من نافلة القول بداية، إن العرب دخلوا الألفية الثالثة مثقلين بإرث كبير، إحدى خصائصه الجوهرية واقع الأزمة العامة، وحالة الإحباط الشاملة، وضبابية الأفق المستقبلي، وتشعب الأزمة، كما تعمق الإحباط، وتزايد وتيرة انسداد الأفق، وهو ما يمكن ملامسة بعض من عناصره بالمظاهر الكبرى التالية:
+ ففي المجال السياسي، يبدو أن المسألة الديموقراطية هي من أكبر المسائل التي لم يتسن للعرب استنباتها، أو المراهنة عليها، على الرغم من تزايد منسوب الوعي لدى الجماهير، واستيعابها الواسع (ولو مظهريا) لحتمية الانتقال إلى أساليب جديدة في الحكم، تقوض أسس الاستبداد السائدة، وتنهي حالات الاحتقان القائمة بين الحاكم والمحكوم.
ثمة وعي سياسي أكيد، بهذا الجانب، من لدن فئات واسعة من المجتمع العربي، لكنها لم تفض إلى تجاوز احتكار السلطة من لدن الأقلية، أو إلى تداول وتناوب سياسي، يتم الاعتداد من بين ظهرانيه بتنافسية البرامج، لا باعتبارات الحكم المبنية على القبيلة أو الطائفة أو العشيرة أو المذهب أو ما سواها.
بامتداد لذلك، لم نلحظ تحولا للمتن السياسي، يتم من خلاله تجاوز الإيديولوجيا لفائدة القيمة، أو الشخص لفائدة المؤسسة، أو العقل التشاركي الواسع، عوض الاستفراد في صنع القرار، كما في تصريفه بالمجال العام.
بهذه النقطة أيضا، لم تفرز مرحلة ما بعد الاستقلالات الوطنية، بالمشرق العربي كما بمغربه، إلا إعادة إنتاج الميراث الاستبدادي في مطلقه، وابتعادا متزايدا عن القيم المؤسساتية المستوجبة لعقد اجتماعي، ينظم العلاقات بين أطراف اللعبة السياسية، كمدخل للعملية الديموقراطية، على الأقل بصيغها الإجرائية المتداولة.
بالتالي، فإن اختلال بنيان المسألة الديموقراطية داخل القطر العربي الواحد، إنما من شأنه حتما الحيلولة دون تجذيرها وتكريسها على المستوى القومي أو الإقليمي، وهو لربما الجانب الذي ثوى خلف فشل التجارب الوحدوية، التي جربت لأكثر من نصف قرن مضى.
إن استقراء سريعا للواقع العربي، من زاويته السياسية، يؤكد قطعا على حالة التدهور القصوى التي بلغها، والتي كان من نتائجها (ومن أسبابها أيضا) انشطار المشهد السياسي، وإعادة إنتاج عملية تمحوره حول ثلاثية "المذهب والطائفة والعرق".
لم يعد العنصر الناظم هنا هو العنصر السياسي المتجاوز على الثلاثية إياها، بل باتت هذه الأخيرة هي الخلفية التي على أساسها تتم عملية القسمة من بين ظهراني "السوق السياسي".
+ في الجانب الاقتصادي، يبدو أن فشل معظم برامج التنمية واشتداد مظاهر التبعية التجارية والمالية والتكنولوجية، هي السمة الأساس التي تطبع القطر العربي الواحد، وكذلك في الأقطار العربية المختلفة في علاقات بعضها البعض، أو مع الخارج.
هي مسلمة ثابتة بالمعطيات الإحصائية كما بما سواها من مقاييس، إذ ما تم اعتماده من سياسات وبرامج اقتصادية طيلة العقود الخمسة الأخيرة، لم يفرز من بين ظهرانيه إلا ضعفا في الإنتاج، وتعميقا في الفوارق بين الطبقات، وتزايدا في أحجام الفقر والحرمان، واستمرارا لهشاشة الوضع الاجتماعي لشرائح واسعة من المجتمع العربي.
لم يقتصر الأمر هنا على الأقطار بحد ذاتها، بل طاول ذلك المنظومة العربية برمتها، جراء فشل المشاريع المشتركة، وتراجع مقومات التبادل البيني، وخضوع العمل العربي لتقلبات الدول، أو لتصارعها، أو لتبرم قادتها عن هذا العمل، لفائدة منظومات أجنبية مجاورة أو بعيدة.
يكاد المرء يجزم هنا بأن تقدم مد العولمة إنما أسهم وبقوة، في تشظي العمل العربي المشترك، ونفور الأقطار العربية من بعضها البعض، على الرغم من أن العولمة أفرزت بفضاءات أخرى، تجمعات وتكتلات، وأشكال جديدة في الاندماج الاقتصادي والتكاملات القطاعية.
