تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي لجريدة "العدالة والتنمية": هل هناك سينما مغربية حقا؟

السؤال الأول: هل توجد بالفعل سينما مغربية، أم أن هناك فقط سينما بالمغرب؟

 يحيى اليحياوي: أنا لست ناقدا سينمائيا، ولا متخصصا في هذا الميدان. أنا أهتم بالسينما كوني مشاهد، وأهتم بها أيضا ضمن اهتمامي بالقطاع السمعي/البصري وبالإنترنيت، وبالصورة بوجه عام.

لكن دعني أقول بالمباشر ردا على سؤالك: إنه ليس لدينا صناعة سينمائية بالمعنى المنظومي للكلمة، أي بمعنى المهنة والحرفة، ومجالا للاستثمار الحقيقي. هناك أقلية تشتغل بالميدان، لكنها لم تنجح في استنبات صناعة قائمة الذات، موجهة لسوق، محددة طبيعته ومواصفاته. والسر في ذلك أننا لا نتوفر على صناعات ثقافية بالأصل، ولا على سياسة ثابتة بهذا المجال. الكل يشتغل من باب الهواية، أو من باب من لا حرفة له تذكر. والدليل أننا لم ننجح في خلق مدرسة مغربية في السينما.

ثانيا، أنه ليس لدينا كمغاربة ثقافة سينمائية متجذرة، تتابع ما يجري، وتتهافت على ما قد يجود به هذا المخرج أو ذاك. بمعنى أنه ليس للسينما جمهورا خاصا، قارا، تماما كما أنه ليس للكتاب أو الجريدة جمهورا قارا، بالإمكان الارتكاز عليه لاتخاذ قرار الاستثمار.

ثالث، السينما بالمغرب اليوم لم تعد تستهوي نفرا كثيرا، ليس فقط للضعف الذي يميزها، بل وأيضا بسبب بروز أشكال منافسة جديدة، من قبيل الفضائيات المجانية والمؤدى عنها، ثم توفر شبكة الإنترنيت، حيث بالإمكان تحميل الأفلام مجانا أو بتكلفة بسيطة. بالتالي، بات يستعاض عن التنقل لمتابعة فيلم سينمائي بالقاعات، أو بما تبقى من هذه الأخيرة.

بالمحصلة، أنا أشك كثيرا في القول بوجود سينما مغربية، كما الحال بالهند مثلا أو بمصر أو بتونس أو بغيرها. هناك اجتهادات فردية لا بأس بها، لكن لا يمكن أن يقاس عليها للقول بوجود هذه السينما. بالتالي، فقد نتجاوز ونقول: لربما هناك سينما بالمغرب، ولكن لا توجد سينما مغربية، بمعنى مدرسة سينمائية قائمة الذات ومعترف بها، اللهم إلا لربما ما ثوى خلفه محمد عصفور من بناء وتأسيس.

السؤال الثاني: هل هناك  سياسة سينمائية مضبوطة بالمغرب، سواء في الإنتاج أو في التوزيع أو في الاستهلاك؟

يحيى اليحياوي: قد نسلم بتوافر بعض العناصر، لكنها غير كافية للقول بوجود سياسة سينمائية، فما بالك بسياسة ثقافية، كمنظومة متراصة، محكومة برؤية واضحة، وبتصور محدد. بالتالي، فالمسألة لا تخص الإنتاج لوحده، أو التوزيع والرواج والاستهلاك. إن التشكيلة برمتها معاقة، وبكل جوانبها. وإلا فقل لي أية سياسة سينمائية هاته التي تغض الطرف عن إغلاق القاعات مثلا، وتحويلها إلى عمارات أو مقاهي أو إدارات زجاجية تضر أكثر ما تنفع؟ وأية سياسة سينمائية هاته التي لم تستطع، ولأكثر من خمسة عقود، استنبات صناعة سينمائية يعتد بها، اللهم إلا الادعاء بوجود استوديوهات في ورززات، يكتريها المخرجون الأجانب لتصوير أفلامهم.

السينما ثقافة، لكنها بالآن معا صناعة، لها بناها التحتية وشبكاتها في الإنتاج والتوزيع. وهي أيضا سلوكا وأخلاقا، لا ناصية خلفية يمتطيها هذا "المخرج" أو ذاك، للحصول على مال الدعم، والذهاب للاسترزاق به في البناء أو في سمسرة الأراضي، دون رقيب ولا حسيب.

 السؤال الثالث: إلى متى يستمر المخرجون في الجري وراء صندوق الدعم السينمائي، الذي يوزع كل سنة الملايين من الدراهم على المحظوظين منهم؟

يحيى اليحياوي: أتصور أن هذا الصندوق هو الذي حال دون قيام صناعة سينمائية بالمغرب، على الرغم من عدد الأفلام التي مول. بمعنى أنه بات صندوقا أسودا، يوزع المال العام على أسس ليست دائما سليمة، ولا يخضع ذلك للمحاسبة والرقابة. وأنا أعرف  بعضا من "المخرجين" الذين اغتنوا من خلاله، دونما أن يحركوا الكاميرات، وإن حركوها فلتصوير أفلام لا قيمة مضافة من بين ظهرانيها. وأعرف أيضا من بنى بمال الدعم فيلات وعمارات، وحوله للمضاربة في العقار أو بسوق السيارات، وهذا مخجل.

