تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"وعي بالمستقبل، مستقبل بالوعي"

news-details

استشراف المستقبل، أو المستقبلات، ليس ضربا من ضروب الاجتهاد الذهني والفكري المحيل على الترف أو النزوة العابرة الصرفة، بقدر ما هو محاولة لاستكشاف الظروف والإمكانات والآليات الموجهة للفعل الحاضر، المتطلعة لآفاق أفضل، والمذكية لوعي الأفراد كما الجماعات بمستقبلهم.

 ولما كان كذلك، فهو يتخذ من الماضي كما من الحاضر، مادته ونقطة انطلاقه، ويرتكز على إمكانات الناس وآمالهم وخياراتهم، والصورة التي يتطلعون إليها في الآماد القريبة أو المتوسطة أو البعيدة، ومستوى إرادة التغيير القائمة لديهم، وتوفر القابلية من بين أضلعهم.

إن القول بهذا إنما هو من القول بأن استنكاه المستقبل العربي، لا يمكن أن يتم فقط بالبناء على الموارد المادية واللامادية المتوفرة هنا أو هناك، بل وبالنظر إلى السياق الثقافي والحضاري في شموليته، إذ المستقبل هو صيرورة يعتمل بداخلها إرث الماضي إيجابا أو سلبا، وتتداخل بصلبه عناصر الحاضر، الذاتية منها  كما الموضوعية سواء بسواء.

من هذه الزاوية، فعملية استشراف المستقبل العربي ليست بالقطع عملية فنية أو تقنية خالصة، تستفرد بها النخب وتتكفل بها الصفوة، بل هو عمل جماعي، في الزمن والمكان، يستوجب المشاركة والتشارك بين أبناء البلد الواحد، أو على المستوى القومي أو الإسلامي الواسع، لصياغة الاتجاهات المرغوب في رسمها، وإدراك الصورة المبتغى تحقيقها.

والدليل على ذلك لا يكمن فقط في كون سبل النهضة والتقدم هي سبل مادية بالإمكان تعظيمها، ولكن أيضا لأنها لا تستقيم إذا لم تتم معاضدتها بوعي جمعي يدرك الرهانات، ويقتنع بالتحديات، ويدفع بجهة الاستجابة وفق سلم أولويات واضح، وعلى خلفية من توافر رؤية تجنيدية ناجعة. وعلى هذا الأساس، فإن وعي العرب بالمستقبل (بأهميته ومحوريته، كأفق للتحليل والفعل) إنما يجب أن ينطلق (ولربما ينتهي) من الوعي بثلاث قضايا كبرى:

الأولى: أن العرب بحاجة إلى تغيير نظرتهم إلى التاريخ، كي يعرفوا كيف يتعاملوا مع واقع الحال القائم، ومع المستقبل القادم. "لقد تأسس الوعي العربي الحديث على نظرة رومانسية للتاريخ، لا تهتم إلا بالبطولات والأمجاد، وتجنح في أحيان كثيرة إلى الأسطورة والخرافة، مما يشيع فيها وعيا مزيفا ومضللا بواقع التاريخ الذي تتحرك قوانينه، كما تتحرك قوانين واقع العالم المعاصر، مع فارق المتغيرات والمستجدات التي تبقى محكومة، وإن استجدت، بقوانين الحركة التاريخية في ماضي العالم وحاضره على السواء. وهي قوانين من دروسها أن تاريخ الأمم صعود وتراجع، ثم صعود في منحى آخر حسب الإرادة العامة، ولا توجد أمة خرجت من التاريخ إلى الأبد، إلا إذا أصرت على إعادته بحرفيته المنقضية".

معنى هذا أن الوعي بالتاريخ لا يجب أن يتحول إلى قراءة انتقائية للأحداث، تفصل المعطيات عن بعضها البعض، بل يجب أن يتعامل مع التاريخ كوحدة متناسقة، منظومة بسياق محدد، وهو ما كان ليتحقق لولا تداخل وتفاعل العديد من المحددات الموضوعية والذاتية، وتراكم الكثير من المعطيات.

أما القضية الثانية فتتعلق بمسألة وعي التاريخ كمدخل أساس لبناء، أو إعادة بناء الوعي الجمعي، كوعي تاريخي مشترك يأخذ بأسباب الجلد والقوة، ويتجاوز على عناصر اليأس والإحباط.

 من هنا، فإن الوعي مثلا بوجود تآمر خارجي على الوطن العربي، هو أمر تقوم عليه شواهد عدة، لكن ليس معنى ذلك انسياق ذات الوعي خلف نظرية في المؤامرة لا تضع في الميزان القابلية الذاتية المتوفرة قبليا لترجمة التآمر إياه.

ومعنى هذا أن المؤامرة لا يمكن أن تنفذ للداخل، إلا إذا توفرت لها به روافد تفسح لها في المجال دونما تمنع أو مناهضة، أو ثوت خلف المؤامرة طروحات مؤدلجة، تذهب بجريرتها قضايا الديموقراطية، والحرية والتنمية، وحقوق الإنسان وما سواها.

القضية الثالثة وتتمثل في ضرورة التمييز، من بين ظهراني الوعي بالمستقبل، بين مستوى الممكن والمتاح، وبين المستوى المثالي الأسمى. والقول بهذا التمييز هو من القول بأن مجال الممكن والمتاح هو مجال الحاضر القائم, الذي من المفروض توسيعه وتنميته، في حين أن مجال المثالي يبقى إلى الطموح والتطلع، أقرب منه إلى المحتمل إدراكه.

وعلى هذا الأساس، فإن إحدى المداخل الكبرى لذات الوعي، إنما التساؤل عن أسباب وتداعيات أزمة الوعي العربي، وكيف أن هذه الأخيرة حالت دون إفراز صحوة نهضوية، كما كان عليه الحال مثلا بأواخر القرن التاسع عشر، ومع التجربة الناصرية أيضا.

والصحوة المتحدث فيها هنا ليست مادية إلا في مظهرها، في حين هي تبدو لنا "معرفية/عقلية/تحليلية ونقدية" لذاتها، لماضيها وحاضرها، كما لحقائقها وحقائق عالمها وعصرها. "من هنا فإن اللحظة التاريخية الراهنة هي لحظة إعادة النظر واجتراح الصحوة المعرفية اللازمة لإحداث الصحوة الحضارية الشاملة، من خلال بلورة المشروع الحضاري العربي".

إنها لحظة تستوجب أولا وبالمحصلة إعادة طرح الأسئلة الأساسية، لتفكيك وإعادة بناء ما جرى ويجري، وأيضا للارتكاز على ذلك، بجهة العمل على توليد وعي بالمستقبل وللمستقبل.

* "وعي المستقبل، مستقبل الوعي"، التحالف الوطني العراقي، 27 ماي 2010. التجديد العربي، 28 ماي 2010. شبكة الرافدين، 29 ماي 2010.

يمكنكم مشاركة هذا المقال