه الصين حاليا. وليس من المستغرب تاريخيا أن تتقدم هاتان الحضارتان نحو ريادة الاقتصاد العالمي. وقد أشار بعض المؤرخين الاقتصاديين إلى أنه على مدار 18 قرنا التي سبقت الاستعمار البريطاني للهند، كانت الهند والصين تساهمان معا بنحو 80 بالمائة من إجمالي الناتج العالمي الخام''.
وبحسب إحصاءات العام 2007، فإن الاقتصاد الصيني ينمو بمعدل 12 بالمائة والاقتصاد الهندي بمعدل 10 بالمائة. وإذا ما استمر الاتجاه الحالي لاقتصاد هذين العملاقين بهذا المعدل المتسارع وفي غيرهما من الاقتصاديات الناشئة، فإن العالم الثالث سيسهم بنحو ثلثي إجمالي الناتج العالمي خلال العقدين المقبلين.
ولعل الذي يثير مخاوف الدول الكبرى أن هذه الاقتصاديات الناشئة لا تنمو فقط بمعدلات عليا، بل تمضي في هذا النمو من خلال تعميق تكاملها في أسواق العالم التجارية والمالية.
وتمتلك الهند قطاعا صناعيا مهيكلا، وتصنف اليوم ولربما منذ العام 1947، كسابع أكبر دولة صناعية في العالم. وقد ازدادت صادرات الهند من 100 مليون دولار في العام 1991 إلى أكثر من 100 مليار دولار في العام 2007، أي بزيادة نسبتها 30 بالمائة من قيمة إجمالي الناتج المحلي.
ومع ذلك، فالتحديات بوجه الهند كبيرة، إذ نحو ربع سكان الهند يعيشون دون خط الفقر الوطني، مع تباين كبير في درجة الفقر على مستوى الأقاليم...بما معناه أن الهند تحتل بمؤشر التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة للعام 2007، المرتبة 128 من بين 178 دولة.
كما أن صناعة القرار بالهند تتسم ببطء شديد، سيما في ظل نظام فيديرالي من شأنه أن يؤدي إلى توترات كبرى مع السلطات المركزية، سيما بزاوية توزيع الثروة.
وهناك تحدي آخر مرفوع بوجه الهند، والمتمثل في ''بناء مؤسسات اقتصادية بديلة قادرة على التوافق مع مجتمع عالمي موحد وأكثر ديموقراطية...وتكمن خطورة هذا التحدي في أن الدولة ما تزال غير فاعلة، ومتشبثة بطرق بالية في تنظيم الحياة الاقتصادية''.
من جهة أخرى، تصطدم الهند باختناقات حقيقية في إمدادات الطاقة، كما أنها تعاني من ارتفاع كلفة إنتاج الطاقة الكهربائية، سيما بظل سياسة مشروعات بناء السدود الضخمة على الأنهار.
كما يمثل التدهور البيئي تحديا آخر بوجه الاقتصاد الهندي وتنميته المستدامة. ومع ذلك فالهند لا تزال تقاوم مبدأ فرض قوانين بيئية، من خلال مفاوضات منظمة التجارة العالمية.
ويلقي القلق الهندي حول أمن الطاقة بظلال ثقيلة على موقف البلاد من الأمن الجيوسياسي، حيث لجأت الهند إلى إبرام تحالفات عسكرية بالمنطقة، وتحالفت مع إيران مع ما يجر ذلك عليها من غضب من لدن الغرب، وأمريكا على وجه التحديد.
إن الهند، يقول الكاتبان بالخلاصة، مثلها مثل الصين، قد ''قدمت فصلا من ملحمة التغير الأسطوري في ميزان الاقتصاد العالمي، والذي سيشكل المستقبل الإنساني على مستوى الوظائف والاستثمار وسوق الطاقة والوضع البيئي العالمي والتوازن العسكري. وفي هذا العالم الجديد، ليست هناك بوابات للنجاح سوى الانفتاح والمرونة، وهي القيم التي يجب أن تحافظ عليها دول أوروبا وأمريكا الشمالية، فضلا عن دول الاقتصاديات الناشئة، والهند في مقدمتها''.
نافذة "قرأت لكم"، 12 غشت 2010