القصد هنا هو القول: بما أن السوق مفتوح ومنظومة الاقتصاد ليبرالية، والمحك هو المنافسة والجودة، فبأي حق ننشئ هذا الصندوق، وندعم هذا المخرج أو ذاك، وبالمال العام فضلا عن ذلك؟ المفروض أن السينما مجال استثمار، فليستثمر فيها من له القدرة على الاستثمار، أو ليبحث عن قطاع آخر، وإلا فإن الدولة هنا تتحول إلى خصم وحكم في الآن ذاته، وهذا مستهجن في الاقتصاد اللبيرالي، وفي أبجديات نظريات المنافسة.

المفروض أن يتحول هذا الصندوق إلى بنك، يقرض الفاعلين بالسينما بنسب فائدة معينة، لا أن يستمر في ضخ المال العام، في قطاع لم يعد ينتج شيئا ذا قيمة تذكر.

السؤال الرابع: هل الأفلام الأخيرة مثل "حجاب الحب"،"كازا نكرا" التي تدعي الواقعية، تحترم الجمهور؟

يحيى اليحياوي: الحرية في العمل الفني هي الأصل، والرقابة يجب أن تبقى الاستثناء، أعني أن يحترم المرء اللوائح والقوانين والتشريعات القائمة. وهذه مسألة لا يجب أن يزايد عليها المرء كثيرا، إذ التجاوز عليها يسقط تلقائيا في المحذور.

بالمقابل، فأنا لست مع منطق أن يستفز الناس في مشاعرهم أو في قيمهم، أو فيما توافقوا على العيش في ظله، تحت أي مسوغ كان.

المغرب بلد محافظ بكل المقاييس (دع عنك خطابات الحداثة العرجاء)، ومع ذلك فمن بين ظهرانيه يتعايش المسجد والخمارة، والحجاب مع الإباحية في اللباس، والعاهرة مع المتعففة، والمدمن على الصلاة مع المدمن على علب الليل وهكذا. الكل يتعايش دونما أن يشير أحد على الآخر، بأنه كذا أو كذا.

هذه ظواهر موجودة ومتعارف عليها، ولا تطرح في تقديري إشكالا كبيرا. لكن موسطتها بالتلفزة أو بالسينما بطريقة مباشرة وفجة وبخلفية غير مدروسة، لربما يعطي النتيجة العكس. تماما كما بالواقع: لو شتمت مخمورا بعبارة "السكايري" يكون رد فعله سلبيا، حتى وهو يمشي متمايلا.

أنا أتصور أن المسألة ليست مسألة واقعية أو حرية أو ما سوى ذلك. المسألة كامنة في البحث عن كيفية تربية المجتمع على تقبل قيم لربما يعتبرها دخيلة على منظومة قيمه. زاوية المعالجة هنا هي الأساس، ووظيفة الفن أن يلتقط الظاهرة بدقة، ويصورها بصبغة جمالية ذكية، لا أن يصورها في تجردها لهذه الغاية أو تلك. لو أضفنا إلى ذلك موجة "خالف تعرف" التي ابتلينا بها من مدة، لاكتملت الصورة، وتوضحت بخصوص هذا الفيلم أو ذاك، هذا الكتاب المتطاول على هذه الشخصية أو تلك.

  السؤال الخامس: ما رأيك فيمن يقول بأن دعم  السينما  مثل الانتخابات، على الرغم من تلقيهما الدعم من الدولة، فإن الجمهور يعزف عن القاعات السينمائية وعن السياسة؟يحيى اليحياوي: المقارنة ليست خاطئة بمجملها، إلا أن الفارق أن السينمائيين غير مطالبين بإرجاع المال العام لصندوق الدعم إن فشل الفيلم أو لم يدرك نسبة متابعة مهمة، على العكس لربما بالنسبة للسياسيين الذين لا تطالبهم الدولة بإرجاع مال دعم الحملة الانتخابية. بالحالة الأخيرة لست متأكدا من أن الأحزاب ترد المال العام.

بكل الأحوال، فلا السينما ولا السياسة حققت شيئا في هذا البلد السعيد، حيث كل شيء يبور بمجرد غرسه، ولكأننا صحراء جرداء لا نبت فيها يصلح إلا لظهور الطفيليات والطفيليين.

* "يحيى اليحياوي لجريدة العدالة والتنمية: أعرف مخرجين بنوا بمال الدعم فيلات وعمارات"، جريدة العدالة والتنمية، العدد 174، 11-17 فبراير 2009.

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال