مهمة تاريخية كلفت بها الحكومة المغربية الجديدة التي يقودها الإسلاميون في المغرب، من خلال حزب العدالة والتنمية الذي تصدر الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب، ومن ثم تكليفه من قبل العاهل المغربي الملك محمد السادس بتشكيل الحكومة برئاسة عبد الإله بن كيران.
فبعد عقود من التهميش، وصل الإسلاميون إلى سدة الحكم في المغرب، ولكن تحديات عدة تواجههم، تبدو حاسمة لتحديد مستقبل الحكومة الجديدة والبلاد بشكل عام.
وكان حزب العدالة والتنمية الإسلامي قد فاز بغالبية المقاعد التي أعلن عن نتائجها في الانتخابات البرلمانية في المغرب.
تحدٍ أخلاقي
وحول التحديات التي تنتظر الحكومة المغربية الجديدة، يرى الكاتب والمحلل السياسي المغربي يحيى اليحياوي أن تجاوز هذه التحديات سيحدد بشكل كبير مستقبل الحكومة الإسلامية في المغرب.
وحصر اليحياوي هذه التحديات في ستة عناصر، بدأها بالتحدي الأخلاقي، ومدى قدرة الحكومة الجديدة (وهي حكومة ذات طابع إسلامي مميز) على استنبات منظومة قيم وسلوكيات، تقطع مع ما هو سائد، أو ما يراد له أن يسود من "قيم" وسلوكيات؟.
ووصل المحلل إلى أبعد من ذلك حينما تساءل عن مدى قدرة حكومة بن كيران على صياغة رؤية تربوية وتعليمية، تعبر عن المنظومة المراد بناؤها، والعمل على إقامة مشروع مجتمعي يحقق الآمال والطموحات ويواجه الغزو الفكري.
فقد انتشرت مظاهر الحداثة في العالم العربي ومن بينها المغرب، تلك المظاهر التي من بينها ما لا يقبله المجتمع المسلم المحافظ.
ويرى اليحياوي أن هذا التحدي قد لا تسعفه مدة الحكومة المسموحة ( 5 سنوات)، غير أنه شدد على أنها مطالبة بذرع البذور وصيانة عملية التحول.
تحدٍ سياسي
أما التحدي الثاني الذي يواجه حكومة حزب العدالة والتنمية بالمغرب، والذي ذكره اليحياوي، فهو سياسي بالدرجة الأولى، فالحكومة تستمد شرعيتها بلا شك من الشعب، لكن هذه الشرعية تقتسمها شرعية أخرى وهي (شرعية الملكية)، والتي لها جذور تاريخية في المغرب ونفوذ مادي ورمزي كبير، فضلا عن التفاف الشعب نحوها.
كما أن الدستور الجديد منح المؤسسة الملكية صلاحيات وهامش حركة ومناورة واسعة، فالملك بموجب الدستور له الكلمة الفصل في رسم السياسات الكبرى، والتوجهات الجوهرية, فيما لن يكون لرئيس الحكومة إلا الاجتهاد في طرق التنفيذ.
ويؤكد اليحياوي على أن الحكومة ستكون محاسبة على تنفيذ قرارات تم صياغتها من المؤسسة الملكية، التي لا تسائل ولا تحاسب ولا يشار إليها بالمسئولية، مشيرا إلى أن التحدي الحقيقي في هذا الشأن هو مدى قدرة الحكومة على التشبث بصلاحيتها.
ولكن لا بد من ذكر العلاقة بين حكومة العدالة والتنمية وغيرها من التيارات والحركات السياسية الأخرى في المغرب، فعلى سبيل المثال، رحبت حركة التوحيد والإصلاح المغربية بقرار الإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، معتبرين هذا القرار تجاوبا مع نداءات حكماء وعقلاء هذا البلد، على حد قولهم.
وأكدت حركة التوحيد والإصلاح المغربية على أن قرار الإفراج يمثل دفعة جديدة لمسار الإصلاح الديموقراطي الذي تشهده البلاد، وخطوة مهمة من شأنها تقوية النموذج المغربي الساعي لتصفية إرث التحكم والإقصاء، بمنهجية تصالحية تؤهل المغرب للمضي باستمرار في الإنصاف والمصالحة، كما اعتبرته خطوة لتعزيز الثقة في الخيار الديموقراطي، وتسريع مسلسل طي صفحة انتهاكات الماضي والحاضر.
التحدي الاقتصادي
ويواصل اليحياوي حديثه عن التحديات التي تواجه الحكومة المغربية الجديدة والتي من أهمها بلا شك التحدي الاقتصادي، فحكومة بن كيران مطالبة بابتكار الأساليب لمحاربة اقتصاد الريع المنتشر، والتهرب الضريبي الواسع, والفساد الإداري المتجذر, والزبونية والرشوة المستشرية من بين أضلع قطاعات الاقتصاد والمالية والمجتمع وما سواها.
بالإضافة إلى ذلك فهناك مشكلات اقتصادية أخرى متأججة داخل المغرب، ومنها البطالة والعجز التجاري والمديونية المرتفعة المسجلة مع الخارج, والخصخصة السلبية في قطاعات الصحة والتعليم والسكن، وضعف منسوب دخول الاستثمارات الأجنبية المنتجة للثروة وفرص الشغل.
وأوضح اليحياوي أن المغرب تحتاج إلى العمل على تخليق الحياة الاقتصادية، واستنبات سبل حكامة رشيدة، تكون مرتكزة على المسؤولية والشفافية والمحاسبة والتقييم المحيل على آليات الإصلاح والتقويم، هذا أيضا مع الدفع بالاستثمار المنتج، الداخلي كما الخارجي على حد سواء.
التحدي الاجتماعي
أما عن التحدي الاجتماعي فقد أوضح اليحياوي أن تزايد منسوب الفقر بين الأسر (بما فيها أسر الطبقات المتوسطة), وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين أمام هجمة نيوليبرالية حررت الأسعار وأطلقت العنان لمنطق السوق المتوحش، كلها مشكلات اجتماعية تواجه الحكومة الجديدة.
ولفت المحلل السياسي المغربي إلى أن الحكومة لديها مهمة صعبة للقضاء على التمزقات الاجتماعية المتعمقة والتي تزداد يوما بعد يوما.
التحدي الإعلامي
وهنا تحدث اليحياوي على مدى قدرة الحكومة إياها على إخراج المجال السمعي والبصري من خانة الركود والتكلس التي يعيشها لأكثر من خمسة عقود من الزمن، وتنقيح قوانين الصحافة وحرية تبادل المعلومات.
وطالب الكاتب المغربي بتفعيل آليات الاتصال السياسي عن قرب من جهة، وفك الارتباط بين الإعلام والسلطة؛ حتى يفسح في المجال لذات الإعلام لأن يتحول إلى سلطة رابعة قائمة الذات ومستقلة.
العدل والقضاء
أشار اليحياوي إلى أن القضاء المغربي يوجد به العديد من المشاكل، كما أن منظومة العدالة بأكملها يوجد بها بعض الفاسدين، الذين لا يضمون العدالة والإنصاف.
ولفت اليحياوي إلى أن الحكومة الجديدة لا تستطيع أن تستجلب الاستثمار ولا أن تخلق قاعدة لاقتصاد سليم وتنافسي, إذا لم تعد النظر بعمق في طبيعة وبنيان الجهاز القضائي.
رسالة الإسلام، حسين فاروق، 24 فبراير 2012