بهذا الجانب أيضا (الجانب الاقتصادي) نلحظ جليا أن ثمة وعيا متزايدا بتوفر مقومات العمل المشترك، وأهميته في ظل تحول العالم إلى تكتلات اقتصادية كبرى، لكن ذلك يبقى مقتصرا على الخطاب ولا يطول الممارسة كثيرا...إذ ضعف التبادلات التجارية بين الأقطار العربية، لا يوازيها إلا قوتها فيما بين هذه الأقطار والدول الأجنبية، كل وفق إمكاناته، وما أفردته له طبيعة التوزيع العالمي للعمل والمعرفة.
+ بالجانب الثقافي والفكري، يبدو أن ما تم تحقيقه من تراكم على هذا المستوى، لم يخرج كثيرا عن نطاق التوصيف وإعادة الإنتاج، ولم يفرز توجهات فكرية كبرى، يكون بالإمكان ترجمتها عمليا بأرض الواقع. هي بامتياز أزمة عقل عربي، يتحامل في جزء منه، على التراث دونما وضع هذا الأخير في السياق الذي أنتجه (وهو هنا إنما ينشد تغافل ذات التراث لدرجة القطيعة)، أو في الجزء الآخر، عقل يتغيأ إدراك الحداثة دونما موسطة ثقافية لها بالمجتمع العربي، أو تأسيسها وموطنتها بذات المجتمع. هو عقل منبهر بالثنائيات، لم يستطع الفصل بينها بدقة، أو الإفلات من عقالها بحكمة.
بالجانب الآخر، جانب "العقل العربي الرسمي"، يقف المرء مشدوها، عند التواطؤ القوي القائم بين مناح عديدة من عقل عربي جامد ومتخلف، وحاكم عربي متسلط ومستبد. لم يقف التواطؤ إياه حجرة عثرة أمام إنتاج فكر أو بلورة مشروع، بل تحول "المثقف والمفكر" العربي بمقتضاه، إلى داعية من دعاة الحاكم، يسوغ له السياسات، ويبرر له السلوك.
وعلى هذا الأساس، فإننا لم نلحظ عقلا جمعيا، يكون من شأنه إفراز وعي جمعي جامع، كما لاحظنا ذلك بالغرب مثلا، بقدر ما لاحظنا ونلاحظ عقلا عربيا مضطربا، مشوشا، مفتقرا للصياغة المنظمة وللعقلانية، يكون من السهل على المجتمع استيعابها نظريا، والتحكم في ناصيتها من وجهة النظر العملية.
ولعله من غير المبالغ فيه القول، بأن الذي يكون الخيط الناظم لهذا العقل إنما الطبيعة الإيديولوجية التي يتسم بها، وتحول دونه ودون تفكيك وإعادة تركيب عناصر الوعي العربي، ووضعه بصورة مجريات ما يدور من بين أضلعه وبالخارج أيضا.
نحن إذن، بكل ما سبق، إنما بإزاء تقصير في إدراك الحاضر العربي، في أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية، وبالامتداد لذلك في تبعاته الخارجية، من هيمنة سياسية، وتبعية اقتصادية، واستلاب ثقافي وما سواها.
وبقدر ما نحن بإزاء ذات التقصير، فإننا أيضا بإزاء تقصير آخر، لا يقل عنه عمقا أو مكمن خطر: التقصير في آليات التصريف. ليس المقصود مساءلة "حجم" الوعي المكتسب، بل تصريف الإضافات التي تأتت من اختمارات معطيات الداخل والخارج.
ومرد هذا القصور إلى ثلاثة مصادر كبرى، من دون توفرها سيبقى نطاق الوعي العربي محصورا بنخب محدودة، لربما مدركة بعقلانية لما هو قائم، مطلعة بدقة على ما كان سائدا، لكنها غير قادرة على ترجمته بأرض الواقع وتصريفه:
المصدر الأول ويتمثل في طبيعة المنتوج الثقافي والفكري وطبيعة الرسالة المتضمنة به، أو الثاوية خلف وضعه. يبدو، بهذه النقطة، أن غالبية ذات المنتوج لم ولن تفرز وعيا جمعيا، ولم ولن تسهم كثيرا في تشكيل عقل عربي يتمثل ذاته عن دراية، ويتواصل مع الآخر عن عميق معرفة.
