تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"فاجعة الإعلام"

news-details

أنا لست صحفيا حتى يكون بمستطاعي الحديث في الأمور في راهنيتها وفي آنيتها. الأمر يحتاج إلى بعض من الوقت والتروي بعض الشيء حتى تستقر الصورة تماما ويغدو التقييم موضوعيا.

لكنه، على الرغم من ذلك، فبإمكان المرء أن يبدي بعض الملاحظات الأولية العامة حول "التغطية" التلفزية لكارثة الحسيمة:

+ الملاحظة الأولى كوننا لم نعلم بالكارثة، بداية الأمر، إلا عبر الفضائيات والإذاعات الأجنبية، في حين أن القناتين الرسميتين لم تعلنا عن الخبر وتبدأ في بث الصور الأولى إلا بعد ذلك بكثير.

من دون شك أن الذي وقع كان مفاجئا، وهو أمر لا اختلاف حوله في الكوارث الطبيعية التي لا سبل كبيرة للتنبؤ بها أو بمدى قوتها...لكن السؤال يبقى قائما مع ذلك: كيف تسنى للإعلام الأجنبي أن يعلن عن الحدث صوتا وصورة ولم يكن "لقناتينا" السبق في ذلك ينقل عنهما ذات الإعلام؟

كل ما قيل في حينه وراج حول تضاريس المنطقة وتعذر بلوغ مناطق جبلية بحكم وعورتها، كل ذلك كلام غير دقيق وإلا فبأي السبل نرى تلك المناطق اليوم من الداخل ولم يتسن لنا ذلك بداية الفاجعة من الجو؟

لست هنا بصدد الحديث عن مؤامرة من طبيعة ما بغرض إخفاء ما جرى. لا، ليس هذا هو المقصود. المقصود هو القول بأن هناك بيروقراطية قاتلة بالقناتين تخشى التحرك دون أوامر وتعليمات وليس لها أدنى معرفة بما هو بث حي ومباشر وبعين المكان دونما رقيب أو حسيب وعلى مدار الساعة في حالات كهذه.

هذه ثقافة يفترضها زمن السرعة ونحن أبعد ما نكون عنها في هذه الحالة بالذات كما بغيرها.

+ الملاحظة الثانية وتتمثل في السلوك المعتمد والمتعمد من لدن القناتين في اختزال كارثة الحسيمة إعلاميا فيما يتم تقديمه بنشرات الأخبار المركزية...حيث لا يطرأ تغيير على التشكيلة البرامجية المحددة سلفا ولكأننا حقا بإزاء حالة عادية لا تتطلب الاستنفار ليل نهار.

ليس من العيب في شيء أن تتحول النشرات المركزية إلى نشرات خاصة تكون شافية وضافية كلمة وصورة وتعليقا واستجوابا. لكن الذي نعيبه أساسا على ذات النشرات (إزاء فاجعة الريف) إنما نوعية مراسلاتها الجافة والباهتة والصور المكرورة إلى ما لانهاية وضيوف الاستوديو الذين لا ندري الخلفية التي على أساسها يستدعون جملة وتفصيلا.

بالتالي، فلم ير المغاربة من الكارثة إلا ما تسنى لهم رؤيته بنشرات الأخبار الرسمية أما ما خرج عن ذلك فيوحي حقا بأن لا شيء وقع بالمغرب إطلاقا.

إنها حالة مرضية حقا أن يبقى المرء مرهونا، لمعرفة ما الذي يجري لأهله وذويه (وزوجتي ابنة المنطقة) بنشرة "مقدسة" تنتفي الأحداث خارجها بالمرة.

+ أما الملاحظة الثالثة فتكمن في مفارقة غريبة في الشكل، لكن من غير المتعذر تفسيرها (أو تبريرها من الجهة الأخرى) من ناحية الجوهر: ما تفسير (وتبرير) "الزلزال" الذي عشناه وعايشناه عندما عاد الفريق "الوطني" في كرة القدم من تونس منهزما وجندت لعودته القناتان البث الحي، المباشر طيلة ساعات النهار والليل ولأيام طوال في النشرات المركزية كما خارجها، في حين لم تحظ كارثة الحسيمة إلا بتغطية محصورة المدة، محدودة السعة ودونما تجنيد إعلامي يذكر؟

هل يعني ذلك أن أسباب الفرح بالمغرب أهم مما قد نواجهه من مآس ومحن؟ هل من المفروض أن يتم التمييز بين المستويين في حال موسطتهما إعلاميا؟

لا تبدو لنا ذات المفارقة عسيرة التفسير، إذ القائم السائد ببلادنا إنما اقتصار الفرحة والنشوة على الرسميين من بيننا (على النخبة أعني) وترك ما هو مصدر تنغيص وقرح للجماهير ...وهو ما يتراءى لنا أن التلفزة بالمغرب أدركته جيدا منذ البداية وعمدت إلى انتهاجه في الشكل كما في المضمون سواء تعلق الأمر بما جرى بتونس أم تعداه إلى الذي يجري منذ عشرة أيام بجبال الريف...

جريدة اليسار الموحد، 5-11 مارس 2004

يمكنكم مشاركة هذا المقال