يعتبر يحيى اليحياوي، الباحث في قضايا الإعلام والاتصال، ما تمرره القناتان من فكاهة في رمضان، من الرداءة التي تبين استهتار القائمين على 'الشأن التلفزي' بالمغرب، وتبين مدى تعنتهم في استفزاز المشاهد لدرجة لا تطاق.
وقال إن الانتقادات المتكررة لا تلاقي اعتبار المسؤولين واهتمامهم، بدليل استمرار رداءة وتفاهة هذه المواد، موضحا أن هذه المواد (السيتكومات تحديدا) هي بمثابة هبة لأشخاص محددين كائنة ما تكون مضامين ما يعرضون، موضحا أن ثمة لوبيات ومصالح هي التي تتحكم في العملية.
وأشار إلى أن رأي الشارع هو المحك الحقيقي في تقييم ما يقدمه التلفزيون، وليس الناقد المتخصص مادامت المواد المقدمة موجهة للجماهير، وليس لها طابع نخبوي يذكر.
سؤال: أصبحت الفكاهة المغربية مرتبطة بشكل كبير بشهر رمضان، وعلى امتداد السنوات الأخيرة عاشت إخفاقا واضحا ما جعلها محط انتقادات متتالية سواء على صفحات الجرائد أو من طرف الجمهور؟ في رأيك كيف يمكن للنقد الإعلامي أن يساهم في التغيير؟
يحيى اليحياوي: أنا لست متأكدا من أن الذي تقدمه التلفزة المغربية بقناتيها وفضائياتها هو من قبيل الفكاهة، أو يمت إليها بصلة. الفكاهة لها أصولها الفنية والجمالية، ولها فنانوها أستطيع أن أقول المتخصصين.
ما تمرره القناتان من كونه فكاهة، سيما بسيتكومات بعد الإفطار، هو من الرداءة يجعل المرء غير قادر على مقاربة المسألة وفق أدوات النقد المعتادة. هي تبين استهتار القائمين على "الشأن التلفزي" بالمغرب، وتبين مدى تعنتهم في استفزاز المشاهد لدرجة لا تطاق، وهذا منذ عدة سنين. وقد كتب حول ذلك الكثير بالجرائد وبالمجلات، وتداوله الناس فيما بينهم.
لربما قد يكون ذلك من باب الانتقاد العفوي من لدن المشاهدين، الذين هم بالبداية وبالمحصلة غاية وهدف هذه المواد. لكن النقد الموضوعي لا يمكن أن يتجاوز على هذا الجانب، حتى وإن كان موجه الخطاب، أعني موجها للثاوين خلف العملية برمتها من مسؤولي التلفزة ومن "فنانين" ومن كتاب نصوص.
من جهة أخرى، فالمفروض أن تعمد التلفزة ذاتها على استبيان آراء الناس، ويخال لي بهذه النقطة، أن الحوصلة ستكون سلبية بكل المقاييس. أما عن النقد المتخصص، وعلى ندرته الصارخة، فالمفترض أن يلاقي اعتبار المسؤولين واهتمامهم. وهو مع الأسف ما لا نشهده بالمرة، بدليل أننا ألحينا وألح غيرنا على رداءة وتفاهة هذه المواد مذ انطلقت للمرة الأولى، ولم يتم الانتباه إلى ذلك بالمطلق، واستمرت ذات المواد كما كانت.
هذا يشي بأحد من أمرين: إما أن هذه المواد (السيتكومات تحديدا) هي بمثابة هبة لأشخاص محددين كائنة ما تكن مضامين ما يعرضون. وأنا أزعم أن ثمة لوبيات ومصالح هي التي تتحكم في العملية. أو أن المعايير الجمالية والفنية لا تعتمد في الاختيار. وأزعم بهذه النقطة أيضا أن معيار الزبونية والمحسوبية هو المتحكم بالبداية وبالنهاية.
سؤال: وهل يمكن فعلا أن نتحدث عن نقد إعلامي متخصص، أم أنه مجرد انطباعات وردود فعل شخصية؟
يحيى اليحياوي: أتصور أن كلياتنا ومعاهدنا المتخصصة لا تهتم كثيرا بتكوين صحفيين ذووا مواصفات محددة، سيما بالنقد الإعلامي والتلفزي بوجه خاص. بالتالي، فغالبا ما يأتي النقد من خارج المجال، أعني من أشخاص يكتبون للتعبير عن تذمرهم مما يعرض.
بالتالي، تبقى المسألة أقرب إلى الانتقاد والانطباع الشخصي أقرب منها إلى النقد الموضوعي. ومرة أخرى أتساءل: ما الفائدة في إعمال ذات النقد إذا كانت المادة ضحلة بالأساس، والمسئولون الثاوون خلفها لا يأخذونها في الاعتبار في القادم من برامج شبيهة.
بالمقابل، فعلى الرغم من كون هذه الانتقادات لا تخرج عن نطاق الانطباع، فهي دالة بالتأكيد على موقف أزعم أنه عام، يطاول المضامين ويطاول الشخصيات التي تجسدها. أنا أعتقد أن المحك هنا هو رأي الشارع، وليس الناقد المتخصص مادامت المواد المقدمة موجهة للجماهير، وليس لها طابع نخبوي يذكر. وأنصح القائمين على التلفزة للنظر فيما تقدمه فضائيات الشام والخليج من نماذج، لعلها تعتبر ولو لمرة واحدة.
سؤال: كيف يمكن أن نؤسس لنقد إعلامي محايد ومستقل، مبني على مبدأ التصحيح وليس التجريح؟
يحيى اليحياوي: قد يكون في الانتقاد بعض من التجريح الواضح أو المضمر. لكنه يبقى من مجال الانطباع الذي لا يقاس عليه، كونه رد فعل أكثر مما هو فعل.
النقد الموضوعي يشترط متخصصين، يتعاملون مع نص، مع مجسدين له، ومع الإخراج الفني الذي يؤطره ويوجهه. وهذه مهنة قائمة تماما كمهنة الفنان الكاريكاتوري، أو الكاتب الساخر، أو صاحب الحلقة البسيطة الذي يستطيع تجميع البشر من حوله.
من جهة أخرى، فمن المتعذر الحديث عن نقد محايد ومستقل. الناقد، بكل الأحوال، يحمل منظومة وتمثل وموقف، ومن الظلم مطالبته بالانسلاخ عن ذلك لتقييم عمل تدخل فيه اعتبارات الذوق، ومستوى التعامل مع الجمال والقدرة على قراءة المتضمن فيما بين سطور سيناريو من السيناريوهات. النقد ابن بيئته، لا يستطيع أن يتجاوز عليها، أو يتعامل قسريا مع نصوص أنتجها وجسدها وأخرجها أشخاص من ذات البيئة.
* "يحيى اليحياوي : فكاهة رمضان تبين استهتار القائمين على 'الشأن التلفزي' بالمغرب"، استجواب، جريدة 'الصحراء المغربية"، 6-7 أكتوبر 2007.