إن هذا المصدر هو منتوج متعال، مؤدلج، مرتهن بمرجعيات متباينة لدرجة التناقض، غير مؤطر برؤية تجنيدية تضمن له الشيوع والسريان. وعلى هذا الأساس، فلو سلمنا بالثقافة والفكر كأحد عناصر صياغة الوعي، فإنه يبقى، بالعديد من الحالات، معطلا ومحصورا وغير ذي خاصية تفاعلية مع المتلقي، الذي هو بالبداية وبالمحصلة المجتمع، وهل يمكن الحديث حقا عن وعي جمعي، إذا لم يطل هذا الوعي معظم، إذا لم يكن جل شرائح المجتمع وطبقاته؟
أما المصدر الثاني فيكمن في ضعف التأطير السياسي والنقابي (وتأطير منظمات المجتمع المدني أيضا)، وانفصامها كأجهزة عن مجريات ما يدور بالفضاء العام من حركية وتموجات. لا يأتي ضعف هذا التأطير من ضعف الأجهزة نفسها فحسب، بل ويأتي أيضا من غبن العديد منها، وهضم حقها في الوجود (كما الحال بالعديد من الدول العربية)، وارتباط الجزء الآخر بمنظومات السلطة، لدرجة يتساءل معها المرء عن المقصود بعبارة "المنظمات الأهلية"، أو "منظمات المجتمع المدني"، أو "منظمات العمل التطوعي"، أو ما سواها. وعلى هذا الأساس، فإن هذه التنظيمات لا تخرج كثيرا عن كونها جزءا من جهاز الدولة، لا استقلالية لها تذكر، وإن تسنى لها أن تروج لمرجعية ما، فهي بالتأكيد مرجعية السلطة، التي غالبا ما تتنافى مصلحتها وجذور وجودها، مع تعميم قيم الوعي العام، واتساع مجال الفهم والإدراك من بين ظهراني شرائح المجتمع.
المصدر الثالث ونخاله كامنا في مستويات الدونية التي غالبا ما توصف بها الشرائح الاجتماعية، وتعتبر إحدى سماتها الكبرى. الشرائح إياها لا تبدو هنا مكمن الوعي ومصبه، بل تبدو وكأنها لا تحتكم على القابلية في الوعي، أو القدرة على الإدراك. هي، بنظر هذا الطرح، مجال عاطفة لا تخلق وعيا، وليست، بأي حال من الأحوال، مجال عقل أو مكمن عقلانية.
بالتالي، فإن ذات النظرة لا تعمد فقط إلى توسيع الفجوة بين النخب، كل النخب السياسية والمثقفة، وتأجيج نعرات الحذر المتبادل بينها، بل وتدفع لحد استنبات مسوغات الغبن والإحباط من بين ظهراني "العامة". ولما كان الأمر كذلك، فإنه من الطبيعي أن يتم استقطاب جزء كبير من الشرائح إياها، من لدن منظومات فكر نقيضة، أو حمالة لمنظور معاكس، أو مدافعة عن تصور قد يحيل بالمحصلة على التطرف والتكفير والإرهاب، وما سواها.
وبناء على ذلك، فإن بناء وعي جمعي لا يمكن قطعا أن يتماهى مع فكر وثقافة متعاليين، ولا مع تنظيمات سياسية أو مدنية تدعي الاستقلالية، في حين أنها تضمر التواطؤ مع السلطة، ولا مع النظرة الدونية للجماهير.
إن بناء وعي جمعي لا يمكن أن يكتب له النجاح إذا تم بشاكلة عمودية، أبوية، تستثني المشاركة السياسية في الزمن والمكان، ولا يمكن أن يتجسد، فوق كل هذا وذاك، إذا لم يحكم برؤية ناظمة تشيع المعلومة والمعرفة، القمينة بإشاعة الوعي بين الجماهير.
وهذا هو الذي يجعل من التمييز بين حاضر الوعي ووعي الحاضر معطى جوهريا حقيقيا، وليس طرحا سيميائيا خالصا كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو الذي يضمن الانتقال من حاضر الوعي العربي ذي المدى المحدود، والطبيعة النخبوية المتعالية، إلى وعي الحاضر، التفاعلي التوجه، الجماهيري الأفق...وهكذا. وهل يستقيم الحديث عن وعي جمعي عربي حقا، إذا لم يعمد إلى إشاعته من بين ظهراني الجماهير، ليغدو القاعدة الأساس للحاضر، وكذلك لأي فعل مستقبلي؟
* "من وعي الحاضر إلى حاضر الوعي"، التجديد العربي، 24 ماي 2010. التحالف الوطني العراقي، 25 ماي 2010. شبكة الرافدين، 25 ماي 2010. جريدة العرب، لندن، 26 ماي 2010.